بقلم:محمد قاروط أبو رحمه
ليس الفرق الحقيقي بين الناس في مقدار ما يمتلكونه من معلومات، بل في قدرتهم على تحويل ما يعرفونه إلى فعل. فقد يمتلك شخصان المعرفة نفسها، ويقرآن المصادر نفسها، ويحصلان على التدريب ذاته، لكن أحدهما ينجح في نقل المعرفة من مستوى الفهم إلى مستوى الممارسة، بينما تبقى عند الآخر معلومات محفوظة لا تتجاوز حدود الذاكرة.
المعرفة في ذاتها قوة كامنة، لكنها لا تصبح قوة مؤثرة إلا عندما تُوظَّف. فالتوظيف هو الجسر الذي تعبر عليه المعرفة من عالم الأفكار إلى عالم الواقع، ومن الإدراك النظري إلى الإنجاز العملي. ولذلك فإن قيمة المعرفة لا تقاس فقط بما نعرفه، بل بما نستطيع أن نفعله بما نعرفه.
لكن العمل ليس نهاية رحلة المعرفة، بل بدايتها الجديدة. فعندما تتحول المعرفة إلى ممارسة، تولد التجربة، وعندما تتراكم التجارب يتشكل الفهم الأعمق، وينمو الإدراك، وتتطور القدرة على اتخاذ القرار وتحسين الأداء. وهكذا تدخل المعرفة في دورة مستمرة:
معرفة، عمل، تجربة، فهم أعمق، معرفة أكثر نضجاً.
ولهذا فإن الفرق بين من يعرف ومن يُحسن العمل هو الفرق بين من يمتلك المعلومة ومن يمتلك القدرة. فالأول قد يستطيع وصف الطريق، أما الثاني فيستطيع السير فيه، ومواجهة تحدياته، واستخلاص دروسه.
إن الخبرة لا تأتي من مرور الزمن وحده، بل من التفاعل الواعي بين المعرفة والعمل والمراجعة. فليس كل من مارس عملاً أصبح خبيراً، بل من تعلّم من ممارسته، وحوّل تجاربه إلى معرفة قابلة للتطوير.
ومن هنا فإن المعرفة لا تبلغ غايتها إلا عندما تصبح عملاً، والعمل لا يكتمل إلا عندما يتحول إلى خبرة، والخبرة لا تكتسب قيمتها إلا عندما تسهم في بناء الإنسان وتحقيق الخير العام.
فالمعرفة الحقيقية ليست ما نحتفظ به في عقولنا فقط، بل ما يظهر أثره في أفعالنا، وما يتركه من تغيير في أنفسنا ومجتمعنا ومستقبلنا.
فالعالم قد يعرف الطريق، أما صاحب الخبرة فيعرف كيف يسلكه.
لم يكن الذكاء الاصطناعي مؤلفًا لهذا المقال، بل كان أداةً من أدواته؛ أما الفكرة، والتجربة، والرؤية، والمنهج، فهي ثمرة أكثر من خمسة عقود من الخبرة والقراءة والممارسة، ويتحمل المؤلف وحده المسؤولية العلمية والفكرية الكاملة عن جميع ما ورد فيه.
