«الموساد» تحت النار.. خطة تنصيب أحمدي نجاد تتحول إلى كابوس لنتنياهو

أحمدي نجاد
أحمدي نجاد

أثيرت موجة كبيرة من الانتقادات داخل إسرائيل عقب نشر تفاصيل الخطة التي أعدها جهاز «الموساد» الإسرائيلي لإسقاط النظام الإيراني، والتي انتهت إلى الفشل، وذلك في ظل تصاعد الدعوات المطالبة برحيل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إلى جانب رئيس الموساد السابق ديفيد برنياع، الذي تولى إعداد الخطة.

ووفقًا لما ذكرته وسائل إعلام إسرائيلية، الأربعاء، نقلًا عن مسؤولين أمنيين، فأن الخطة اتسمت بالسذاجة ونُفذت بعقلية الهواة لا المحترفين، مؤكدين أن غالبية المسؤولين الأميركيين رفضوها منذ البداية لاقتناعهم بأنها محكومة بالفشل.

وقد كشفت مصادر أمنية وسياسية في واشنطن وتل أبيب تفاصيل هذه الخطة في تقارير نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز» الأحد الماضي، تلتها صحيفة «هآرتس» في تقارير نشرتها يومي الأحد والاثنين.

تفاصيل الخطة

وبحسب ما ورد، تم إعداد الخطة قبل اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية الأخيرة على إيران، وشملت عدة محاور رئيسية، أبرزها اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، واستغلال حالة الفوضى التي يُتوقع أن تعقب مقتله لدفع الإيرانيين إلى التظاهر ضد النظام.

كما شملت الخطة تجنيد جماعات كردية مسلحة لشن هجوم على طهران بمشاركة عناصر من أقليات أخرى، والاستعانة بأذربيجان لفتح جبهة من الشمال، إضافة إلى تجنيد الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، تمهيدًا لتنصيبه رئيسًا جديدًا عقب إسقاط النظام.

رفض أميركي منذ البداية

والجدير بالإشارة أن نتنياهو قد عرض الخطة على الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفريقه خلال زيارته إلى البيت الأبيض في 11 فبراير (شباط) 2025، فيما شارك ديفيد برنياع في الاجتماع عبر اتصال مرئي من مقر الموساد في غليلوت.

وفي هذا السياق أكدت صحيفة «هآرتس» العبرية، إن الانطباع الأول أوحى بأن ترامب اقتنع بضرورة تغيير النظام الإيراني، إلا أن موقفه تبدل بعد اجتماع عقده في اليوم التالي مع كبار مستشاريه.

وأثناء ذلك الاجتماع، أعرب نائب الرئيس جي دي فانس عن شكوكه بشأن الخطة، بينما وصفها وزير الخارجية ماركو روبيو بأنها «هراء»، في حين اعتبر مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف أنها «مهزلة».

وخلص كبار مسؤولي الاستخبارات الأميركية إلى أن الرهان على غزو كردي لإسقاط النظام الإيراني لا يستند إلى أي أساس واقعي، فيما أنهى ترامب النقاش بالقول إن تغيير النظام الإيراني سيكون «مشكلتهم».

وفي السياق ذاته، أفادت الصحيفتان بأن الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد وافق على التعاون مع إسرائيل تمهيدًا لتوليه السلطة، إلا أن مكتبه أصدر بيانًا شديد اللهجة نفى فيه هذه الرواية بالكامل.

وفي المقابل أكد مكتب أحمدي نجاد أن ما ورد في التقارير «كذب بالكامل»، واصفًا تلك المزاعم بأنها «سيناريو هوليوودي» و«ادعاءات سخيفة» تهدف إلى إثارة البلبلة وشن حرب نفسية ضد الإيرانيين.

وأوضح البيان، الذي نشره موقع «دولت بهار» المقرب من أحمدي نجاد، أن الرئيس الأسبق يواصل نشاطه المعتاد في خدمة المواطنين، نافيًا خضوعه للإقامة الجبرية أو وجود أي علاقة تربطه بإسرائيل.

انتقادات للموساد

ومن جانبها، نشرت صحيفة «هآرتس» سلسلة من التصريحات لمسؤولين أمنيين سابقين وحاليين اعتبرت أن خطة نتنياهو وبرنياع تمثل إخفاقًا كبيرًا.

وقال مسؤول أمني رفيع إن الموساد أخطأ عندما تصور إمكانية إسقاط نظام بهذا الحجم والإمكانات من خلال وسائل محدودة.

كما لفتت مصادر أخرى إلى أن خطة بهذا الحجم كان يفترض أن تكون ثمرة سنوات طويلة من الإعداد، إلا أنها صيغت خلال بضعة أشهر فقط.

ومن جهته، أكد رئيس الموساد السابق تامر باردو إنه عندما كان يقود وحدة العمليات الخاصة، كان يشرف على عمليات استراتيجية يجري التحضير لها لمدة عامين على الأقل للوصول إلى نتائج حقيقية.

كما شدد رام بن باراك، نائب رئيس الموساد السابق وعضو لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، على أن تنفيذ خطة لتغيير نظام حكم لا يمكن إنجازه خلال أشهر معدودة، موضحًا أنه كان يقدر أن مثل هذه المهمة تحتاج إلى ما لا يقل عن عشر سنوات، نظرًا لما تتطلبه من بناء قيادة بديلة، وتجنيد عناصر، وتأمين الأسلحة، وإدارة عمليات معقدة.

وتابع مصدر آخر في الموساد أن المشروع كان يفترض أن يمتد لنحو 15 عامًا، وأن تنتقل مسؤوليته بين أكثر من رئيس للموساد، مؤكدًا أن الجهاز لا يمكن تحريكه بهذه السرعة.

بينما أشار مسؤول سابق شغل منصب رئيس قسم داخل الموساد إلى إن مثل هذه العمليات تحتاج إلى بنية ضخمة واستعدادات هائلة، وحتى بعد إنجازها لا يمكن ضمان نجاحها.

وأكد المصدر ذاته أن الغرور والتمسك بالخطة مهما كانت التحذيرات لعبا دورًا بارزًا في استمرار المشروع، موضحًا أن نتنياهو تجاهل آراء المسؤولين السابقين وتحذيرات الأجهزة الاستخباراتية، كما فعل بعض كبار مسؤولي الموساد.

كما كشف مسؤول أمني أنه تلقى دعوة من الموساد للاجتماع مع رئيس قسم التأثير المسؤول عن الخطة، لكنه شعر منذ البداية أن المسؤول مقتنع تمامًا بما يقوم به ولا يرغب في الاستماع لأي رأي مختلف، فغادر الاجتماع بعد وقت قصير.

فيما تساءل مسؤول أمني آخر عن غياب الأصوات التي كان يفترض أن تعترض على الخطة منذ البداية، معتبرًا أن المختصين كان يجب أن يوقفوا هذه الأفكار التي وصفها بأنها بلا أساس.

ويعتقد عدد من المسؤولين المشاركين في النقاشات الحالية أن الخطة كانت خطأً استراتيجيًا كبيرًا، إذ قال أحد المصادر الأمنية إن الموساد ساهم في خلق وهم بإمكانية نجاح العملية، بينما يتحمل نتنياهو مسؤولية مواصلة تنفيذها رغم تلقيه تحذيرات واضحة بشأن عدم جدواها.

خلاف حول تقييم النتائج

بينما ناشدت أصوات أخرى بعدم التسرع في إصدار الأحكام، معتبرة أن نتائج الحملة على إيران لن تتضح إلا بعد سنوات.

واستشهد أصحاب هذا الرأي بما حدث عقب حرب لبنان الثانية، التي انتهت بإحساس إسرائيلي بالإخفاق، لكنها أعقبتها سنوات طويلة من الهدوء على الحدود.

ولا يزال ديفيد برنياع يعتقد أن النظام الإيراني يتجه نحو الانهيار متوقعًا حدوث ذلك خلال فترة تتراوح بين عام وثلاثة أعوام، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن نجاح الولايات المتحدة وإيران في التوصل إلى اتفاق يفضي إلى رفع العقوبات والإفراج عن الأصول الإيرانية سيمنح النظام فرصة كبيرة للاستمرار.

وأردف "برنياع"، أن النظام الإيراني، في هذا السيناريو، سيكون قد تجاوز الاحتجاجات الداخلية، وصمد أمام هجوم من أكبر قوة عسكرية في العالم، وواجه حملة ضغوط متواصلة بشأن مضيق هرمز، ومع تدفق الأموال قد يشهد قطاعه الدفاعي نموًا كبيرًا، وهو ما يجعل المغامرة التي خاضها نتنياهو ذات كلفة مرتفعة على إسرائيل.

انتقادات حادة

وبحسب ما جاء في مقال نشرته صحيفة «هآرتس» أمس الأربعاء، فإن الرئيس الأسبق للجنة الخارجية والأمن في الكنيست، عوفر شلح، اعتبر أن الأضرار التي لحقت بأمن إسرائيل ومكانتها الدولية نتيجة هذه المغامرة لا تقل عن تداعيات هجوم السابع من أكتوبر، مرجعًا ذلك إلى خلل متجذر في الثقافة الأمنية وطريقة التفكير الإسرائيلية.

وأشار "شلح"، إلى إن أول أوجه الخلل يتمثل في الاعتماد على أوهام بعيدة عن الواقع، متسائلًا كيف يمكن الاعتقاد بأن بضعة آلاف من المقاتلين الأكراد وشخصًا واحدًا داخل طهران، إلى جانب عمليات تأثير رقمية، قادرون على إسقاط نظام يحكم دولة تبلغ مساحتها 74 ضعف مساحة إسرائيل ويضم جيشها والحرس الثوري نحو مليون عنصر.

وتابع "شلح"، أن التاريخ لم يقدم نموذجًا واحدًا لنجاح مثل هذه السيناريوهات، مستشهدًا بفشل الولايات المتحدة في خليج الخنازير، وإسرائيل في لبنان، وكذلك الإخفاقات الأميركية والروسية في أفغانستان.

كما انتقد "شلح"، المسؤولين الإسرائيليين لانشغالهم بصور الأقمار الصناعية وبيانات العمليات العسكرية، مقابل تجاهلهم لدروس التاريخ والمنطق.

ورأى "شلح"، أن الفشل الثاني يتمثل في غياب الشجاعة لدى المسؤولين الذين التزموا الصمت رغم قناعتهم بعدم جدوى الخطة، بينما فضل بعضهم التعاون مع نتنياهو على أمل الاستفادة من نجاح محتمل.

ويتمثل الفشل الثالث، بحسب "شلح"، في إدارة الخطة بعقلية الهواة، موضحًا أنه بعد سقوط الخطة الأولى طلب برنياع إعداد خطة بديلة خلال 48 ساعة، رغم إدراك الجميع أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قادر على وقف العملية في أي لحظة، كما حدث في يونيو (حزيران) 2025.

واستطرد "شلح"، أنه لم يتم إعداد أي خطة بديلة تتناسب مع تلك المتغيرات، كما لم توضع أهداف واقعية أو استراتيجية إعلامية لخفض سقف التوقعات.

واختتم "شلح" مقاله بالقول إن نتنياهو كان يعتقد أن تحقيق ما وصفه بـ«النصر المطلق» في إيران سيمحو إخفاقاته وينقذه سياسيًا وشخصيًا، إلا أن النتيجة كانت، بحسب وصفه، تستوجب رحيله مع ديفيد برنياع «مكللين بالخزي والعار».

وأكد أن الاكتفاء بإقالة المسؤولين أو تشكيل لجنة تحقيق لن يكون كافيًا لمعالجة الأسباب العميقة التي أدت إلى هذا الإخفاق الكبير.

هآرتس