بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لا تسقط الأمم دفعة واحدة، ولا تفقد الشعوب حقوقها بين ليلة وضحاها، وإنما يبدأ التراجع بخطوة صغيرة، يبررها البعض تحت عنوان الواقعية السياسية، أو الضرورات، أو تجنب الخسائر. غير أن التجربة الإنسانية، كما صفحات التاريخ، تؤكد أن التنازل الأول نادراً ما يكون الأخير، وأن الحقوق التي لا تُحمى تتحول مع الزمن إلى ذكريات، والمبادئ التي يُفرَّط بها تصبح مجرد شعارات لا تجد من يدافع عنها. تروي الحكمة الشعبية قصة ديك اعتاد أن يوقظ الناس مع بزوغ الفجر، فطُلب منه أن يصمت، فقبل خوفاً من العقاب. ثم طُلب منه أن يتخلى عن طبيعته ويقلد الدجاج، فاستجاب مرة أخرى حفاظاً على حياته. ولم تمضِ الأيام حتى وجد نفسه أمام مطلب أكثر عبثية؛ أن يبيض كالدجاج، وإلا كان الذبح مصيره. عندها أدرك أن المشكلة لم تكن في صوته، وإنما في قبوله المستمر بالتنازل عن هويته، حتى فقد ذاته قبل أن يفقد حياته. هذه الحكاية ليست مجرد قصة رمزية، بل هي قراءة مكثفة لمسار يتكرر في حياة الأفراد والدول والشعوب. فالابتزاز لا يتوقف عند حدود التنازل الأول، بل يتحول إلى سياسة قائمة على اختبار الإرادة، وكلما تراجع الطرف المستهدف خطوة، ارتفعت سقوف المطالب، واتسعت دائرة الضغوط، حتى يصبح التنازل هو القاعدة، والثبات على المبدأ هو الاستثناء. وفي واقعنا العربي والفلسطيني، حيث تتشابك التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً للتمييز بين المرونة السياسية بوصفها أداة لإدارة الصراع، وبين التفريط بالثوابت الوطنية والقيم الجامعة. فالحكمة ليست مرادفاً للاستسلام، والواقعية لا تعني التخلي عن الحقوق، والتسويات الناجحة هي تلك التي تحفظ الكرامة وتصون المصالح، لا تلك التي تُكرّس موازين القوة وتمنح الشرعية لسياسة فرض الأمر الواقع. لقد أثبت التاريخ أن الشعوب التي حافظت على وحدتها وثوابتها استطاعت، مهما طال الزمن، أن تستعيد حقوقها، بينما دفعت الشعوب التي اعتادت تقديم التنازلات المتتالية أثماناً مضاعفة، لأن الخصم لا يكتفي بما يُمنح له، بل يطالب دائماً بالمزيد. إن الدفاع عن المبادئ لا يعني الجمود، كما أن الانفتاح على الحلول لا يعني التفريط بالثوابت. فالسياسة الرشيدة هي التي تجمع بين الواقعية والثبات، وبين المرونة وصون الكرامة، لأن الكرامة ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هي معيار تُقاس به مواقف الأمم في اللحظات الفاصلة من تاريخها. ولعل الرسالة الأعمق التي تحملها تلك الحكاية البسيطة أن الإنسان، كما الوطن، قد يخسر الكثير إذا تنازل عن أولى ثوابته ظناً منه أنه يحمي نفسه من الخطر. فالخطر الحقيقي لا يبدأ عندما تشتد الضغوط، بل عندما يفقد الإنسان إيمانه بحقه، وتفقد الأمة ثقتها بعدالة قضيتها. وقد أحسن الحكماء حين قالوا: "إن القرارات التي تصنعها الكرامة قد تكون مؤلمة في لحظتها، لكنها وحدها القادرة على صناعة مستقبل يحفظ الحرية والحقوق والكرامة."
