المفقودون في غزة.. عائلات عالقة بين ركام الحرب وانتظار الحقيقة

غزة
غزة

غزة/ البوابة 24- أمنية أبو الخير

 

في أحد أحياء مدينة غزة، لا تزال عائلة أبو أحمد تنتظر خبرًا عن ابنها الذي اختفى منذ القصف الذي طال منزلهم قبل أشهر. لا تعرف والدته إن كان ابنها بين من فقدوا تحت الأنقاض، أم أنه نُقل إلى مكان آخر ولم تصلها أي معلومة عنه حتى الآن.

تعود العائلة بين حين وآخر إلى المكان الذي كان منزلها فيه، تبحث بين ما تبقى من الركام عن أي أثر قد يقودها إليه. تحتفظ الأم بصورته وهاتفه وبعض متعلقاته الشخصية، وتقول إن أصعب ما تواجهه ليس الغياب وحده، بل العيش في مساحة مفتوحة من الاحتمالات دون معرفة ما حدث.

"لو عرفنا أنه استشهد سنحزن ونودعه، ولو عرفنا أنه حي سنواصل البحث عنه حتى نجده، لكن الانتظار بلا إجابة هو ما يؤلمنا أكثر"، تقول الأم، التي ما تزال تتمسك بأمل معرفة مصير ابنها.

قصة أبو أحمد واحدة من آلاف القصص التي تعيشها عائلات في غزة، حيث لا ينتهي الفقد عند لحظة الغياب، بل يستمر مع غياب المعلومات وصعوبة الوصول إلى إجابات تحدد مصير المفقودين.

بين أنقاض المنازل والمباني المدمرة، تتواصل عمليات البحث عن أشخاص قد يكون بعضهم تحت الركام، أو ضمن جثامين لم تُحدد هوياتها، أو ممن بقي مصيرهم مجهولًا حتى الآن.

وتعرّف اللجنة الدولية للصليب الأحمر المفقود بأنه الشخص الذي يصبح مصيره أو مكان وجوده غير معروف نتيجة نزاع مسلح أو عنف، سواء كان حيًا أو محتجزًا أو متوفى. ولا يرتبط مفهوم الفقد بعدم العثور على الشخص فقط، بل يشمل كل حالة تغيب فيها المعلومات التي تمكن العائلة من معرفة مصير أحد أفرادها.

بالنسبة لعائلات المفقودين في غزة، لا يمثل غياب المعلومات مجرد نقص في البيانات، بل حالة إنسانية قاسية تُبقيهم في دائرة من الانتظار والقلق. فمعرفة مصير المفقود، سواء كان حيًا أو متوفى، تشكل خطوة أساسية تساعد الأسرة على مواجهة الواقع والتعامل مع آثار الفقد.

ملف معقد وأعداد يصعب تحديدها

يواجه ملف المفقودين في غزة تحديات كبيرة بسبب حجم الدمار الواسع، وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة، ونقص المعدات اللازمة لعمليات البحث ورفع الأنقاض، إضافة إلى التعقيدات المرتبطة بالتعرف على الجثامين التي يتم العثور عليها.

وبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغ عدد المفقودين في قطاع غزة نحو 11,200 شخص، بينهم 4,700 من الأطفال والنساء، وفق آخر المؤشرات المنشورة، فيما تبقى عملية تحديد المصير النهائي للعديد من الحالات معقدة بسبب صعوبة الوصول إلى مواقع الدمار وانتشال الجثامين والتعرف عليها

 البحث عن المصير لا عن الرقم فقط

يرى غازي المجدلاوي، منسق المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا، أن قضية المفقودين لا تتعلق فقط بمعرفة عدد الأشخاص الذين غابوا، بل بالكشف عن مصير كل حالة وتحديد هوية أصحابها، وفق حديثه مع جريدة الوطن.

ويشير المجدلاوي إلى أن عمليات البحث والتوثيق تواجه صعوبات كبيرة، خصوصًا مع وجود جثامين مجهولة الهوية، والحاجة إلى وسائل فنية مثل فحوص الحمض النووي لمطابقة العينات والوصول إلى نتائج دقيقة تساعد العائلات على معرفة مصير ذويها.

ويضيف أن استمرار غياب المعلومات يزيد من معاناة الأسر، لأن الانتظار الطويل دون إجابة يترك العائلات في حالة مستمرة من عدم اليقين.

التعرف على الجثامين.. تحدٍ تقني وإنساني

من جانبه، يوضح محمود عاشور، المتحدث باسم الأدلة الجنائية في غزة في تصريح للجزيرة، أن فرق الأدلة الجنائية تواجه تحديات تقنية كبيرة أثناء التعامل مع الجثامين، خاصة في الحالات التي تكون فيها علامات التعرف التقليدية غير كافية.

ويشير عاشور إلى أن نقص الإمكانات والمختبرات المتخصصة يجعل عمليات تحديد الهوية أكثر صعوبة، وأن فحوص البصمة الوراثية أصبحت من الأدوات الأساسية في محاولة إعادة الأسماء إلى أصحابها وتسليم العائلات إجابات طال انتظارها.

ويؤكد العاملون في المجال الإنساني أن معرفة مصير المفقودين لا تمثل مطلبًا إنسانيًا للعائلات فقط، بل تعد جزءًا أساسيًا من حفظ السجلات الإنسانية وضمان حق الأسر في معرفة مصير ذويها.

وبينما تستمر عمليات البحث وسط الركام، يبقى مطلب العائلات الأساسي واضحًا: معرفة الحقيقة. فبالنسبة لمن فقدوا أحباءهم، قد تكون الحقيقة مؤلمة، لكنها تبقى أقل قسوة من البقاء في مساحة مفتوحة من الأسئلة والاحتمالات.

البوابة 24