من ماسبيرو إلى تل أبيب.. سلاح مصري ناعم يثير قلق إسرائيل منذ عهد عبدالناصر

صوت القاهرة
صوت القاهرة

أعاد تقرير بثته القناة الرابعة عشرة الإسرائيلية فتح ملف إذاعة "صوت القاهرة" الناطقة بالعبرية، بعد أن خصص مساحة واسعة للحديث عن استمرار بثها من مبنى ماسبيرو في القاهرة رغم مرور أكثر من سبعين عامًا على انطلاقها، ووصف التقرير المحطة بأنها إحدى أدوات "الحرب النفسية" التي استخدمتها مصر تاريخيًا في مخاطبة المجتمع الإسرائيلي بلغته، معتبرًا أن استمرار وجودها يعكس بقاء أحد أقدم أدوات التأثير الإعلامي المصري في المشهد، وهو ما أثار نقاشًا واسعًا حول الدور الذي تؤديه هذه الإذاعة في الوقت الراهن.

وسيلة للتأثير داخل المجتمع الإسرائيلي

وبحسب ما ورد في التقرير الإسرائيلي، فإن إذاعة "صوت القاهرة" لم تنشأ لتقديم محتوى ترفيهي أو إخباري تقليدي، بل خطط لها منذ البداية كمنصة إعلامية موجهة تستهدف الجمهور الإسرائيلي مباشرة باللغة العبرية، بهدف نقل الرواية المصرية والعربية إلى الداخل الإسرائيلي بعيدًا عن وسائل الإعلام المحلية.

وأشار التقرير إلى أن الإذاعة اعتمدت على كوادر مصرية متخصصة في اللغة العبرية تضم مترجمين ومذيعين ومحللين سياسيين من خريجي الجامعات المصرية وفي مقدمتها جامعة عين شمس، وهو ما منحها – بحسب الرواية الإسرائيلية – قدرة كبيرة على مخاطبة المجتمع الإسرائيلي بلغته وفهم تركيبته الثقافية والسياسية مع الالتزام في الوقت نفسه بالضوابط الأمنية والإعلامية المصرية.

محطات تاريخية

وسلط التقرير الضوء على المسار التاريخي للإذاعة موضحًا أنها بدأت بثها في الثالث من مايو عام 1953، لتصبح من أوائل المحطات الأجنبية التي تقدم برامج باللغة العبرية بعد قيام دولة إسرائيل، إلى جانب إذاعة "بي بي سي" وإذاعة "صوت دمشق".

ووفقًا للرواية الإسرائيلية، جاءت فكرة إنشاء المحطة في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ضمن منظومة الإعلام الموجه خلال مرحلة الصراع العربي الإسرائيلي، حيث ركزت برامجها آنذاك على الرسائل السياسية والدعاية المضادة، مستخدمة لغة حادة وتقارير إذاعية ذات طابع تعبوي استهدفت التأثير في الرأي العام الإسرائيلي ومعنويات الجيش والسكان.

تغير الأسماء واختلاف الرسائل عبر العقود

أوضح التقرير أن الإذاعة مرت بعدة مراحل حملت خلالها أسماء مختلفة ارتبطت بالتحولات السياسية في المنطقة، إذ تغير اسمها إلى "صوت الرعد" مع قيام الجمهورية العربية المتحدة عام 1958، واستمرت بهذا الاسم حتى بداية السبعينيات قبل أن تتحول لاحقًا إلى "صوت السلام" عقب زيارة الرئيس الراحل أنور السادات إلى القدس عام 1977، حيث أصبحت رسائلها أكثر هدوءًا وانسجامًا مع مرحلة السلام بين القاهرة وتل أبيب قبل أن تعود لاحقًا إلى اسمها الأصلي "صوت القاهرة".

1.jpeg


 

حروب المنطقة

وربط التقرير الإسرائيلي بين نشاط الإذاعة وعدد من المحطات العسكرية الكبرى، وعلى رأسها حرب يونيو 1967 التي اعتبرها ذروة نشاط البث الإذاعي الموجه، مشيرًا إلى أن المحطة بثت خلال تلك الفترة أخبارًا عن تقدم القوات العربية والسيطرة على مناطق داخل إسرائيل، وهو ما وصفه التقرير بأنه جزء من الدعاية الإعلامية التي فقدت مصداقيتها بعد انتهاء الحرب.

كما أشار التقرير إلى استمرار الإذاعة خلال حرب الاستنزاف ثم حرب أكتوبر 1973 معتبرًا أن بث مقابلات مع أسرى إسرائيليين آنذاك كان من أكثر المواد تأثيرًا داخل إسرائيل، إذ دفع كثيرًا من الأسر الإسرائيلية إلى متابعة الإذاعة للحصول على معلومات حول مصير ذويهم، في ظل محدودية المعلومات الرسمية خلال الأيام الأولى للحرب.

عودة البث بالعبرية

ورغم مرور عقود على توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، أشار التقرير الإسرائيلي إلى أن الإذاعة عادت خلال السنوات الأخيرة إلى البث بالعبرية بصورة مختلفة عن الماضي، مؤكدًا أن مضمون البرامج الحالية يركز بصورة أكبر على الشأن الفلسطيني والعلاقات الإقليمية من وجهة النظر المصرية، مع تراجع الخطاب الدعائي الذي طبع مراحل سابقة من تاريخ المحطة.

خبير مصري: تشويه متعمد للدور الإعلامي

وفي المقابل، رفض الخبير في الشؤون الإسرائيلية والمترجم السابق بقسم البرامج العبرية في إذاعة "صوت القاهرة" محمود محيي ما ورد في التقرير الإسرائيلي، مؤكدًا أن الإذاعة كانت ولا تزال وسيلة إعلامية تهدف إلى نقل الموقف المصري والعربي مباشرة إلى الجمهور الإسرائيلي، وليس أداة للحرب النفسية كما تصفها وسائل الإعلام العبرية.

وأوضح أن البرامج الإذاعية كانت تعتمد على تقديم الرواية المصرية بشأن القضية الفلسطينية والقضايا الإقليمية، مع تفنيد ما وصفه بالدعاية الإسرائيلية، لافتًا إلى أن البث بلغات أجنبية، ومنها العبرية، يعد ممارسة إعلامية معروفة تتبعها دول ومؤسسات إعلامية كبرى حول العالم للوصول إلى جماهير خارج حدودها.

تغير في الخطاب لا في المبدأ

وأشار محيي إلى أن توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل أحدث تحولًا كبيرًا في طبيعة الرسائل الإعلامية التي تبثها الإذاعة، إذ أصبحت تعكس المواقف الرسمية المصرية الداعمة للاستقرار الإقليمي، وتقدم معالجة سياسية وقانونية للقضية الفلسطينية بعيدًا عن الخطابات التحريضية التي ارتبطت بظروف الصراع العسكري في العقود الماضية.

وأضاف أن استمرار البث حتى اليوم يمثل تأكيدًا على حق مصر في مخاطبة الرأي العام الخارجي بلغته، تمامًا كما تفعل مؤسسات إعلامية دولية عديدة، معتبرًا أن وصف ذلك بأنه "حرب نفسية" يهدف إلى تشويه صورة الإعلام المصري وإثارة الرأي العام داخل إسرائيل.

روسيا اليوم