بقلم بسام صالح
لا تسمّوه سلامًا
(الحقيقة، العدالة، وواجب تسمية الواقع)
شاركت في العديد من الندوات التي دعيت لها للحديث عن تطورات القضية الفلسطينية خاصة بعد السابع من أكتوبر، وفي نهاية كل ندوة كان السؤال الأكثر إلحاحا هل يمكن تحقيق أو تصور مشروع سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين ؟ سؤال يستحق ندوة كاملة للإجابة عليه من منظور فلسطيني يعيش تجربة الغربة منذ سنوات طويلة، عليه أن يعبر عن موقف شعب يعيش تحت الاحتلال ومحروم من أبسط حقوق الإنسان لذلك قلت ما معنى تصوّر السلام اليوم؟ ربما لا تكمن المشكلة في تصوّره، بل في امتلاك الشجاعة لنطقه دون تحريف معناه. السلام ربما يكون الكلمة الأكثر استخدامًا في عصرنا. الجميع يستحضره، والجميع يرغب فيه، والجميع يُعلن دعمه له. ومع ذلك، نادرًا ما نسأل أنفسنا عن معناه الحقيقي.
لذا، فإن السؤال الأول ليس ما إذا كنا نرغب في السلام، بل السؤال الحقيقي هو: أي نوع من السلام؟
هل يمكن للسلام أن يوجد بدون عدالة؟ هل يمكن للمصالحة أن تتحقق بدون حقيقة تاريخية؟
هل يمكن لعملية سلام أن تستمر في ظل نظام قائم على الاحتلال والاستعمار والفصل العنصري وإنكار الحقوق الأساسية للشعوب؟ لا أعتقد ذلك.
لأن السلام ليس معادلة، وليس صورة، وليس حفلاً موسيقيًا. ليس كل حوارًا يُبنى على طمس الواقع. السلام انتصارٌ للعدالة، واعترافٌ بكرامة و حقوق الآخرين، وحقيقةٌ تسبق المصالحة. وهنا تحديدًا ينبع انزعاجي من العديد من المبادرات التي تتحدث اليوم عن السلام بشكل مجرد . لا أشكك بالضرورة في حسن نية المشاركين، بل أشكك في النموذج الذي تتشكل منه هذه المبادرات. لأن طريق السلام لا يُبنى على طمس التاريخ، ولا يمكن مساواة بين من يمارس الاحتلال ومن يقع تحت الاحتلال بمعنى آخر لا يمكن المساواة بين الضحية والجلاد.
لأن المسؤوليات التاريخية والسياسية ليست متكافئة. القضية الفلسطينية ليست صراعًا بين قوميتين متكافئتين، بل هي تاريخ صراع بين مشروع استعماري أنتج الطرد والمصادرة والتطهير العرقي والهيمنة منذ قيام دولة إسرائيل. ومشروع تحرر وطني يطالب بحق تقرير المصير والحرية.
إن نكبة عام ١٩٤٨ ليست من الماضي، بل هي مستمرة، مستمرة في مصادرة الأراضي، وهدم المنازل، والاستعمار والتطهير العرقي في الضفة الغربية، و الإبادة الجماعية في غزة. مستمرة في إنكار حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
وفي هذا السياق التاريخي المتواصل، تستمر الإبادة الجماعية حتى يومنا هذا. إن الاستمرار في تسميتها "حربًا" يعني المساهمة في تطبيعها.
عندما تصبح الإبادة الجماعية "حربًا".عندما يصبح الاستعمار "صراعًا".عندما يصبح الفصل العنصري "تعقيدًا".
عندما يصبح الاحتلال "أمنًا".
حينها، لا تعود اللغة تصف الواقع، بل تحميه. وعندما تحمي اللغة السلطة بدلًا من الحقيقة، تصبح هي نفسها جزءًا من المشكلة. لا يمكننا ببساطة تحميل المسؤولية الكاملة للحكومة الإسرائيلية الحالية فقط. فالحكومات تزول، لكن الأنظمة تبقى. السياسات الاستعمارية، والمستوطنات، والاحتلالات، وعمليات الهدم، والتهجير، والعنف البنيوي ضد الشعب الفلسطيني، كلها تمتد عبر تاريخ دولة إسرائيل.
ولا يمكن تجاهل أن غالبية كبيرة من المجتمع الإسرائيلي لا تزال تدعم هذه السياسات والعمليات العسكرية المصاحبة لها، كما أظهرت العديد من الدراسات الاستقصائية التي أُجريت في السنوات الأخيرة. هذا لا يعني إنكار وجود إسرائيليين يقاومون هذا النظام. بل على العكس تمامًا.
إن شخصيات مثل يولي نوفاك، وايلان بابيه ومنظمات مثل بتسيلم، والعديد من اليهود الإسرائيليين الذين تحلّوا بالشجاعة لإدانة الاستعمار والفصل العنصري والإبادة الجماعية، يمثلون اليوم صوتًا ذا قيمة أخلاقية استثنائية. لكن وجودهم بحد ذاته يُظهر أن المشكلة ليست في الهوية.
إنها في طبيعة النظام. وهذا النظام الصهيوني هو الذي يجب تحديه جذريًا.
ثمة غياب آخر يلفت انتباهي. ففي العديد من مبادرات السلام، يُكثر الحديث عن الإصغاء. ولكن من يُصغى إليه حقًا؟
أين أمهات غزة؟ اين الأطباء؟أين الصحفيون الناجون؟
أين الأطفال المشوهون؟ أين العائلات التي فقدت العشرات من أبنائها؟
لأن الحديث عن السلام دون الإصغاء أولًا لمن يعانون الدمار يعني تحويل السلام إلى امتياز لمن يراقبون من بعيد. إن السلام الذي يتجاهل الضحايا يُخاطر بأن يكون مجرد طمأنينة أخلاقية للضمائر الغربية.
تُقاس حقيقة ما يحدث اليوم، على أجساد أطفال غزة، وعلى الجوع، وعلى عمليات البتر، وعلى الحرمان من الرعاية، وعلى المدن المدمرة. إن تجاهل هذه الحقيقة عمل قمعي جسيم.
تعلمنا حالة جنوب أفريقيا درسًا جوهريًا. لم ينتهِ نظام الفصل العنصري لأن المستعمرين والسكان الأصليين قرروا فجأة الحوار.
انتهى عندما اعتُرف العالم بعدم شرعية نظام الهيمنة وبدأ تفكيكه. عندها فقط أصبح تحقيق المصالحة ممكنًا.
العدالة ليست نتيجة السلام، وان كانت شرطًا أساسيًا له. ولذلك ما زلت أؤمن إيمانًا راسخًا بالسلام. ولكن لأنني أؤمن به تحديدًا، أرفض أن أستخدم اسمه عبثًا.
لن أسمي قمع الحقيقة سلامًا.
لن أسمي الصمت المفروض على المظلومين سلامًا.
لن أسمي تطبيع الاستعمار سلامًا.
لن أسمي السلام مصالحة, مبنية على أنقاض غزة، خالية من العدالة والمسؤولية والحرية.
لأن السلام الحقيقي لا يولد من النسيان، بل يولد من شجاعة مواجهة التاريخ، ومن الاعتراف بالظلم، ومن نهاية النظام الذي لا يزال ينتج هذا الظلم.
وهنا أشعر بالحاجة إلى توضيح نوع السلام الذي أتصوره. لا أحلم بفلسطين يهيمن فيها شعب على آخر، بل أحلم بفلسطين لا يهيمن فيها أي شعب على آخر.
أرضٌ حرة، من النهر إلى البحر، حيث يعيش جميع الناس أخيرًا مواطنين متساوين أمام القانون، يتمتعون بنفس الحقوق والواجبات والكرامة نفسها، بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية أو الدينية. لأن نقيض الاستعمار ليس الانتقام، بل المساواة والعدالة هذا هو السلام الذي أؤمن به.
لهذا السبب أشارككم إيمانًا بسيطًا: لا يمكننا إعادة تصور السلام دون عدالة وبدون حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصير.
وطالما أن هناك شعبًا يهيمن على آخر، فإن الحديث عن السلام دون تسمية الواقع لن يؤدي إلا إلى إفراغ الكلمة من معناها الأعمق. يجب تسمية الأشياء بأسمائها، ليس لأن اللغة وحدها قادرة على تغيير العالم،
بل لأنه لا يمكن أن يولد عالم أكثر عدلًا من كلمات عجزت عن قول الحقيقة.
