المواطن الفلسطيني بين فكي صندوق الانتخابات وصندوق الذخيرة

بقلم: مازن موسي طبيل

 ​تمر القضية الفلسطينية وتحديدا قطاع غزة بمنعطف تاريخي هو الاكثر تعقيدا وقسوة في تاريخ الصراع فلم يعد المشهد مجرد مواجهة كلاسيكية مع الاحتلال بل أضحى ازمة بنيوية داخلية طاحنة تاه فيها المواطن الفلسطيني الغلبان وضاعت بوصلته بين خيارين اثبتا بالممارسة والتجربة قصورهما العضال عن تقديم اي حلول جذرية خيار صندوق الاقتراع المعطّل وخيار صندوق الذخيرة المنهك ​عقود طويلة عشناها ونحن ندور في هذه الدائرة المفرغة ندفع ثمن تكتيكات سياسية وعسكرية يغيب عنها البرنامج الصادق والنهج الوطني الجامع ليظل الإنسان الفلسطيني وحده هو الضحية وحقل التجارب. ​أولا: خديعة الديمقراطية وصناديق المحاصصة ​لقد جربت غزة كما التجربة الفلسطينية العامة الذهاب نحو صندوق الانتخابات كمدخل للتغيير وبناء المؤسسات وخلال تلك الفترات استمع المواطن الى سيل جارف من البرامج الانتخابية الخيالية والشعارات البراقة التي دغدغت عواطف الجماهير المتعطشة للاستقرار والتنمية. ​لكن الحقيقة المرة تجلت فور اغلاق الصناديق وفرز الاصوات حيث تبخرت الوعود وترك المواطن حائرا في العراء يواجه مصيره وحده تحول صندوق الاقتراع من اداة لبناء دولة المؤسسات والعدالة الى اداة لشرعنة الانقسام وتكريسة مما تخدم فئات ضيقة بينما يدفع عامة الشعب ضريبة الصراع على المكاسب والمناصب. ​ثانيا: صندوق الذخيرة حروب بلا استراتيجية سياسية ​وعندما عطّلت السياسة واصطدمت المسارات السلمية بحائط مسدود كان الانتقال العنيف نحو صندوق الذخيرة خاضت غزة معارك وحروبا متتالية وقدمت اثمانا باهظة من دماء ابنائها وبناتها ومن ركام بيوتها وبنيتها التحتية وتحملت في سبيل ذلك عقودا من الحصار والألم والدمار الشامل. ​واليوم ومع هدوء ازيز الرصاص مؤقتا ونفاد الذخائر من الصناديق يلتفت المواطن حوله فلا يجد سقفا يظله ولا مستقبلا يضمن كرامة ابنائه ليصطدم بذات التساؤل المأزوم من الذي يحكم ومن المستفيد الحقيقي لقد روج لشعارات تسقط حقوق الجماهير في المراجعة وقت الأزمات مثل عند الحروب لا تستفتى الشعوب لتتحول التضحيات الجسيمة والدماء الطاهرة الى مجرد خطوات تكتيكية على رقعة شطرنج تفتقر إلى برنامج سياسي واعي يستثمر هذا الصمود الأسطوري ويحوله إلى منجز وطني ملموس. ​ثالثا: ملهاة العود الأبدي والبحث عن المخرج ​في ظل هذا المشهد القاتم تتعالى اليوم أصوات تطالب بالعودة إلى العناية الديمقراطية المشددة وفتح صناديق الاقتراع مجددا كحل سحري لكن هذا الطرح يثير تساؤلات حتمية ومشروعة ​هل سيسكت صندوق الذخيرة حقا لإفساح المجال لصندوق الانتخابات؟ ​ام اننا سنعيد إنتاج نفس الملهاة والمأساة فننتخب ثم نختلف فنحتكم للسلاح مجددا ونعود للمربع الأول ​إن الترسيخ المتزايد لهذه القناعة الشعبية يثبت أن كلا الخيارين بصيغتهما الحالية يفتقدان للرؤية الوطنية الجامعة والصادقة إن تغييب صوت العقل وصوت الإنسان المطالب بكرامته الأساسية هو الجريمة الكبرى التي ترتكب باسم الشرعية السياسية تارة وباسم الشرعية الثورية تارة أخرى ​رابعا: المسار الثالث نحو أفق وطني جامع ​إن الخروج من هذا التيه الفلسطيني يتطلب اعلانا صريحاً وجريئا للقطيعة مع هذه الثنائية العقيمة والبدء الفوري في شق مسار وطني وقومي ثالث يرتكز على دعائم حقيقية وقف الحرب وإغاثة الناس أولا وقبل كل شيء حماية دم الإنسان وتأمين عيشه ورفع الحصار والدمار عنه كشرط أساسي ​تغليب لغة العقل والمصالح العليا كف اليد عن رهن دماء ومستقبل أهلنا في غزة والضفة لحسابات ومحاور إقليمية أو مصالح حزبية ضيقة ​التوافق الوطني الشامل بناء قيادة وطنية موحدة تحت مظلة جامعة لا تقصي أحدا ولا تحتكر القرار بفوهة البندقية ولا بانتخابات صورية معطلة ​العدالة الاجتماعية كركيزة للصمود إن الحفاظ على بقاء الإنسان الفلسطيني فوق أرضه وتوفير سبل العيش الكريم والكرامة الإنسانية له هو الذخيرة الإستراتيجية الحقيقية التي لا تنفد وحمايته أولى من حماية الكراسي والتحصينات ​التكامل بين السياسة والمقاومة فلا رصاص يعلو بلا بوصلة سياسية تحميه وتستثمره ولا سياسة تنحني وتفرط بالحقوق والثوابت التاريخية لشعبنا. ​خلاصة القول: لقد سئم المواطن الفلسطيني ان يكون وقودا لمعارك محاصصة سياسية او تكتيكات عسكرية لا تفضي إلى تحرير أو حياة شريفة آن الاوان لقيادة وطنية صادقة ترتقي إلى مستوى تضحيات هذا الشعب وتدرك ان بناء الوطن يبدا اولا وبشكل أساسي من احترام إنسانية وكرامة الإنسان الذي يعيش فيه.

البوابة 24