بين تجديد الشرعية وإعادة بناء النظام السياسي.. ماذا تعني رسائل مجدلاني؟

بقلم:رامي الغف

في السياسة، لا تُقرأ التصريحات بمعزل عن توقيتها، ولا تُفهم الدعوات إلى الانتخابات خارج السياق الوطني الذي وُلدت فيه. ومن هذا المنطلق، تكتسب تصريحات عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والأمين العام لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، د. أحمد مجدلاني، أهمية تتجاوز إطارها الحزبي، لتلامس واحدة من أكثر القضايا حساسية في الحياة السياسية الفلسطينية: قضية الشرعية ومستقبل النظام السياسي. فالحديث عن أن النظام السياسي الفلسطيني بحاجة إلى تجديد شرعيته عبر صناديق الاقتراع يعكس إدراكًا متزايدًا بأن استمرار المؤسسات دون تجديد دوري يضعف قدرتها على تمثيل الإرادة الشعبية، ويزيد من اتساع الفجوة بين المواطن ومؤسسات الحكم. وفي ظل التحولات التي فرضتها الحرب، والتغيرات الإقليمية، والتحديات التي تواجه المشروع الوطني، تبدو الحاجة إلى إعادة بناء الثقة بالمؤسسات أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. لكن الانتخابات، مهما بلغت أهميتها، ليست هدفًا قائمًا بذاته، بل وسيلة لإنتاج نظام سياسي أكثر قدرة على مواجهة الاستحقاقات الوطنية. فنجاح أي عملية انتخابية يرتبط بتوافر بيئة سياسية وقانونية تضمن التنافس الحر، واحترام النتائج، وتعزيز الشراكة الوطنية، بما يحول دون إنتاج أزمات جديدة بدلًا من معالجة الأزمات القائمة.

وفي هذا السياق، تحمل دعوة جبهة النضال الشعبي الفلسطيني إلى تشكيل أوسع تحالف وطني ديمقراطي دلالات سياسية مهمة، إذ تعكس إدراكًا بأن المرحلة المقبلة لن تحتمل الاصطفافات الضيقة أو الحسابات الفصائلية التقليدية، وأن أي مشروع لإعادة بناء النظام السياسي يحتاج إلى قاعدة وطنية واسعة قادرة على استيعاب التنوع السياسي والاجتماعي الفلسطيني. كما أن تأكيد مجدلاني على ضرورة إشراك الأجيال الشابة في مواقع صنع القرار يفتح بابًا مهمًا للنقاش حول مستقبل النخبة السياسية الفلسطينية. فالتجديد لا يقتصر على تغيير الوجوه، بل يشمل تطوير آليات العمل السياسي، وتجديد الخطاب، وتعزيز المشاركة، وتمكين الكفاءات القادرة على التعامل مع المتغيرات المتسارعة. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الرؤية يبقى مرهونًا بقدرة القوى الفلسطينية على تحويل الخطاب إلى خطوات عملية.

فالشارع الفلسطيني لا ينتظر مزيدًا من البيانات أو الوعود، بل يتطلع إلى توافقات حقيقية تُنهي الانقسام، وتعيد الاعتبار للمؤسسات، وتؤسس لمرحلة يكون فيها الاحتكام إلى الإرادة الشعبية قاعدة راسخة لا استثناءً ظرفيًا. إن أي انتخابات قادمة، إذا ما توفرت لها الشروط السياسية والقانونية الملائمة، يمكن أن تشكل نقطة تحول في مسار النظام السياسي الفلسطيني، وأن تسهم في إعادة بناء الشرعية وتعزيز الوحدة الوطنية. أما إذا بقيت رهينة الخلافات والانقسامات، فإنها قد تتحول إلى فرصة ضائعة أخرى في سجل طويل من الاستحقاقات المؤجلة. ويبقى السؤال الأهم: هل تمتلك القوى الفلسطينية الإرادة السياسية اللازمة لترجمة الدعوات إلى تجديد الشرعية إلى مشروع وطني جامع، أم أن التوافق سيظل مؤجلًا أمام تعقيدات الواقع والانقسام؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مصير الانتخابات المقبلة، بل قد ترسم أيضًا ملامح المرحلة الفلسطينية القادمة بأكملها. *إعلامي وباحث سياسي

البوابة 24