الشباب الفلسطيني في الشتات.. من هامش المشاركة إلى صناعة المستقبل الوطني

بقلم: موسى الصفدي

لا يمكن لأي حركة تحرر وطني أن تضمن استمرارية مشروعها إذا بقيت أجيالها الجديدة خارج دائرة الفعل الوطني. فالتاريخ الفلسطيني يثبت أن الثورة الفلسطينية المعاصرة لم يصنعها جيل واحد، وإنما تعاقبت عليها أجيال حملت الراية، وأضاف كل منها لبنة جديدة في مسيرة النضال الوطني. واليوم، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً لتمكين الشباب الفلسطيني، ولا سيما في ساحات الشتات، من المشاركة الفاعلة في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. لقد تغيرت طبيعة المجتمع الفلسطيني في الشتات، وخاصة في سوريا، بصورة عميقة خلال السنوات الأخيرة. فالحرب وما رافقها من نزوح وهجرة أعادت تشكيل البنية الاجتماعية، وبرز جيل جديد تلقى تعليمه في جامعات مختلفة، واكتسب خبرات مهنية وتقنية وثقافية واسعة، لكنه لا يزال بعيداً، في كثير من الأحيان، عن مواقع التأثير في المؤسسات الوطنية. إن المشكلة لا تكمن في غياب الكفاءات، بل في غياب الآليات التي تتيح لهذه الكفاءات أن تشارك في صناعة القرار. وما زالت بعض المؤسسات تعتمد أنماطاً تقليدية في اختيار القيادات، فتغلب الأقدمية أو العلاقات الشخصية أو الاعتبارات التنظيمية الضيقة على معايير الكفاءة والقدرة على الإنجاز، وهو ما يحرم المشروع الوطني من طاقات كبيرة يحتاج إليها في هذه المرحلة الدقيقة. ولا يعني تمكين الشباب القفز فوق الخبرات التاريخية التي راكمتها الحركة الوطنية الفلسطينية، بل يعني إقامة شراكة حقيقية بين جيل التأسيس وجيل المستقبل. فالأمم والمؤسسات الناجحة هي التي تجعل من الخبرة مصدراً للإرشاد، ومن طاقة الشباب محركاً للتجديد، فتتحقق المعادلة التي تجمع الحكمة بالحيوية. لقد كانت حركة فتح، منذ انطلاقتها، حركة شبابية بامتياز. وكان معظم قادتها الأوائل في مقتبل العمر عندما حملوا مسؤولية إطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة. وهذا الإرث التاريخي يدعونا إلى إعادة الاعتبار لدور الشباب، لا باعتباره منحة تقدمها القيادات، وإنما باعتباره حقاً وطنياً، وضرورة استراتيجية لضمان استمرار المشروع الوطني. ومن هنا، فإن الإصلاح المؤسسي يجب أن يتضمن سياسات واضحة لإعداد القيادات الشابة، من خلال برامج تدريب وطنية، وتأهيل سياسي وتنظيمي، وإتاحة الفرصة للمشاركة في اللجان والمؤتمرات والاتحادات الشعبية، مع اعتماد معايير شفافة تضمن تكافؤ الفرص، بعيداً عن المحسوبيات أو الاعتبارات الشخصية. وفي الساحة السورية على وجه الخصوص، يصبح هذا الأمر أكثر أهمية، لأن المجتمع الفلسطيني هناك يمتلك نخبة واسعة من الشباب المتعلم في مجالات الطب والهندسة والقانون والإعلام والاقتصاد والتكنولوجيا، وهي طاقات ينبغي أن تجد مكانها الطبيعي في المؤسسات الوطنية، وأن تسهم في صياغة رؤى جديدة لمواجهة تحديات المرحلة. كما أن إشراك الشباب في العمل الوطني لا يقتصر على إشغال المواقع التنظيمية، بل يشمل أيضاً إشراكهم في إعداد الدراسات، وصياغة المبادرات، وإدارة الإعلام ، والعمل الدبلوماسي الشعبي، والتواصل مع الجاليات الفلسطينية، بما يواكب التحولات التي يشهدها العالم في وسائل التأثير والرأي العام. إن منظمة التحرير الفلسطينية، وهي تخوض معركة الدفاع عن الهوية الوطنية والحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، تحتاج إلى استثمار كل طاقات شعبها، وفي مقدمتها الشباب. فالمعركة اليوم ليست عسكرية أو سياسية فقط، بل هي أيضاً معركة وعي، وإعلام، وقانون، ورواية تاريخية، واقتصاد، وعلاقات دولية، وهي ميادين يمتلك فيها الشباب إمكانات كبيرة إذا أتيحت لهم الفرصة. إن تجديد الدماء في مؤسساتنا الوطنية لا ينتقص من قيمة الرواد، بل يكرم تضحياتهم، لأن أعظم وفاء للجيل المؤسس هو أن يبقى المشروع الوطني متجدداً وقادراً على الاستمرار. فالثورة التي لا تنتج قيادات جديدة، والمؤسسة التي لا تفتح أبوابها أمام الأجيال القادمة، تصبح معرضة للجمود مهما كان تاريخها عظيماً. إن المستقبل الوطني الفلسطيني يحتاج إلى عقد جديد بين الأجيال، يقوم على الشراكة لا الإقصاء، وعلى الكفاءة لا المحسوبية، وعلى الديمقراطية الداخلية لا الاحتكار. وعندها فقط ستبقى منظمة التحرير الفلسطينية قادرة على تجديد شرعيتها، وتعزيز وحدتها، وقيادة شعبها بثقة نحو تحقيق أهدافه الوطنية في الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية

البوابة 24