اختتمت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" أولى مراحل انتخابات اختيار رئيس مكتبها السياسي العام وذلك في "ساحة غزة" التي تعتبر الأكثر تعقيدًا بين الساحات الثلاث التي تجرى فيها الانتخابات، وأسفرت عملية التصويت، التي شارك فيها أعضاء مجلس الشورى العام الموجودون في القطاع، عن تقدم كبير للدكتور خليل الحية، رئيس الحركة في غزة، بعدما حقق فوزًا واسعًا على منافسه خالد مشعل، رئيس الحركة في "ساحة الخارج".
وفي هذا الإطار، أوضح مصدر مطلع داخل حركة "حماس" لـ"القدس العربي" أن الانتخابات جرت يوم السبت وفق الآليات التنظيمية المعتمدة داخل الحركة، وسط إجراءات بالغة السرية.
الحية يحسم الجولة الأولى
وأشار "المصدر" إلى أن عملية التصويت شارك فيها 23 عضوًا من قطاع غزة يمثلون حصة القطاع في مجلس الشورى العام الذي يبلغ إجمالي أعضائه 69 عضوًا، مضيفًا أن الظروف الأمنية المشددة التي تعيشها الحركة، في ظل الملاحقات الإسرائيلية وعمليات الاغتيال التي تستهدف قياداتها، فرضت عدم جمع أعضاء المجلس في موقع واحد، حيث جرت عملية التصويت بآلية خاصة تضمن الحفاظ على السرية.
وفي ختام اليوم، أعلنت النتائج داخل الأطر التنظيمية للحركة، وأظهرت تفوق خليل الحية بفارق كبير على خالد مشعل في الجولة الخاصة بـ"ساحة غزة".
وعلى الرغم من هذا التقدم، أكد "المصدر" أن النتيجة لا تعني حسم منصب رئيس المكتب السياسي العام، إذ لا تزال الانتخابات بانتظار استكمالها في "ساحة الضفة الغربية" و"ساحة الخارج"، اللتين ستحددان النتيجة النهائية.

ولفت "المصدر" إلى أن قيادة الحركة تتوقع حسم المنصب خلال الجولة الحالية، وهي الجولة الثالثة، بعدما أخفقت الجولتان السابقتان في منح أي من المرشحين، الحية أو مشعل، الأغلبية المطلوبة، والمحددة بـ36 صوتًا من أصل أعضاء مجلس الشورى العام.
الحسم في الضفة والخارج
والجدير بالإشارة أن الانتخابات في الساحتين المتبقيتين من المقرر أن تجرى بحلول يوم الأربعاء المقبل، على أن تمتد عملية التصويت طوال يوم كامل، حيث يتم جمع أصوات أعضاء مجلس الشورى العام الموجودين في الضفة الغربية وفي دول مختلفة حول العالم، وفق آلية تنظيمية خاصة تعتمدها الحركة، إلى جانب تصويت الأعضاء الموجودين في مقر الانعقاد، الذي يتواجد فيه معظم قادة "حماس" في تركيا.
ومن المقرر أن يتم إعلان فوز أي من المرشحين، خليل الحية أو خالد مشعل، بمجرد حصوله على العدد المطلوب من الأصوات، ليتولى رئاسة المكتب السياسي العام، المسؤول عن قيادة الحركة في ساحات غزة والضفة الغربية والخارج، في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها الحركة نتيجة الحرب المستمرة على قطاع غزة.
وبمجرد انتخابه، سيخلف الرئيس الجديد المجلس القيادي الخماسي الذي يقوده محمد درويش، رئيس مجلس الشورى العام، والذي تولى إدارة الحركة منذ اغتيال رئيس المكتب السياسي السابق يحيى السنوار في أكتوبر/تشرين الأول 2024، بعدما كان السنوار قد تسلم المنصب عقب اغتيال إسماعيل هنية في العاصمة الإيرانية طهران خلال يوليو/تموز من العام نفسه.

وسيبدأ الرئيس الجديد مهامه على رأس المكتب السياسي العام فور إعلان انتخابه، ليتولى قيادة هيئة تضم 18 عضوًا، من بينهم ممثل الجناح العسكري "كتائب الشهيد عز الدين القسام"، الذي تم اختياره عقب مقتل قائد الجناح العسكري عز الدين الحداد في غارة إسرائيلية استهدفت مدينة غزة خلال مايو/أيار الماضي.
كما يتكون المكتب السياسي العام من ممثلين عن ساحات غزة والضفة الغربية والخارج، بواقع ستة أعضاء عن كل ساحة.
قيادات جديدة
وفي سياق متصل، أكد "المصدر" أن التشكيلة الجديدة للمكتب السياسي العام شهدت انضمام عدد من القيادات التي تشغل هذا الموقع للمرة الأولى، مرجحًا عدم الإعلان رسميًا عن أسماء أعضاء المجلس كما جرت العادة في الدورات السابقة، بسبب استمرار الملاحقات الأمنية الإسرائيلية.
وفي الدورات الانتخابية السابقة، اعتادت الحركة الإعلان عن أسماء أعضاء مكاتبها السياسية الفرعية، إلى جانب تشكيلة المكتب السياسي العام، غير أن الأوضاع الراهنة قد تمنع تكرار هذا الإجراء.
سيناريوهات ما بعد الانتخابات
وإذا فاز خليل الحية بمنصب رئيس المكتب السياسي العام، فمن المقرر أن يغادر موقعه على رأس قيادة "حماس" في قطاع غزة، وسط ترجيحات بأن يخلفه علي العامودي، أحد أبرز قيادات الحركة وعضو مكتبها السياسي السابق، مستفيدًا من بقائه خارج دائرة الاستهداف الإسرائيلي التي طالت جميع أعضاء المكتب السياسي داخل القطاع.

أما في حال تمكن خالد مشعل من الفوز بعد انتهاء التصويت في "ساحة الضفة" و"ساحة الخارج"، فسيتخلى بدوره عن مسؤولية قيادة "ساحة الخارج"، لتنتقل إلى أحد القيادات الأخرى.
وبغض النظر عن نتائج الانتخابات، سيستمر محمد درويش في رئاسة مجلس الشورى العام، وهو المجلس المسؤول عن إقرار السياسات العامة لـ"حماس"، ويملك صلاحية المصادقة على القرارات المصيرية التي يتخذها المكتب السياسي، إضافة إلى اختصاصه بانتخاب رئيس الحركة.
ملفات تنتظر الرئيس الجديد
وسيكون الرئيس الجديد للمكتب السياسي العام لحركة "حماس" أمام العديد من الملفات المعقدة، في مقدمتها العمل على وقف الحرب في قطاع غزة، بالتزامن مع مفاوضات وقف إطلاق النار الجارية، إضافة إلى إعادة بناء الأطر التنظيمية للحركة داخل القطاع بعد الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها، ووضع آليات جديدة للعمل السري في ظل استمرار الملاحقات الأمنية وعمليات الاغتيال، إلى جانب إدارة نشاط الحركة بعيدًا عن إدارة قطاع غزة، التي ستتولاها اللجنة الوطنية لإدارة غزة.
ولا تقتصر مهام الرئيس الجديد على الملفات الداخلية، إذ تنتظره استحقاقات أخرى تشمل تحديد شكل مشاركة "حماس" في الانتخابات البرلمانية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، والعمل على تعزيز الشراكة الوطنية، وإدارة العلاقات مع الفصائل الفلسطينية، فضلًا عن إعادة هيكلة علاقات الحركة الخارجية والحفاظ على ارتباطها بالدول الإقليمية المؤثرة.
وأشار "المصدر"، إلى أن لكل من خليل الحية وخالد مشعل رؤية مختلفة في إدارة هذه الملفات، وهو ما يمنح الانتخابات الحالية أهمية إضافية.
وبمجرد حسم الانتخابات وإعلان اسم الفائز، سيشرع الرئيس الجديد في إجراء مشاورات داخلية مع أعضاء المكتب السياسي العام لترتيب الهيكل القيادي للحركة، من خلال اختيار نائب للرئيس، ورؤساء لجان العلاقات الدولية والعربية، ومسؤولي دوائر الإعلام والعلاقات الوطنية وغيرها من الدوائر المركزية، فيما تشير التقديرات إلى أن التشكيلة القيادية الحالية ستشهد تغييرات محدودة فقط.
