دعا الباحث الإسرائيلي المتخصص في الاقتصاد الفلسطيني، إيال عوفر، إلى فصل قطاع غزة بشكل كامل عن إسرائيل وربطه اقتصاديًا بمصر، معتبرًا أن إعادة إعمار القطاع يجب أن تسبقها تغييرات في البنية الأيديولوجية السائدة فيه.
ووفقًا لما ذكرته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية فإن عوفر، المتخصص في اقتصاد حركة حماس، طالب بإغلاق الحدود بين إسرائيل وقطاع غزة، ووقف تدفق الموارد عبر إسرائيل إلى القطاع، وربط الاقتصاد الغزي بمصر، مؤكدًا أن أي عملية لإعادة الإعمار ينبغي أن تسبقها معالجة الواقع الأيديولوجي في غزة.
انتقادات للرؤى المطروحة
وأشارت "الصحيفة" إلى أن عوفر أدلى بهذه التصريحات خلال مقابلة مع الإعلاميين أريئيل سيغال وإيال بركوفيتش في برنامجهما عبر إذاعة "103 إف إم"، حيث تناول مستقبل قطاع غزة، ودور "مجلس السلام"، والحل الذي يرى أنه ينبغي لإسرائيل تبنيه.
كما نقلت "الصحيفة" عنه قوله إن غزة ما زالت "تبيع الأوهام"، بينما تتشكل الدولة الفلسطينية على أرض الواقع، مضيفًا أن هناك ثلاثة أطراف يطرحون تصورات غير واقعية، وهم جاريد كوشنر وستيف ويتكوف اللذان يروجان لرؤية تقوم على مدينة متطورة وتكنولوجيا عالية وسلام مزدهر، وبتسلئيل سموتريتش وأوريت ستروك اللذان يطرحان حلم الاستيطان الإسرائيلي، فيما يروج بنيامين نتنياهو لفكرة نزع سلاح غزة وإسقاط حركة حماس، وهو الوعد الذي سبق أن أطلقه أيضًا خلال حملته الانتخابية عام 2009، معتبرًا أن جميع السياسيين الإسرائيليين يواصلون تسويق الوهم نفسه بأن حماس انتهت.
ورد "بركوفيتش" متسائلًا عن سبب تحميل جميع السياسيين المسؤولية، مشيرًا إلى أن الحكومة الحالية تضم رئيسًا للحكومة ووزراء ورئيسًا للأركان، ومتسائلًا عن تأثير شخصيات مثل يائير غولان وغادي آيزنكوت في هذا الملف.
فصل غزة عن إسرائيل
وفي السياق ذاته، لفتت "الصحيفة" إلى أن "عوفر" دعا إسرائيل إلى تبني رؤية بعيدة المدى، معتبرًا أن قطاع غزة لم يعد يمثل تهديدًا عسكريًا كبيرًا، وأن الأولوية يجب أن تكون لمنع أي ارتباط بين غزة والضفة الغربية، لأن التهديد الأمني الأكبر، بحسب رأيه، يكمن هناك.
وأضاف "عوفر" أن المعركة الحقيقية بالنسبة لإسرائيل لم تعد داخل غزة، وإنما في الدول الغربية، مشيرًا إلى أن إسرائيل أصبحت دولة منبوذة بسبب طريقة تعاملها مع القطاع.
كما أوضحت "الصحيفة" أن سيغال طلب من عوفر تقديم حل عملي بدلًا من الاكتفاء بانتقاد السياسات الحالية، فرد بأن الحل ينبغي أن يكون طويل الأمد ويركز على تغيير الأيديولوجية السائدة لدى سكان غزة، مؤكدًا أن القضية لا ترتبط بحركة حماس وحدها، بل ببنية فكرية يجب التعامل معها قبل الشروع في إعادة بناء البنية التحتية.
وأشار "عوفر" إلى أن الدول العربية، وفي مقدمتها مصر، تتحمل مسؤولية في هذا الملف، داعيًا إسرائيل إلى التوقف عن أداء دور قناة إمداد للقطاع، وإغلاق معبر كرم أبو سالم، بحيث يصبح الارتباط الاقتصادي لغزة مع مصر بدلًا من إسرائيل.
جدل حول دور مصر
وفي سياق متصل، ذكرت "الصحيفة" أن سيغال علق بأن المصريين لا يوافقون على هذه الفكرة، وأن عوفر يطرح مشكلة ثم ينقل مسؤولية حلها إلى مصر، في حين أن القاهرة لا تبدي اهتمامًا بذلك، بينما تتعرض إسرائيل لانتقادات دولية.
ورد "عوفر" بأن القضية لا تتعلق بما يريده المصريون، بل بما ينبغي على إسرائيل فعله، موضحًا أنه حتى تتجنب إسرائيل الاتهامات بتقييد دخول البضائع إلى غزة، عليها أن تعلن أن القطاع يمثل حدود كيان سياسي معادٍ، وأن تغلق حدودها معه وتربطه اقتصاديًا بمصر، مؤكدًا أن إسرائيل مطالبة أولًا برفع مسؤوليتها عن القطاع وإبراز أن المشكلة الأساسية تكمن في البنية الأيديولوجية التي تسعى، بحسب وصفه، إلى تدمير إسرائيل.
انتقادات لإعادة الإعمار
وأضافت "الصحيفة" أن بركوفيتش قال إن نحو 60% من مساحة قطاع غزة باتت تحت السيطرة الإسرائيلية، بينما تتركز الفصائل الفلسطينية في الـ40% المتبقية، مشيرًا إلى أن المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية أصبحت مدمرة، ومتسائلًا عن سبب عدم الإبقاء على هذا الواقع، بحيث يتم الرد على أي إطلاق صواريخ أو طائرات ورقية بقصف جوي، معتبرًا أنه لا يوجد تهديد أمني حاليًا.
ورد "عوفر" بأنه يتفق مع هذا الطرح باستثناء نقطة واحدة، وهي ضرورة إبلاغ المجتمع الدولي بعدم ضخ مليارات الدولارات في غزة، لأن استمرار البنية الأيديولوجية الحالية سيؤدي، بحسب رأيه، إلى تدمير أي بنية تحتية جديدة، مضيفًا أن العالم يقف ضد إسرائيل لأنه يعتبرها مسؤولة عن ارتكاب إبادة جماعية في القطاع.
ونقلت "الصحيفة" عن "بركوفيتش" قوله إن هذه الصورة السلبية تعود إلى فشل الحكومة الإسرائيلية في إدارة المعركة الإعلامية، وغياب أي جهد فعال في هذا المجال.
كما لفت "سيغال" إلى أن أحد الأشخاص الذين أعدوا مقطعًا مصورًا يوثق أحداث السابع من أكتوبر قال إن أكثر المشاهد التي أثرت في الصحفيين الأجانب كان مشهد إطلاق النار على كلب.
وفي ختام تصريحاته، قال "عوفر" إن العالم ينظر منذ نحو عشرين عامًا إلى إسرائيل باعتبارها تحتجز سكان غزة داخل سجن، ولذلك يرى كثيرون أن السابع من أكتوبر مثل خروج الفلسطينيين من هذا السجن، مضيفًا أن إسرائيل ينبغي أن تتخلى عن خطاب الحصار والاعتبارات الأمنية، وأن تعلن أنها تمنح سكان غزة الحرية، مع إغلاق حدودها مع القطاع والاكتفاء بالمحيط الأمني، وترك غزة ترتبط بمصر.
وجاء هذا الطرح في وقت تتواصل فيه الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، في ظل دمار واسع طال البنية التحتية، وأزمة إنسانية غير مسبوقة.
والجدير بالذكر أن هذه التصريحات تأتي في ظل تسارع الجهود الدولية والإقليمية للتوصل إلى صيغة توافقية لإعادة إعمار قطاع غزة وتنظيم الأوضاع الأمنية والسياسية فيه، وسط رفض مصري متكرر لأي مقترحات تتضمن تهجير الفلسطينيين أو تحميل القاهرة مسؤولية إدارة القطاع، وهو موقف أكدته القيادة المصرية في أكثر من مناسبة باعتباره خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه.
