بقلم: رجائي عبد الله الشطلي
حينما ينتخب أبناء حركة فتح ممثليهم لعضوية المجلس الثوري واللجنة المركزية عبر مؤتمرات الحركة، فإن ذلك لا يعني أنهم أصبحوا فوق المساءلة أو الرقابة، بل على العكس، تبقى أنظار أبناء الحركة ومناصريها، بل وأنظار شعبنا الفلسطيني بأسره، متجهة نحوهم، تراقب أداءهم وما يحققونه من إنجازات، لأن المسؤولية تبدأ بعد الفوز ولا تنتهي عنده.
وقد جاءت نتائج المؤتمر الثامن للحركة دليلاً واضحاً على هذه الحقيقة؛ إذ حظي بالنجاح من اختارته القاعدة الحركية، كلٌّ بحسب حجم الثقة التي منحته إياها من خلال عدد الأصوات التي نالها، وهو معيار يعكس تقييم الأعضاء لأداء المرشحين وتجربتهم السابقة. وفي المقابل، لم يحالف النجاح آخرين، لأسباب متعددة، أبرزها أن بعضهم لم يقدم ما يرقى إلى تطلعات أبناء الحركة خلال سنوات عمله الماضية، فجاءت صناديق الاقتراع لتكون وسيلة للمحاسبة قبل أن تكون وسيلة للاختيار.
واليوم، ونحن نتجه نحو الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، لا بد أن تعي القيادة المنتخبة وكوادر الحركة أن هذه الانتخابات ليست مجرد استحقاق تنظيمي، بل هي استحقاق وطني بامتياز. فالفوز بمواقع اللجنة المركزية أو المجلس الثوري ليس غاية بحد ذاته، وإنما تكليف يفرض على صاحبه مسؤولية خدمة حركة فتح وشعبنا الفلسطيني في آن واحد.
ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية الوطنية الأولى التي تقع على عاتق القيادة المنتخبة تتمثل في حسن اختيار مرشحي الحركة للانتخابات المقبلة، وفق معايير واضحة وعادلة، يأتي في مقدمتها الإنجاز، والنزاهة، والكفاءة، والعلم، والثقافة، والأخلاق، والقدرة على خدمة الوطن، إضافة إلى المكانة الاجتماعية والتنظيمية التي يتمتع بها الكادر. ولأن أعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري هم الجهة التي ستتولى إدارة هذه العملية، فمن الأفضل ألا يكون معظمهم مرشحين، حتى لا يكونوا خصماً وحكماً في الوقت نفسه، ويُكتفى بترشيح عضو أو عضوين فقط من اللجنة المركزية، وعضو واحد من المجلس الثوري عن كل محافظة ، لا لشيء سوي أنهم سيشكلون قيادة الكتلة البرلمانية في المجلس ، وأن تُمنح بقية الفرص للكفاءات الفتحاوية المتقدمة ومناصري الحركة، وفق معايير موضوعية وشفافة.
واليوم، ونحن نمر بمنعطف تاريخي بالغ الخطورة، في ظل حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة، وتصاعد الاستيطان والتهويد في الضفة الغربية والقدس، إلى جانب الضغوط الإقليمية والدولية والتحديات السياسية والوطنية المتزايدة، فإن المسؤولية تصبح أكبر من أي وقت مضى.
ومع اقتراب الانتخابات التشريعية، وانتخابات المجلس الوطني، ومن ثم الانتخابات الرئاسية، سيكون الشارع الفلسطيني هو صاحب الكلمة الفصل. وعندها ستكون حركة فتح أمام خيارين لا ثالث لهما: إما استعادة موقعها الريادي والصعود إلى القمة، وإما التراجع وخسارة ثقة الشارع، وهو ما ستحدده خيارات الحركة وقرارات قيادتها وأبنائها في هذه المرحلة المفصلية.
فإن لم ترتقِ برامجنا السياسية إلى مستوى تطلعات شعبنا، ولم تكن خياراتنا في اختيار المرشحين منسجمة مع همومه وتحدياته، فإن الشارع الفلسطيني سيتجاوزنا، وسيمنح ثقته لمن يراه أكثر قدرة على تمثيله وتحقيق آماله.
ومن هنا، فإن المطلوب من قيادة الحركة أن تتبنى نهجاً مختلفاً عن السابق، يقوم على اختيار المرشحين وفق معايير الكفاءة والنزاهة والإنجاز والقدرة على خدمة المشروع الوطني، بعيداً عن الاعتبارات الشخصية أو التقليدية. فالمعركة القادمة ليست معركة أشخاص أو مواقع، بل هي معركة ثقة، واستعادة حضور، وتجديد شرعية، وصون مستقبل حركة كانت وما زالت العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني.
إن فتح اليوم تقف بالفعل على مفترق طرق؛ فإما أن تحسن قراءة المرحلة، وتستثمر ثقة أبنائها وشعبها في بناء قيادة تمثل تطلعات الفلسطينيين، فتستعيد موقعها الطبيعي في قيادة المشروع الوطني، وإما أن تستمر في النهج ذاته، فتدفع ثمناً سياسياً وتنظيمياً قد يكون من الصعب تداركه. والقرار، في نهاية المطاف، بيد من يحمل اليوم مسؤولية القيادة.
