في ظل تزايد الشكاوى في الضفة الغربية وقطاع غزة من إغلاق حسابات مصرفية أو تقييد خدمات بعض العملاء، يبرز مصطلح “DeBanking” بوصفه أحد أكثر المفاهيم إثارة للجدل في القطاع المالي العالمي.
ويشير المصطلح إلى حرمان أفراد أو شركات أو مؤسسات من الوصول إلى الخدمات المصرفية، سواء عبر إغلاق الحسابات أو رفض فتحها أو تقييد استخدامها، وذلك لأسباب تتعلق بالمخاطر القانونية ومتطلبات الامتثال والأنظمة الرقابية.
وفي الحالة الفلسطينية، لا يرتبط هذا الإجراء بقرارات تجارية بحتة، بل بمنظومة رقابية معقدة تفرض على البنوك العاملة في غزة والضفة الالتزام بقواعد وتشريعات محلية ودولية مرتبطة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
منظومة رقابية معقدة
يعمل القطاع المصرفي الفلسطيني ضمن بيئة رقابية شديدة التعقيد مقارنة بالعديد من الأسواق الإقليمية.
فإلى جانب القوائم الصادرة عن الجهات الفلسطينية المختصة، تلتزم البنوك أيضاً بقوائم دولية، أبرزها قوائم OFAC التابعة لوزارة الخزانة الأميركية، إضافة إلى قوائم مرتبطة بجهات رقابية دولية وإسرائيلية، في ظل التشابك المالي القائم.
كما تشمل المنظومة قوائم أخرى تتعلق بجهات مصنفة على أنها عالية المخاطر أو خاضعة لعقوبات، ما يضع البنوك أمام التزام صارم بتطبيق إجراءات فورية عند ظهور أي اسم ضمن هذه القوائم، قد تشمل تجميد الحساب أو تقييد الحركة عليه أو إنهاء العلاقة المصرفية بالكامل.
ولا تمتلك البنوك الفلسطينية هامشاً واسعاً لتجاوز هذه المتطلبات، إذ إن أي خلل في الامتثال قد يعرّضها لعقوبات مالية أو يفقدها علاقاتها مع البنوك المراسلة الدولية.
معركة البقاء في النظام المالي العالمي
خلال السنوات الماضية، واجه القطاع المصرفي الفلسطيني ضغوطاً متزايدة من جهات دولية ولوبيات مختلفة حاولت التشكيك في منظومة الامتثال أو ربطها بمخاطر تمويل غير قانوني.
ورغم هذه الضغوط، تمكنت البنوك الفلسطينية وسلطة النقد من الحفاظ على ارتباطها بالنظام المالي العالمي، عبر تطوير أنظمة الامتثال وإدارة المخاطر وتحديث قواعد الرقابة الداخلية.
ويؤكد مصرفيون أن استمرار هذا الارتباط يتطلب تطبيقاً صارماً للمعايير الدولية، حتى في الحالات التي قد تثير جدلاً مجتمعياً أو اعتراضات من العملاء المتضررين.

لماذا تخشى البنوك المخاطرة؟
لا تنظر المؤسسات المالية العالمية إلى المخاطر بشكل فردي يقتصر على عميل واحد، بل ضمن تقييم شامل لسلامة النظام المصرفي بأكمله.
وفي حال ثبوت وجود قصور واسع في تطبيق قواعد الامتثال، قد يواجه القطاع المصرفي تداعيات تتجاوز بنكاً واحداً، لتنعكس على مستوى الدولة ككل.
وتتمثل أبرز المخاوف في إمكانية إدراج النظام المالي ضمن القوائم الرمادية أو السوداء للجهات الدولية المختصة، وهو ما يترتب عليه رفع تكلفة التحويلات المالية، وتقييد العلاقات مع البنوك العالمية، وتقليل فرص الاستثمار والتعاملات الخارجية.
ورغم أن ظاهرة “DeBanking” تثير جدلاً حول حق الأفراد والمؤسسات في الوصول إلى الخدمات المالية، فإن البنوك ترى أن الامتثال لم يعد خياراً، بل ضرورة لضمان الاستمرارية.
البنوك ليست جهات خيرية
في المقابل، يشير خبراء إلى أن البنوك في نهاية المطاف مؤسسات مالية تعمل ضمن منظومة قانونية ورقابية صارمة، وليست جهات سياسية أو خيرية.
وتعتمد قدرة أي بنك على الاستمرار في النظام المالي العالمي على مدى التزامه بقواعد الامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وفي قلب هذه المنظومة يأتي مبدأ “اعرف عميلك” (KYC)، الذي يُلزم البنوك بالتحقق من هوية العملاء ومصادر أموالهم وطبيعة أنشطتهم ومستوى المخاطر المرتبطة بكل حساب.
ولا يهدف هذا الإجراء إلى التضييق على العملاء، بل إلى حماية النظام المالي من الاستغلال في أنشطة غير قانونية.
تحديث البيانات ومراجعة المخاطر
ومن المتطلبات الأساسية أيضاً قيام البنوك بتحديث بيانات العملاء بشكل دوري ومنتظم، حيث لا تنتهي العلاقة المصرفية عند فتح الحساب، بل تستمر عبر مراجعات مستمرة للبيانات الشخصية والوظيفية ومصادر الدخل وطبيعة النشاط الاقتصادي.
كما تُلزم الجهات الرقابية البنوك بإعادة تقييم مستوى المخاطر بشكل دوري للتأكد من أن المعلومات المقدمة ما تزال دقيقة وتعكس الواقع الفعلي للعميل.
فيديو: كيف تصل الأموال إلى قطاع غزة؟
