إدارة الصراع بسلاح الزمن

بقلم: د. إياد أبو الهنود

بينما كنت أتابع أحد البرامج الحوارية على إحدى الفضائيات العربية، والذي تناول آخر تطورات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، استوقفتني مداخلة لأحد المحللين السياسيين، أشار فيها إلى أن حكومة بنيامين نتنياهو فتحت العديد من الجبهات دون أن تتمكن من حسم أي منها، ورغم وجاهة هذا الطرح للوهلة الأولى، فإن قراءة أكثر عمقًا لمسار السياسة الإسرائيلية تقود، في تقديري، إلى استنتاج مختلف.

فالتجربة أثبتت أن الحكومات الإسرائيلية، على اختلاف توجهاتها وتباين ائتلافاتها، لم تعد تسعى إلى حسم الصراع مع الفلسطينيين أو الوصول إلى تسوية نهائية، بقدر ما تتبنى استراتيجية تقوم على إبقاء الصراع مفتوحًا وإدارته بما يضمن استمرار التفوق الإسرائيلي وترسيخ الوقائع على الأرض، ومن هذا المنظور، فإن عدم الحسم باعتقادي لا يعكس عجزًا سياسيًا أو عسكريًا، بل يمثل خيارًا استراتيجيًا مدروسًا يمنح الاحتلال مرونة الحركة، ويؤجل الاستحقاقات السياسية، ويُبقي الفلسطينيين في دائرة استنزاف مستمرة.

والاستنزاف، في الرؤية الإسرائيلية، لم يعد يقتصر على العمليات العسكرية، بل تحول إلى سياسة شاملة تطال الاقتصاد، والمؤسسات، والمجتمع، والوعي، والعلاقات الدولية، فكل أزمة معيشية، وكل تضييق اقتصادي، وكل تعطيل لمقومات الحياة الطبيعية، ليست أحداثًا منفصلة، وإنما حلقات في استراتيجية تراكمية تهدف إلى إنهاك المجتمع الفلسطيني وتقليص قدرته على المبادرة، بحيث ينشغل بتأمين متطلبات البقاء أكثر من انشغاله بصناعة المستقبل.

وفي موازاة ذلك، تعمل إسرائيل على استثمار ما يمكن وصفه بـ”المناطق الرخوة” في الحالة الفلسطينية، بتعزيز الإنقسام السياسي، وإضعاف المؤسسات، وتراجع الثقة العامة، وحالات الفراغ، تتحول جميعها إلى ثغرات يُعاد توظيفها لترسيخ المشروع الإسرائيلي، وهذه الثغرات لا تُحدث تحولًا جذريًا دفعة واحدة، لكنها تتراكم ببطء حتى تصبح حقائق يصعب تغييرها.

ولا يقل خطورة عن ذلك اعتماد الاحتلال على صناعة بيئة طاردة للسكان، لا على التهجير القسري المباشر وحده، فعندما تصبح الحياة أكثر قسوة، وتتراجع الخدمات، وتضيق فرص العمل، ويغيب الأفق السياسي، تتحول الهجرة إلى خيار فردي يبدو طوعيًا، بينما يكون في جوهره نتيجة لسياسة ممنهجة تستهدف إعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والسياسي.

وفي قلب هذه الاستراتيجية يبرز عنصر غالبًا ما يُغفل في التحليل السياسي، وهو الزمن، فالاحتلال لا يشتري الوقت فحسب، بل يستثمره، وكل يوم يمر دون تغيير في موازين الفعل السياسي يمنحه فرصة إضافية لترسيخ الاستيطان، وتعميق السيطرة، وإعادة تشكيل البيئة السياسية بما يخدم أهدافه بعيدة المدى.

غير أن الصورة تبقى ناقصة إذا اقتصر التحليل على سياسات الاحتلال وحدها، فالحالة الفلسطينية مطالبة، هي الأخرى، بمراجعة أدواتها وآليات إدارتها للصراع، فهناك فرق جوهري بين من يدير الزمن وفق رؤية استراتيجية تتسق فيها الخطوات اليومية مع أهداف وطنية بعيدة، وبين من يكتفي بإدارة الأزمات والتحرك تحت ضغط الوقائع.

ولعل ما يجري اليوم من مفاوضات، وما يصاحبها من تفاهمات وإعلانات تتعلق بقطاع غزة، يجسد جانبًا من هذه الإشكالية، فحين تُدار ملفات مصيرية تمس مستقبل القضية الفلسطينية من خلال مرجعيات فرضت حضورها بفعل موازين القوة والواقع الميداني، أو حين يُختزل القرار الوطني في جغرافيا بعينها، انطلاقًا من تصورٍ يخلط بين النفوذ الميداني والتمثيل الوطني الشامل، فإن ذلك يكرس واقعًا سياسيًا مجزأً، ويمنح الاحتلال فرصة إضافية لتفكيك القضية الفلسطينية إلى ملفات منفصلة يسهل التعامل معها وإدارتها، بدل بقائها قضية وطنية واحدة ذات تمثيل سياسي جامع، تشمل القدس والضفة الغربية وقطاع غزة والشتات في إطار مشروع وطني موحد.

ولا يعني ذلك إنكار ما أفرزته الظروف الاستثنائية من وقائع، أو التقليل من حجم التضحيات والضغوط التي يعيشها أبناء شعبنا، وإنما التأكيد على أن خطورة المرحلة تفرض إعادة الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني بوصفه المرجعية الجامعة، بحيث تُدار الملفات السياسية كافة ضمن رؤية وطنية واحدة، لا وفق موازين القوة الآنية أو الجغرافيا المفروضة، فالانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة المشروع الوطني لم يعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية للحفاظ على وحدة القضية ومستقبلها.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الشعوب في الصراعات الممتدة ليس خسارة معركة هنا أو هناك، بل خسارة القدرة على المبادرة، فالمبادرة هي التي تجعل الزمن يعمل لصالحها، بينما يؤدي الاكتفاء بردود الأفعال إلى تحويل الزمن نفسه إلى أداة يستخدمها الخصم لتعزيز مكاسبه.

وليس من قبيل المصادفة أن تنطلق الثورة الفلسطينية المعاصرة وهي تؤسس لأدبيات المبادرة، لا الانتظار؛ فكان قرارها أن تستعيد زمام الفعل الوطني، وأن تنتقل بالقضية الفلسطينية من موقع التلقي إلى موقع التأثير، ومن رد الفعل إلى صناعة الحدث، وقد شكّل هذا النهج أحد أهم مصادر حيوية المشروع الوطني الفلسطيني، إذ لم يكن يقوم على انتظار تبدل موازين القوى، بل على السعي إلى التأثير فيها وتغييرها عبر الفعل السياسي والكفاحي والدبلوماسي.

واليوم، تبدو الحاجة إلى استعادة هذه الروح أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى؛ ليس بالضرورة من خلال إعادة إنتاج الأدوات ذاتها، وإنما باستعادة فلسفة المبادرة ذاتها، بحيث يصبح الفعل الوطني مبنيًا على رؤية استراتيجية تستبق الأحداث، وتفرض أجندتها، بدلاً من أن تظل أسيرة إيقاع الأزمات وردود الأفعال.

ولعل الفارق الأوضح بين الاستراتيجية الإسرائيلية والأداء الفلسطيني اليوم لا يكمن في امتلاك القوة وحدها، بل في كيفية إدارة الزمن، فباعتقادي إسرائيل بصرف النظر عن طبيعة أهدافها، تتحرك وفق رؤية تراكمية تتسق فيها الخطوات اليومية مع غايات بعيدة المدى، بينما لا يزال الفلسطينيون، في كثير من الأحيان، يستهلكون طاقتهم في إدارة اللحظة أكثر من صناعة المستقبل.

البوابة 24