كشفت صور أقمار صناعية حديثة التقطتها شركة "بلانيت" الأمريكية، وقامت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة "الجزيرة" بتحليلها، أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يواصل إنشاء سواتر ترابية تمتد لعشرات الكيلومترات بمحاذاة ما يعرف بـ"الخط الأصفر" داخل قطاع غزة.
سواتر متقطعة
ومن جانبها، تزعم إسرائيل أن هذه الأعمال تندرج ضمن إجراءات أمنية تهدف إلى منع عمليات التسلل وتأمين قواتها والتجمعات الإسرائيلية القريبة من قطاع غزة، إلا أن الامتداد الكبير للسواتر واتساع عمليات التجريف والتحصين يثيران مخاوف من تحولها إلى حاجز دائم يقسم القطاع.
واظهرت صور الأقمار الصناعية الملتقطة حتى 15 يوليو/تموز الجاري أن الجيش الإسرائيلي أقام، منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2025، سواتر وتحصينات ترابية يبلغ مجموع أطوالها نحو 30 كيلومترا، موزعة على محافظات قطاع غزة الخمس، حيث تتقاطع في أجزاء منها مع مسار الخط الأصفر، بينما تمتد في مواقع أخرى خارجه.
كما أوضحت الصور التفصيلية أن بعض أجزاء هذه السواتر تسير بمحاذاة مبانٍ وجدران لا تزال قائمة، ثم تتوقف عند طرق رئيسية أو فرعية، قبل أن تستأنف الظهور في مناطق قريبة.
كما تكشف اللقطات عن شبكة واسعة من الطرق الترابية وأعمال الحفر والتسوية المحيطة بهذه المقاطع، إلى جانب وجود فتحات واضحة تسمح بمرور الآليات العسكرية عبرها.
والجدير بالإشارة أن "الخط الأصفر" لم يعد مجرد خط مؤقت ظهر على خرائط وقف إطلاق النار في قطاع غزة، إذ بدأت خلال الأشهر الماضية تتشكل على الأرض ملامح حاجز ترابي واسع يفصل بين المناطق المكتظة بالسكان والأراضي الواقعة تحت سيطرة القوات الإسرائيلية شرق الخط.

وأظهر تحليل الصور أن إجمالي أطوال السواتر التي أُنشئت داخل القطاع منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2025 بلغ نحو 30 كيلومترا، وهو ما يعادل قرابة ثلاثة أرباع طول قطاع غزة البالغ حوالي 40 كيلومترا.
ولا تشكل هذه السواتر حاجزا متصلا بشكل كامل، لكنها تنتشر في مقاطع طويلة ومتقاربة على امتداد القطاع.
ورصدت الصور مقاطع تمتد لنحو 4 كيلومترات في رفح، و8 كيلومترات في خان يونس، و7 كيلومترات في دير البلح، و5 كيلومترات في مدينة غزة، و5.5 كيلومترات في شمال القطاع.
كما كشفت القياسات أن أطول امتداد شبه متصل يبدأ من منطقة الزنة شرق خان يونس وصولا إلى حي الزيتون بمدينة غزة، بطول يقدر بنحو 19 كيلومترا.

بناء يتقدم بسرعة
وتكشف صور التقطت خلال شهر يوليو/تموز عن تسارع واضح في وتيرة أعمال البناء، لا سيما في جنوب القطاع، إذ ارتفع طول أحد المقاطع من نحو 400 متر في الأول من يوليو/تموز إلى ما يقارب 2.6 كيلومتر بحلول منتصف الشهر، ليشكل فاصلا بين أنقاض مدينة رفح الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية ومنطقة المواصي التي تؤوي أعدادا كبيرة من خيام النازحين.

ولا تزال المعلومات المتعلقة بارتفاع هذه السواتر أو مسارها النهائي غير واضحة، فيما تشير صور الأقمار الصناعية إلى أن بعض المقاطع تمتد خارج المسار المفترض للخط الأصفر.
منطقة أمنية
ويشار إلى أن "الخط الأصفر" قد ظهر بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، باعتباره خطا مؤقتا لانتشار القوات الإسرائيلية، تمهيدا لانسحاب أوسع نحو أطراف القطاع ونشر قوة أمنية دولية.
وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن آنذاك أن ترسيم الخط يتم عبر حواجز خرسانية تعلوها أعمدة صفراء بارتفاع 3.5 أمتار، توضع على مسافات تقارب 200 متر بهدف تحقيق ما وصفه بـ"الوضوح التكتيكي" على الأرض، وفقا لبيان صدر في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

غير أن الحاجز الترابي الجديد يتجاوز فكرة العلامات الميدانية، إذ أكد الجيش الإسرائيلي لوكالة أسوشيتد برس أنه أنشأ "حاجزا ماديا" حول ما يسمى بالخط الأصفر، وأنه أقام في محيطه "منطقة أمنية" مزودة بوسائل استخباراتية وأنظمة مراقبة متطورة. وأوضح أن الهدف يتمثل في منع التسلل وتأمين القوات الإسرائيلية والتجمعات القريبة من غزة، دون أن يكشف عن المسار الكامل للحاجز أو نطاق التوسع المخطط له.
ويشير جيش الاحتلال إلى إنه يسعى إلى توضيح مسار الخط بهدف "تقليل الاحتكاك ومنع إيذاء غير المشاركين"، في ظل حوادث سابقة قتل فيها فلسطينيون بعد اقترابهم من المنطقة أو تجاوزهم حدودها غير الواضحة.
وتؤكد إسرائيل أنها تطلق النار على من تعتبرهم مصدر تهديد لقواتها، إلا أن تقارير صحفية وثقت سقوط أطفال ومدنيين بين القتلى قرب الخط.
خط برتقالي يوسع القيود
ولا تقتصر القيود المفروضة داخل قطاع غزة على الخط الأصفر، إذ أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" بأن السلطات الإسرائيلية استحدثت بعد وقف إطلاق النار ما يعرف بـ"الخط البرتقالي"، باعتباره نطاقا يستوجب تنسيقا مسبقا لتحركات المنظمات الإنسانية داخله.

ووفقاً لما جاء في بيانات المكتب، فأن "الخط الأصفر" كان يمثل بعد وقف إطلاق النار منطقة انتشار مؤقتة للقوات الإسرائيلية تغطي نحو 53% من مساحة قطاع غزة، بينما أصبح "الخط البرتقالي" يشمل نحو 64.9% من مساحة القطاع ضمن نطاق أكثر تشددا وخضوعا للسيطرة الإسرائيلية المباشرة، مضيفا نحو 36 كيلومترا مربعا إلى المناطق التي تتطلب حركة المنظمات الإنسانية داخلها تنسيقا مسبقا.
مساحة أضيق للسكان
يعيش أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة الذي لا يتجاوز عرضه في بعض المناطق 11 كيلومترا، ومع استمرار السيطرة الإسرائيلية على أكثر من نصف مساحته، تركز معظم السكان في المناطق الواقعة غرب الخط، حيث يقيم كثير منهم في خيام ويعتمدون على المساعدات الإنسانية.
وفي المقابل، تظهر صور الأقمار الصناعية على الجانب الشرقي من الخط دمارا واسعا للمباني، إلى جانب شق طرق عسكرية جديدة، وإنشاء قواعد عسكرية، وتجريف مساحات زراعية.
كما ذكر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن 11 موقع نزوح في شمال رفح، تضم نحو 1600 شخص، أصبحت غير قابلة للوصول خلال الفترة الممتدة بين 6 و13 يوليو/تموز نتيجة التحركات العسكرية بالقرب من الخط.
هدنة عالقة
وبحسب وزارة الصحة في قطاع غزة، استشهد 1180 فلسطينيا وأصيب 3810 آخرون منذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 وحتى 23 يوليو/تموز 2026، وتشمل هذه الحصيلة ضحايا سقطوا في غارات وضربات وعمليات عسكرية متفرقة.
وفي الوقت الذي تتقدم فيه المفاوضات ببطء، تستمر التغييرات الميدانية بوتيرة متسارعة، إذ تسهم السواتر الترابية والإعلانات المتواصلة عن خطوط سيطرة إسرائيلية جديدة داخل القطاع في إعادة رسم المشهد الجغرافي، وتفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل حرية الحركة وعودة السكان وإعادة إعمار المناطق الواقعة شرق الخط.
