شهد مجلس النواب الأمريكي تطورًا لافتًا يعكس تغيرًا تدريجيًا في مواقف عدد متزايد من أعضاء الحزب الديمقراطي تجاه الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، بعدما صوت أكثر من مئة نائب لصالح مقترح يدعو إلى وقف هذا الدعم في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشرًا واضحًا على اتساع فجوة الخلاف داخل الحزب بشأن السياسة التقليدية التي تنتهجها واشنطن تجاه الحكومة الإسرائيلية.
ورغم أن المقترح لم ينجح في الحصول على الأغلبية اللازمة لاعتماده، فإن نتائج التصويت حملت دلالات سياسية مهمة أبرزها أن ملف المساعدات العسكرية لإسرائيل لم يعد يحظى بالإجماع داخل الحزب الديمقراطي كما كان في السابق، بل أصبح محل نقاش واسع يعكس اختلافًا في الرؤى حول مستقبل العلاقة بين البلدين.
مشروع قانون لإلغاء مليارات الدولارات من المساعدات
المقترح الذي تقدم به النائب الجمهوري عن ولاية كنتاكي توماس ماسي استهدف وقف تمويل إسرائيل ضمن مشروع قانون اعتمادات وزارة الخارجية والأمن القومي للعام المالي 2027، بما يشمل إنهاء برنامج التمويل العسكري الأجنبي الذي تحصل إسرائيل من خلاله على نحو 3.3 مليار دولار سنويًا.
وعند طرح المشروع للتصويت عارضه 314 نائبًا، بينما أيده 104 أعضاء، في حين اختار عشرة نواب الامتناع عن التصويت، وهو ما أدى إلى إسقاط المقترح، لكنه في المقابل سلط الضوء على التحولات السياسية المتسارعة داخل الكونغرس.
انقسام واضح بين الديمقراطيين
اللافت في نتائج التصويت لم يكن سقوط المشروع بقدر ما كان توزيع الأصوات داخل الكتلة الديمقراطية نفسها، إذ أيد المقترح 103 نواب ديمقراطيين مقابل رفض 98 نائبًا بينما امتنع عشرة أعضاء عن التصويت، وهو ما يعكس انقسامًا شبه متساوٍ داخل الحزب حول استمرار تقديم المساعدات العسكرية لإسرائيل.
أما على الجانب الجمهوري فقد اقتصر التأييد على مقدم المشروع توماس ماسي، في حين اصطف بقية أعضاء الحزب ضد المقترح بما يؤكد استمرار التوافق الجمهوري على دعم إسرائيل.
ضغوط شعبية تدفع نحو مراجعة السياسة الأمريكية
يأتي هذا التحول في وقت تتزايد فيه مطالب قطاع واسع من الناخبين الديمقراطيين بضرورة إعادة تقييم طبيعة الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، خاصة في ظل التطورات المتلاحقة في الشرق الأوسط، وما تثيره من نقاشات حول مدى توافق هذه المساعدات مع المصالح الأمريكية والقيم التي تعلن واشنطن التزامها بها.

ويرى مراقبون أن هذه الضغوط الشعبية بدأت تنعكس بصورة مباشرة على مواقف عدد من النواب الديمقراطيين، الذين باتوا أكثر استعدادًا لإعادة النظر في السياسات التقليدية الخاصة بالعلاقة العسكرية مع إسرائيل.
شخصيات بارزة تؤيد إعادة التقييم
ومن أبرز المفاجآت التي حملها التصويت، تأييد نائبة رئيس الكتلة الديمقراطية في مجلس النواب كاثرين كلارك للمقترح، مؤكدة أن النهج الأمريكي الحالي لم يعد قابلًا للاستمرار بالصيغة نفسها.
وأوضحت كلارك أن تصويتها لا يعني تبنيها الكامل لجميع تفاصيل المشروع أو الدوافع السياسية التي تقف خلفه، وإنما يعبر عن قناعة بأن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تقدم مساعدات عسكرية غير مشروطة لأي دولة لا تلتزم بالقوانين الأمريكية أو لا تراعي المصالح والقيم التي تقوم عليها السياسة الأمريكية.
كما انضمت الرئيسة السابقة لمجلس النواب نانسي بيلوسي إلى قائمة المؤيدين للمقترح، مع تأكيدها في الوقت ذاته استمرار دعمها للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية وتمسكها بحل الدولتين باعتباره المسار الأكثر واقعية لتحقيق الاستقرار.
وأشارت بيلوسي إلى أن الأوضاع الراهنة لا تخدم مصالح الإسرائيليين أو الفلسطينيين، معتبرة أن الوقت قد حان لإعادة تقييم السياسة الأمريكية بما يسهم في الوصول إلى سلام دائم وعادل في المنطقة.
هل يشهد الموقف الأمريكي تحولًا أوسع؟
ورغم فشل المقترح في تمريره داخل مجلس النواب، فإن نتائج التصويت تكشف عن مرحلة جديدة من الجدل السياسي داخل الولايات المتحدة بشأن مستقبل الدعم العسكري لإسرائيل، ويبدو أن هذا الملف سوف يتحول خلال الفترة المقبلة إلى إحدى القضايا الرئيسية في النقاشات داخل الحزب الديمقراطي، خاصة مع تنامي الضغوط الشعبية واقتراب الاستحقاقات السياسية المقبلة، الأمر الذي قد يفرض على صناع القرار مراجعة بعض ثوابت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
