بقلم:رامي الغف
ليست الدبلوماسية الفلسطينية مجرد مكاتب أنيقة، ولا سيارات رسمية، ولا حفلات استقبال، ولا ألقاب تُسبق بكلمة "سعادة". إنها، في جوهرها، خط الدفاع الأول عن فلسطين، وصوت شعبها في المحافل الدولية، والجسر الذي يربط الوطن بأبنائه المنتشرين في أصقاع الأرض. لكن حين تتحول بعض المناصب الدبلوماسية إلى امتيازات شخصية أكثر منها مسؤوليات وطنية، يصبح من حق المواطن أن يتساءل: من تخدم هذه الدبلوماسية... الوطن أم أصحاب المناصب؟ السفير لا يمثل نفسه، بل يمثل فلسطين بكل ما تحمله من تضحيات وآلام وآمال. ولذلك فإن أي تقصير في خدمة المواطن، أو أي انفصال عن هموم الجاليات الفلسطينية، لا يُعد إخفاقًا إداريًا فحسب، بل يمس صورة الدولة ومؤسساتها وثقة الناس بها.
كثير من الفلسطينيين في الخارج لا يبحثون عن معاملة استثنائية، بل عن الحد الأدنى من الاهتمام، وعن سفارة تستقبلهم باعتبارهم أصحاب حق، لا عبئًا إداريًا. الطالب يريد من يتابع قضيته، والمريض يحتاج إلى من يسند موقفه، والعامل ينتظر من يدافع عن حقوقه، والجالية تتطلع إلى مؤسسة تجمعها وتحفظ كرامتها. تلك هي الوظيفة الحقيقية للسفارة، لا الاكتفاء بالبيانات البروتوكولية والصور الرسمية. ليس المطلوب جلد المؤسسة الدبلوماسية، ففيها كفاءات وطنية أثبتت حضورها واستحقت احترام الفلسطينيين، لكن حماية هذه النماذج تبدأ بمحاسبة كل من يسيء إلى المنصب ويُفرغه من مضمونه. فلا يجوز أن يصبح الموقع الدبلوماسي امتيازًا دائمًا بعيدًا عن الرقابة والتقييم، ولا أن تتحول الامتيازات المالية والإدارية إلى غاية بحد ذاتها بينما يتراجع مستوى الخدمة العامة.
إن المال الذي يُنفق على البعثات الدبلوماسية هو مال الشعب الفلسطيني، ولذلك فمن حق الشعب أن يعرف كيف يُدار، وما حجم الإنجاز الذي يقابله. فالشفافية ليست ترفًا، والمساءلة ليست استهدافًا لأحد، بل هما الضمانة الوحيدة لبناء مؤسسات محترمة تحظى بثقة مواطنيها. إن المرحلة التي تمر بها القضية الفلسطينية تفرض دبلوماسية استثنائية؛ دبلوماسية تقود معركة سياسية وقانونية وإعلامية دفاعًا عن الحقوق الوطنية، وتكون حاضرة بين أبناء شعبها قبل حضورها في قاعات المؤتمرات. فالسفير الناجح ليس من يكثر ظهوره أمام الكاميرات، بل من يترك أثرًا حقيقيًا في حياة المواطنين، ويجعل السفارة بيتًا مفتوحًا لكل فلسطيني.
ومن هنا، فإن المسؤولية تقع على عاتق وزارة الخارجية في ترسيخ ثقافة التقييم المستمر، وربط استمرار أي مسؤول في موقعه بحجم إنجازه، ومدى التزامه بخدمة المواطن، وقدرته على تمثيل فلسطين بما يليق بتضحيات شعبها. فالمناصب ليست ملكًا لأصحابها، بل أمانة وطنية، ومن لا يحمل هذه الأمانة بإخلاص، لا يستحق الاستمرار فيها. فلسطين اليوم لا تحتاج إلى دبلوماسية تُجيد البروتوكول بقدر ما تحتاج إلى دبلوماسية تُجيد خدمة الإنسان الفلسطيني. ولا تحتاج إلى مسؤولين يبحثون عن بريق المنصب، بل إلى رجال دولة يدركون أن قيمة المنصب ليست فيما يمنحه من امتيازات، وإنما فيما يفرضه من واجبات. فحين تصبح خدمة المواطن معيار البقاء، وتصبح الكفاءة أساس التكليف، عندها فقط تستعيد الدبلوماسية الفلسطينية رسالتها الحقيقية، ويصبح المنصب وسيلة لخدمة الوطن، لا امتيازًا يُدافع عنه.
*الاعلامي والكاتب الصحفى
