إصلاح المجلس الوطني الفلسطيني في الساحة السورية... مدخل لتجديد الشرعية وتعزيز الوحدة الوطنية
بقلم: موسى الصفدي
منذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، ظل المجلس الوطني الفلسطيني المؤسسة التشريعية العليا للشعب الفلسطيني، والإطار الذي تتجسد من خلاله وحدة الفلسطينيين في الوطن والشتات. وقد اكتسبت المنظمة شرعيتها الوطنية والعربية والدولية لأنها استطاعت أن تجمع مختلف مكونات الشعب الفلسطيني تحت مظلة سياسية واحدة، وهو ما أكدته القمم العربية، واعترفت به الأمم المتحدة عندما اعتبرت منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني. غير أن الحفاظ على هذه المكانة التاريخية لا يتحقق بالاستناد إلى الشرعية التاريخية وحدها، وإنما يتطلب أيضاً تجديد الشرعية المؤسسية بصورة دورية، بما ينسجم مع المتغيرات السياسية والاجتماعية والديموغرافية التي طرأت على تجمعات الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها الساحة السورية التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة أثرت في بنيتها الاجتماعية والتنظيمية. لقد نص النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية على أن المجلس الوطني يمثل الشعب الفلسطيني في جميع أماكن وجوده، وأن تشكيله يجب أن يحقق أوسع درجات التمثيل الوطني. وهذا المبدأ لا يقتصر على تمثيل الفصائل، وإنما يشمل كذلك القوى المجتمعية والاتحادات الشعبية والنقابات والكفاءات الوطنية والمرأة والشباب والمستقلين، لأن المنظمة كانت، ولا تزال، إطاراً وطنياً جامعاً، لا تحالفاً تنظيمياً مغلقاً. وفي الساحة السورية تحديداً، برزت خلال العقود الماضية إشكالية حقيقية في آليات اختيار أعضاء المجلس الوطني. فقد غلبت التوافقات الفصائلية، وأحياناً العلاقات الشخصية والمحسوبيات، على معايير الكفاءة والتمثيل الحقيقي، فأصبح بعض الأعضاء يمثلون تنظيماتهم أكثر مما يمثلون المجتمع الفلسطيني الذي يفترض أنهم يتحدثون باسمه. وهذه ليست مسؤولية فصيل بعينه، بل هي نتيجة تراكمات تاريخية فرضتها ظروف سياسية وتنظيمية استثنائية، إلا أن استمرارها اليوم لم يعد يخدم عملية تطوير مؤسسات منظمة التحرير. كما أن التنظيم الشعبي الفلسطيني في سوريا، رغم تاريخه الوطني ودوره الاجتماعي، لم ينجح حتى الآن في إيجاد الصيغة التي تكفل تمثيل جميع الفئات التي يفترض أن تكون حاضرة في المجلس الوطني. فلا يزال حضور الشباب محدوداً، وتمثيل المرأة دون المستوى المطلوب، كما أن كثيراً من الأكاديميين وأصحاب الخبرات والنقابيين والشخصيات الوطنية المستقلة خارج دائرة المشاركة الفعلية، الأمر الذي يضعف صورة التمثيل الشامل التي قامت عليها منظمة التحرير منذ انطلاقتها. ولا يعني ذلك تجاهل الظروف المعقدة التي قد تحول دون إجراء انتخابات مباشرة في بعض ساحات الشتات، ومنها سوريا، لكن هذه الصعوبات لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر دائم للإبقاء على آليات لم تعد تحقق العدالة في التمثيل. فالانتخابات المباشرة تبقى الخيار الأفضل كلما توفرت ظروفها، وعندما تتعذر يمكن اعتماد صيغ انتخابية غير مباشرة تقوم على هيئات منتخبة، أو مؤتمرات تمثيلية، أو معايير معلنة وشفافة تضمن مشاركة أوسع، وتحد من الاحتكار والمحسوبيات. إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بوضع معايير واضحة لعضوية المجلس الوطني، تقوم على الكفاءة، والنزاهة، والسجل الوطني، والقدرة على العطاء، مع ضمان تمثيل المرأة والشباب والاتحادات الشعبية والنقابات والكفاءات المستقلة، إلى جانب التمثيل الفصائلي. فالتوازن بين هذه المكونات هو الذي يمنح المجلس قوته ويجعله أكثر تعبيراً عن الشعب الفلسطيني بكل تنوعه. إن الدعوة إلى مراجعة نظام اختيار أعضاء المجلس الوطني ليست انتقاداً لمنظمة التحرير الفلسطينية، بل هي دفاع عنها، لأن المؤسسات الوطنية الكبرى تزداد قوة عندما تمتلك القدرة على مراجعة تجربتها وتطوير أدواتها. فالإصلاح ليس هدماً للمؤسسة، وإنما هو حماية لها من الجمود، وضمان لاستمرارها قادرة على قيادة المشروع الوطني الفلسطيني في مواجهة التحديات المتصاعدة. واليوم، في ظل ما يواجهه شعبنا من محاولات لتصفية قضيته الوطنية، تزداد الحاجة إلى مؤسسات أكثر حيوية وتمثيلاً، وإلى مجلس وطني يعكس حقيقة الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، ويجمع بين الشرعية التاريخية والشرعية الديمقراطية. فبهذا وحده تستطيع منظمة التحرير الفلسطينية أن تعزز مكانتها بيتاً وطنياً جامعاً لكل الفلسطينيين، وأن تبقى القائد الشرعي لنضالهم حتى تحقيق الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.أرى أن هذا الموضوع يستحق أن يكون جزءًا من سلسلة مقالات تتناول إصلاح مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، تشمل إصلاح المجلس الوطني، والمجلس المركزي، والاتحادات الشعبية، بما ينسجم مع الحفاظ على وحدة المنظمة وتعزيز دورها التاريخي.
