بقلم: رامي الغف
بعد كل هذا الخراب، لم يعد السؤال: أيُّ فصيلٍ سينتصر؟ بل: متى ينتصر الإنسان في غزة؟ في غزة، لم يعد الناس يسألون من سيرفع رايته فوق الأنقاض، بل من سيرفع عنهم هذا الكابوس الذي طال أمده. بعد ثلاثة سنوات من الحروب والدمار والانقسام، سقطت الشعارات أمام قسوة الواقع، وانكشف عجز الخطابات أمام جوع الأطفال، وتشرد العائلات، ومدنٍ تحولت إلى ركام، ولقد أثبتت التجربة أن الوطن لا يُدار بمنطق الغلبة، ولا يُبنى بعقلية الاحتكار، ولا ينهض بالصراع على النفوذ.
سنواتٌ من الحروب والانقسام والصراعات أنهكت القطاع، حتى أصبح المواطن هو الخاسر الدائم في معادلةٍ لم تُنتج سوى مزيدٍ من الدماء والدمار والفقر والانتظار، فلم تعد الشعارات تُطعم جائعاً، ولم تعد البيانات السياسية تبني منزلاً هدمته الحرب، ولم يعد التنافس على السلطة يداوي جراح مدينةٍ تبحث عن فرصة للحياة. إن ما يطمح إليه كثير من المواطنيين الفلسطينيين اليوم ليس تبديل رايةٍ بأخرى، ولا استبدال حزبٍ بآخر، وإنما قيام إدارةٍ مسؤولة، ومؤسساتٍ قوية، وسيادة قانون، وعدالةٍ لا تُفرّق بين مواطن وآخر، وسلطةٍ يكون ولاؤها للوطن قبل التنظيم، وللمواطن قبل المصالح السياسية.
لقد دفعت غزة ثمناً يفوق قدرة أي مجتمع على الاحتمال، ولذلك فإن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة انتقال من منطق الفصائل إلى منطق الدولة، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، ومن الصراع على النفوذ إلى التنافس على خدمة المواطن. غزة اليوم لا تحتاج إلى خطابات جديدة، بل إلى مشروع وطني يعيد بناء الإنسان قبل الحجر، ويجعل مصلحة الشعب فوق كل الحسابات، فالأوطان لا يحميها الانقسام، ولا ينهض بها الاحتكار، وإنما تنهض حين تصبح الدولة هي المرجعية، والمواطن هو الأولوية، والمستقبل هو الهدف. غزة لا تحتاج إلى مزيد من مراكز القوى، ولا إلى صراع جديد على السلطة، إنها تحتاج إلى قيادة تجعل مصلحة المواطن فوق كل اعتبار، وإلى مشروع وطني يعيد للناس ثقتهم بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل من الماضي.
إن القضية اليوم لم تعد صراعاً بين فصيل وآخر، بل معركة لإنقاذ شعبٍ يستحق الحياة، وكل مشروع سياسي لا يضع الإنسان الفلسطيني في مقدمة أولوياته، هو مشروع محكوم عليه بالفشل مهما امتلك من القوة أو النفوذ. لقد آن الأوان لإغلاق صفحة الانقسام إلى غير رجعة، وفتح صفحة الدولة؛ دولة المؤسسات، وسيادة القانون، والمساءلة، والشفافية، وإعادة الإعمار، والتنمية، والكرامة الإنسانية. فالشعوب لا تعيش على البيانات، ولا تبني مستقبلها بالشعارات، بل بالإدارة الرشيدة والقرار الوطني المسؤول، ولقد أثبتت التجارب أن الأوطان لا تُبنى بمنطق الغلبة، وإنما بمنطق الدولة؛ دولةٍ تحتكر القرار، وتحمي الحقوق، وتفتح أبواب الإعمار والاستثمار، وتعيد للإنسان كرامته التي سُلبت تحت ركام الحرب. إن التاريخ لا يرحم، وشعبنا لا ينسى، وستبقى المرحلة القادمة اختبارا حقيقياً لكل من يدّعي تمثيل هذا الشعب: فإما أن ينتصر للوطن والإنسان، وإما أن يترك مكانه لمن يستطيع أن يبني دولةً تليق بتضحيات الشعب الفلسطيني. *إعلامي وباحث سياسي
