" بين وطنين… وحقيقة واحدة"
فراس الطيراوي – شيكاغو
عدتُ من فلسطين بذاكرةٍ أثقل.
فالوطن قد نغادره بأجسادنا، لكنه يرفض أن يغادر أرواحنا.
ذهبتُ مشتاقًا، وعدتُ أكثر حبًا لفلسطين… وأكثر قلقًا عليها.
في تلك الأيام، كان للجمال حضوره؛ دفء اللقاءات، ورائحة الأرض، والوجوه التي تختصر معنى الانتماء. وكان من أعظم ما أكرمني الله به أن أصلي في رحاب المسجد الأقصى المبارك، حيث تعجز اللغة أمام هيبة المكان. هناك تدرك أن القدس ليست خبرًا عابرًا، وأن الأقصى ليس عنوانًا تستدعيه السياسة عند الأزمات، بل ذاكرة أمة، وروح شعب، وتاريخ حيّ يقاوم النسيان.
لكن فلسطين ليست جمالًا فقط.
هي أيضًا اختبارٌ يومي لمعنى الحرية.
فالاحتلال، لمن يراه عن قرب، ليس مصطلحًا سياسيًا تتداوله نشرات الأخبار، بل واقعٌ يتسلل إلى تفاصيل الحياة الصغيرة؛ إلى الطريق الذي تسلكه، والوقت الذي تحتاجه لزيارة أهلك، والسؤال الذي يرافقك في كل رحلة: هل أصل، أم يعترضني حاجز، أو إغلاق، أو خوف لم يكن في الحسبان؟
في الولايات المتحدة نقيس المسافات بالأميال. أما في فلسطين، فتُقاس بالحواجز والانتظار والاحتمالات.
ولم يعد عنف المستوطنين حادثًا يمكن إخفاؤه خلف تعبيرات دبلوماسية مثل «التوتر» أو «الاحتكاكات». فاللغة قد تُهذّب الكلمات، لكنها لا تُغيّر الحقيقة، والظلم لا يصبح أقل ظلمًا لأننا منحناه اسمًا ألطف.
ولسنوات طويلة، روى الفلسطيني هذا الواقع، بينما تعامل كثيرون مع روايته بوصفها رواية طرفٍ في صراع. لكن الصورة بدأت تتغير عندما وثّقت وسائل إعلام أمريكية اعتداءات على صحفيين دوليين في الضفة الغربية، وعندما تحدث عضو الكونغرس الأمريكي رو خانا عن مواجهته مستوطنين مسلحين خلال زيارة ميدانية.
وهنا يفرض السؤال نفسه:
كم يحتاج الفلسطيني من الشهود حتى تُصدَّق شهادته؟
وهل تصبح الحقيقة أكثر إقناعًا عندما ينطق بها صحفي غربي أو نائب في الكونغرس، بينما تبقى شهادة الفلسطيني وحدها موضع تشكيك؟
ليست هذه دعوة إلى تصديق الفلسطيني لأنه فلسطيني، بل دعوة إلى الإنصاف. فالحق لا تتغير قيمته باختلاف هوية من يرويه.
وخلال الزيارة، تشرفت، مع مجموعة من أبناء الجالية الفلسطينية الأمريكية، بلقاء الرئيس محمود عباس.
ومن بين ما قاله لنا عبارة بقيت ترافقني طوال رحلة العودة:
«أنتم سفراؤنا هناك».
لم أسمعها بوصفها مجاملة بروتوكولية، بل مسؤولية أخلاقية.
فنحن، الفلسطينيين الأمريكيين، لا نخاطب الولايات المتحدة من خارجها. نحن جزء من مجتمعها. نعمل فيها، وندفع الضرائب، ونربي أبناءنا، ونشارك في مؤسساتها، ونصوت في انتخاباتها.
ولذلك فإن حديثنا عن فلسطين ليس صوتًا غريبًا يطرق باب أمريكا، بل صوت مواطن أمريكي يحمل في ذاكرته وطنًا آخر.
ومن هنا تبدأ مسؤوليتنا.
ليس أن نحول فلسطين إلى شعار، ولا أن نختصرها في الغضب، بل أن نحمل روايتها بصدق، وأن نقدمها كما هي، بعيدًا عن المبالغة والانفعال.
فنحن لا نطلب من أمريكا أن تعادي أحدًا، بل أن تبقى وفيةً للقيم التي جعلتها مرجعًا لكثيرين حول العالم؛ الحرية، والمساواة، والعدالة.
فالحرية لا ينبغي أن تتوقف عند حاجز.
والكرامة لا تتغير باختلاف الهوية.
والأمن لا يجوز أن يكون حقًا مطلقًا لشعب، وهاجسًا يوميًا لشعب آخر.
جواز واحد… وأسئلة أكبر
كانت المفارقة الأعمق في رحلتي عند العودة إلى الولايات المتحدة.
غادرت عبر مطار بن غوريون، وأنا أحمل الجنسيتين الأمريكية والفلسطينية. لم تكن تلك مجرد رحلة سفر، بل تجربة دفعتني إلى التفكير في معنى المواطنة، وفي المسافة بين المبادئ المعلنة والممارسة على الأرض.
عندما انضمت ( إسرائيل ) عام 2023 إلى برنامج الإعفاء من التأشيرة الأمريكي، كان مبدأ المعاملة بالمثل للمواطنين الأمريكيين، بمن فيهم الأمريكيون من أصول فلسطينية، أحد الأسس التي استند إليها هذا القرار.
اعتقدت أن الرسالة واضحة:
إذا كان الجواز واحدًا، فيجب أن تكون المعاملة واحدة.
لكن ما واجهته عند المغادرة ترك لدي أسئلة لا تزال بلا إجابة.
وصلت إلى المطار قبل موعد رحلتي إلى شيكاغو بوقت كافٍ، فبدأت سلسلة طويلة من الأسئلة، ثم الانتظار، ثم إجراءات أمنية استمرت حتى اللحظات الأخيرة قبل إقلاع الطائرة. وصلت إلى البوابة في آخر لحظة، لكن رحلتي لم تنتهِ عند ذلك.
عندما حطت الطائرة في مطار أوهير، اكتشفت أن حقائبي الخمس لم تصل معي، وأُبلغت بأنها بقيت في تل أبيب وستصل لاحقًا على رحلة أخرى.
وهنا أروي الوقائع كما عشتها: ساعات من التأخير والاستجواب، ثم وصول إلى الطائرة في اللحظة الأخيرة، ثم وصول إلى أمريكا من دون أي واحدة من حقائبي.
وربما لم تكن الحقائب هي القضية.
القضية كانت السؤال الذي ظل يرافقني طوال الطريق:
هل يُقرأ الجواز أولًا… أم تُقرأ هوية صاحبه؟ من حق أي مواطن أمريكي أيضًا أن يتساءل إن كانت أصوله الفلسطينية قد أصبحت سببًا لمعاملة مختلفة.
وهنا تحديدًا يُختبر معنى المعاملة بالمثل.
ليس في البيانات الرسمية، ولا في المؤتمرات الصحفية، بل عند بوابات المطارات، وفي غرف الانتظار، وفي الطريقة التي يُعامل بها الإنسان عندما لا يبقى بينه وبين الدولة سوى جواز سفره.
ومن حقنا، نحن الأمريكيين من أصول فلسطينية، أن نسأل:
من يراقب تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل على أرض الواقع؟
ومن يضمن ألا تتحول أصول المواطن إلى سبب يجعله يُعامل بطريقة مختلفة عن أي مواطن أمريكي آخر؟
نحن نحمل الجواز نفسه، ونؤدي الواجبات نفسها، ونشارك في بناء المجتمع الأمريكي مثل غيرنا.
ولذلك، لا ينبغي أن تكون مواطنتنا موضع اختبار كلما مررنا عبر بوابة حدود.
أحب أمريكا، لأنها الوطن الذي بنيت فيه حياتي وأسرتي ومستقبل أبنائي. ولهذا السبب تحديدًا أطالبها بأن تبقى وفيةً للقيم التي تعلن الدفاع عنها.
فانتقاد الاحتلال ليس عداءً لشعب أو دين.
والدفاع عن الحقوق الفلسطينية ليس معاداةً لليهود.
ورفض معاداة السامية يجب أن يكون واضحًا وحاسمًا، تمامًا كما يجب أن يكون رفض الاحتلال، والتمييز، وعنف المستوطنين واضحًا وحاسمًا.
فالعدالة لا تتجزأ، والمبادئ تفقد معناها عندما تُطبَّق على شع
