من يحمي الفلسطينيين من عنف المستوطنين؟

من يحمي الفلسطينيين من عنف المستوطنين؟ رسالة إلى الرأي العام الإسرائيلي والمجتمع الدولي: أمن الفلسطينيين هو المدخل الحقيقي للسلام إعداد: المحامي علي أبو حبلة

لم تعد مشاهد إحراق المنازل والمزارع، وإطلاق الرصاص على القرى الفلسطينية، والاعتداء على المدنيين وممتلكاتهم، أحداثاً استثنائية في الضفة الغربية، بل أصبحت واقعاً يكاد يتكرر بصورة يومية. وما شهدته بلدة ترمسعيا شمال شرق رام الله من هجوم واسع نفذته مجموعات من المستوطنين، تخلله إحراق للممتلكات وإطلاق للرصاص باتجاه منازل المواطنين، يعكس تصاعداً خطيراً في مستوى العنف، ويطرح سؤالاً لم يعد يخص الفلسطينيين وحدهم، بل يواجه المجتمع الدولي والرأي العام الإسرائيلي على حد سواء: إلى أين يقود استمرار هذا المسار؟ إن استمرار الاعتداءات لا يهدد الفلسطينيين فقط، بل يهدد أيضاً ما تبقى من فرص التعايش والاستقرار، ويزيد من اتساع دائرة العنف التي يدفع الجميع ثمنها.

ولذلك فإن الحديث عن هذه الاعتداءات لا ينبغي أن يُقرأ من زاوية سياسية ضيقة، وإنما باعتباره قضية إنسانية وأخلاقية تمس مستقبل المنطقة بأكملها. العنف المنظم... ظاهرة تتسع تشير الوقائع الميدانية إلى أن اعتداءات المستوطنين لم تعد تقتصر على أعمال فردية متفرقة، وإنما باتت تتكرر في مناطق مختلفة من الضفة الغربية وفق نمط متشابه يستهدف القرى والبلدات الفلسطينية، من خلال إحراق المركبات والمنازل والأراضي الزراعية، والاعتداء على السكان، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم. وأصبح سكان العديد من القرى يعيشون تحت هاجس الاعتداء في أي لحظة، في ظل شعور متزايد بانعدام الأمان، الأمر الذي يترك آثاراً إنسانية واقتصادية واجتماعية عميقة تتجاوز حدود الخسائر المادية المباشرة. أصوات إسرائيلية تحذر من خطورة المسار ومن المهم التأكيد أن التحذير من تصاعد عنف المستوطنين لم يعد يقتصر على المؤسسات الفلسطينية أو الدولية، بل صدر أيضاً عن شخصيات إسرائيلية بارزة من داخل المؤسسة الأمنية والسياسية والإعلامية.

فقد حذر عدد من كبار المحللين والكتاب الإسرائيليين، وفي مقدمتهم ناحوم برنياع وعاموس هرئيل وبن كسبيت، من أن تنامي ظاهرة ما يوصف بـ"عنف المستوطنين" يلحق ضرراً بالغاً بصورة إسرائيل ومكانتها الدولية، ويقوض سلطة القانون، ويهدد بتحويل الضفة الغربية إلى ساحة صراع مفتوح. كما سبق لرؤساء سابقين في أجهزة الأمن الإسرائيلية، بينهم مسؤولون في الجيش وجهاز الشاباك، أن أعربوا في مناسبات مختلفة عن قلقهم من أن غياب الحزم في التعامل مع هذه الاعتداءات يشجع على مزيد من التصعيد، ويؤدي إلى نتائج عكسية تمس أمن الإسرائيليين والفلسطينيين معاً. وفي الصحافة الإسرائيلية، تكررت مقالات افتتاحية في صحف مثل هآرتس ويديعوت أحرونوت وتايمز أوف إسرائيل تحذر من أن استمرار الاعتداءات يضعف صورة إسرائيل كدولة تدعي احترام سيادة القانون، ويعمق عزلتها الدولية.

إن هذه الأصوات الإسرائيلية تستحق أن تُسمع، لأنها تنطلق من إدراك بأن الأمن الحقيقي لا يتحقق عبر القوة وحدها، وإنما عبر احترام القانون وحماية المدنيين، بغض النظر عن هويتهم. رسالة إلى الرأي العام الإسرائيلي إن الشعب الفلسطيني لا يبحث عن الانتقام، ولا عن توسيع دائرة الصراع، وإنما يطالب بأبسط الحقوق الإنسانية، وفي مقدمتها حقه في الحياة الآمنة داخل منزله، وفي الوصول إلى أرضه ومزرعته ومدرسته دون خوف. وإذا كان كثير من الإسرائيليين يؤمنون بأن الأمن حق مشروع، فإن هذا الحق لا يمكن أن يكون حكراً على طرف دون آخر. إن أمن الطفل الفلسطيني لا يقل قيمة عن أمن الطفل الإسرائيلي، وحماية المدنيين يجب أن تكون مبدأً إنسانياً عاماً لا يخضع للحسابات السياسية. إن الرأي العام الإسرائيلي يمتلك اليوم فرصة تاريخية لإعلاء صوت العقل، ورفض كل أشكال العنف التي تستهدف المدنيين، لأن استمرار الصمت لا يحمي مستقبل إسرائيل، بل يدفع نحو مزيد من الاستقطاب والتوتر.

رسالة إلى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لقد آن الأوان لأن ينتقل المجتمع الدولي من مرحلة القلق والتنديد إلى مرحلة المبادرة الفاعلة. فالفلسطينيون في الضفة الغربية يحتاجون إلى حماية فعلية، وإلى إجراءات عملية تحد من الاعتداءات المتكررة على المدنيين، وتوفر بيئة أكثر أمناً واستقراراً. كما أن الأمم المتحدة مطالبة بتعزيز آليات الرصد والتوثيق، ودعم الجهود الرامية إلى حماية السكان المدنيين، وتشجيع جميع الأطراف على احترام القانون الإنساني، والعمل من أجل منع تدهور الأوضاع بصورة أكبر. إن الاكتفاء بإصدار البيانات، مهما كانت أهميتها، لم يعد كافياً أمام تكرار هذه الأحداث، التي تترك آثاراً إنسانية عميقة، وتزيد من تآكل الثقة بأي أفق سياسي. لا سلام في ظل الخوف لقد أثبتت التجارب التاريخية أن السلام لا يصنعه التفوق العسكري وحده، وإنما تصنعه العدالة، وسيادة القانون، واحترام الإنسان. ولا يمكن الحديث عن مستقبل آمن للإسرائيليين والفلسطينيين بينما يعيش سكان القرى الفلسطينية تحت تهديد الاعتداءات المتكررة، ويخشى الأطفال والنساء وكبار السن من حلول الليل أو اقتراب مجموعات مسلحة من منازلهم.

إن الأمن الحقيقي لا يتحقق بإخافة الآخر، بل بإزالة أسباب الخوف لدى الجميع. خاتمة إن ما جرى في ترمسعيا، كما في غيرها من القرى الفلسطينية، يجب أن يكون جرس إنذار للجميع. إن الرسالة الموجهة إلى المجتمع الدولي، وإلى الأمم المتحدة، وإلى صناع القرار والرأي في إسرائيل، هي أن استمرار العنف لن يصنع استقراراً، ولن يحقق أمناً دائماً لأي طرف، بل سيؤدي إلى مزيد من الاحتقان وفقدان الثقة. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تبرز الحاجة إلى موقف شجاع من القوى المؤثرة في إسرائيل، ومن المثقفين والكتاب والإعلاميين وأصحاب القرار، لإعلاء قيم الإنسانية وسيادة القانون، ورفض كل اعتداء يستهدف المدنيين، أياً كانت هويتهم. فالسلام يبدأ عندما يشعر الإنسان بالأمان، والعدالة تبدأ عندما تُصان كرامة الجميع دون استثناء.

البوابة 24