الكفاءة أم المحاصصة؟ معايير اختيار القيادات في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية

بقلم: موسى الصفدي

لم تقم الثورة الفلسطينية المعاصرة على مبدأ المحاصصة، بل قامت على مبدأ التضحية والكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية. وعندما انطلقت حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، لم يكن السؤال: إلى أي تنظيم فرعي ينتمي هذا المناضل؟ أو من يدعمه؟ بل كان السؤال: ماذا يستطيع أن يقدم لفلسطين؟ وما حجم استعداده للتضحية من أجلها؟ لقد صنعت تلك الروح قيادات وطنية تركت بصمتها في التاريخ الفلسطيني، لأن معيار التقدم كان الإنجاز، وكانت المسؤولية تكليفاً لا تشريفاً، وكانت المواقع التنظيمية وسيلة لخدمة المشروع الوطني، لا غاية بحد ذاتها. واليوم، وبعد أكثر من ستة عقود على انطلاق الثورة الفلسطينية، تفرض علينا الأمانة الوطنية مراجعة هادئة ومسؤولة لآليات اختيار القيادات داخل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وفي الأقاليم والساحات والاتحادات الشعبية، وفي مقدمتها الساحة السورية التي تمتلك رصيداً تاريخياً كبيراً في دعم الثورة الفلسطينية. لقد أصبح واضحاً أن الاعتماد المفرط على التوازنات التنظيمية وحدها، أو على العلاقات الشخصية، أو على مبدأ إرضاء الجميع، قد يحقق استقراراً مؤقتاً، لكنه لا يصنع مؤسسة قوية. فالمؤسسات الوطنية تبنى عندما يتولى المسؤولية من يمتلك الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على العمل الجماعي، لا بمجرد الانتماء أو الأقدمية. ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الفصائل الفلسطينية، فهي مكونات أساسية في منظمة التحرير الفلسطينية، وكان لها الدور الأكبر في الحفاظ على القرار الوطني المستقل. لكن نجاح الفصيل يقاس أيضاً بقدرته على تقديم أفضل الكفاءات لتمثيل شعبه، لا بمجرد ملء المقاعد المخصصة له. وفي الساحة السورية، كما في غيرها من ساحات الشتات، برزت خلال العقود الماضية عشرات الكفاءات الفلسطينية في الجامعات، والنقابات، والقطاع الصحي، والقانون، والإعلام، والاقتصاد، والثقافة، والعمل الاجتماعي. غير أن كثيراً من هذه الطاقات بقي بعيداً عن مواقع التأثير، بينما استمر تداول بعض المواقع داخل دائرة محدودة، الأمر الذي أضعف عملية التجديد، وأفقد المؤسسات فرصة الاستفادة من خبرات وطنية متميزة. إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بوضع معايير معلنة لاختيار القيادات، بحيث يعرف الجميع لماذا اختير هذا الشخص دون غيره. ومن أبرز هذه المعايير: - السيرة الوطنية المشرفة والالتزام بالمشروع الوطني الفلسطيني. - الكفاءة العلمية والخبرة العملية المرتبطة بطبيعة المسؤولية. - النزاهة والسمعة الطيبة والاستقامة الأخلاقية. - القدرة على العمل الجماعي واحترام الرأي الآخر. - الإنجاز الفعلي، لا مجرد شغل المواقع التنظيمية. - الإيمان بتجديد المؤسسات وإعداد قيادات جديدة.

كما ينبغي أن تخضع جميع المواقع التنظيمية للتقييم الدوري، بحيث تصبح المحاسبة جزءاً من ثقافة العمل الوطني. فمن ينجح يستحق الاستمرار، ومن يقصر ينبغي أن يفسح المجال لغيره، لأن بقاء المؤسسة أهم من بقاء الأفراد. ولعل من أهم الدروس التي قدمتها تجارب حركات التحرر الوطني في العالم أن تداول المسؤولية لا يضعف المؤسسات، بل يمنحها القدرة على الاستمرار. أما احتكار المواقع لفترات طويلة دون تقييم أو تجديد، فإنه يؤدي تدريجياً إلى الجمود، مهما كانت النوايا صادقة. ولا يكتمل الإصلاح دون منح الشباب والمرأة والكفاءات المستقلة فرصاً حقيقية للمشاركة في القيادة، وفق معايير موضوعية. فالتنوع داخل المؤسسة ليس عبئاً، بل مصدر قوة، لأنه يوسع دائرة الخبرة ويجعل القرار أكثر ارتباطاً باحتياجات المجتمع الفلسطيني.

إن منظمة التحرير الفلسطينية، وهي تخوض معركة الحفاظ على الهوية الوطنية ومواجهة مشاريع التصفية، تحتاج اليوم إلى مؤسسات قوية، ومؤسسات قوية تحتاج إلى قيادات قوية. وهذه القوة لا تقاس بعدد سنوات البقاء في الموقع، وإنما بالقدرة على الإنجاز، وبالثقة التي تمنحها الجماهير لمن يمثلها. إن الإصلاح لا يبدأ بتغيير الأشخاص، بل بتغيير القواعد التي يتم على أساسها اختيار الأشخاص. فعندما تكون القواعد عادلة وشفافة، يصبح الوصول إلى المسؤولية نتيجة طبيعية للكفاءة والعطاء، لا للمحسوبية أو التوازنات الضيقة. ومن هنا، فإن معركة الإصلاح المؤسسي داخل منظمة التحرير الفلسطينية ليست معركة ضد أحد، وإنما هي معركة من أجل مستقبل المؤسسة الوطنية، ومن أجل الحفاظ على مكانتها باعتبارها البيت الجامع لكل الفلسطينيين، والقادرة على قيادة نضالهم حتى تحقيق الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. إن بناء المؤسسات لا يتحقق بالشعارات، بل بترسيخ ثقافة تعتبر المسؤولية أمانة، والكفاءة معياراً، والمساءلة واجباً، وتجديد القيادات ضمانة لاستمرار المشروع الوطني الفلسطيني. فبهذه المبادئ وحدها تستطيع منظمة التحرير الفلسطينية أن تبقى متجددة، وقادرة على مواصلة رسالتها التاريخية في قيادة الشعب الفلسطيني نحو مستقبل أكثر قوة ووحدة.

البوابة 24