شهد الثاني من أغسطس (آب) الحالي استهداف مسيرة إسرائيلية لمركبة بصاروخين، كان بداخلها ثلاثة فلسطينيين من نشطاء «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، وأسفر القصف عن مقتل الثلاثة، إضافة إلى مدني رابع كان مارًا بالمكان.
استهداف نجل قائد القسام
وعقب الهجوم، سارعت منصات على شبكات التواصل الاجتماعي، بعضها يديره إسرائيليون وأخرى ترتبط بالمخابرات الإسرائيلية بصورة أو بأخرى، وفق ما كشفت صحيفة «هآرتس» خلال الحرب على القطاع، إلى الترويج لاستهداف قيادي بارز في «القسام» كان موجودًا داخل المركبة.
وكانت التقارير قد تحدثت في ذلك الوقت عن استهداف القيادي في «كتائب القسام» نافذ صبيح قبل أن تكشف التطورات اللاحقة أن نجله «جلال» وناشطين بارزين آخرين قتلوا في العملية، وساد لدى أمن الفصائل الفلسطينية اعتقاد بأن الاستهداف استهدف في جانب منه الحصول على معلومات تحدد مكان صبيح الأب، والتحقق من وجوده داخل المركبة وقت الهجوم.
وفي ذلك الوقت، وصفت وسائل إعلام إسرائيلية صبيح بأنه القائد الجديد لـ«كتائب القسام»، في حين لم تصدر أي مصادر فلسطينية تأكيدًا أو نفيًا لهذه المعلومات.
والجدير بالإشارة أن هذه الحادثة جاءت في ظل الحديث عن محاولات «حماس» تضليل إسرائيل بشأن عمليات الاغتيال التي تستهدف قيادات ونشطاء بارزين في جناحها المسلح، بعدما تكررت خلال الحرب وقائع مشابهة أعلن فيها الجيش الإسرائيلي عن اغتيال شخصيات بارزة، قبل أن يتبين لاحقاً أنها لا تزال على قيد الحياة.
تنصت وملاحقة للمستهدفين
وفي واقعة مماثلة، أعلن الجيش الإسرائيلي يوم 26 يوليو (تموز) الماضي اغتيال همام عيد، أحد مهندسي «كتائب القسام» الذين عملوا على تصنيع وتطوير الطائرات المسيرة، إثر غارة نفذها ضده قبل يوم من الإعلان عن مقتله.
لكن بعد ذلك اتضح أن عيد لم يقتل في القصف، قبل أن تعلن عائلته في اليوم التالي للبيان الإسرائيلي وفاته متأثراً بجروحه.
وفي السياق ذاته، قالت مصادر ميدانية من «حماس» لـ«الشرق الأوسط» إن مثل هذه الوقائع تكررت مرات عديدة خلال الفترة الأخيرة، إذ كان الجيش الإسرائيلي يعلن اغتيال قيادات ونشطاء ميدانيين بارزين، بينما كانوا في الواقع لا يزالون على قيد الحياة.
ولفتت "المصادر" إلى أن الجيش أعلن، في مرتين على الأقل، استهداف قادة في كتيبتي بيت حانون والشاطئ خلال حادثتين منفصلتين، قبل أن يتضح لاحقاً أنهم ما زالوا على قيد الحياة.
وخلال 14 يوليو الماضي، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه اغتال يامن عبيد، الضابط في حكومة «حماس»، والذي زعمت إسرائيل أنه ناشط في «كتائب القسام»، قبل أن يتبين لاحقاً أنه أصيب ولم يقتل، ثم أعلنت عائلته وفاته بعد 11 يوماً.
كما كشفت المصادر الميدانية لـ«الشرق الأوسط» أن إسرائيل جندت العديد من المتخابرين لصالحها للبقاء داخل المستشفيات بهدف التأكد من هويات الضحايا، وخصوصاً القيادات والنشطاء البارزين الذين تستهدفهم.
وتابعت "المصادر" أن إسرائيل تواصل التنصت، باستخدام أدوات تكنولوجية، على هواتف أقارب النشطاء وأصدقائهم لمعرفة مصيرهم.
وأشارت "المصادر" إلى أن عدداً من المتخابرين اعتقلوا، واعترفوا بأن مهمتهم كانت التأكد من مقتل قيادات ونشطاء بارزين استهدفوا خلال الغارات.
وأوضحت "المصادر" أن محاولة أحدهم التعرف على كشوفات الضحايا والجرحى أدت إلى اعتقاله داخل مجمع الشفاء الطبي، بعدما كان يحاول التأكد من اغتيال قائد «القسام» عز الدين الحداد، في منتصف مايو (أيار) الماضي.
«لم يصابوا من الأساس»
وكانت مدونة «أبو علي إكسبرس» الإسرائيلية، المتخصصة في نشر معلومات أمنية خاصة مرتبطة بنشاطات الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، تشير بشكل متكرر إلى بيانات الجيش بشأن اغتيال همام عيد ويامن عبيد، قبل أن يتضح لاحقًا أنهما فارقا الحياة متأثرين بإصاباتهما.
كما تعترف المدونة، التي كشف تحقيق نشرته صحيفة «هآرتس» العبرية في فبراير (شباط) 2022 عن تبعيتها للقيادة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي وتلقيها دعمًا ماليًا ومعلومات حساسة منها، بوجود حالات عدة أعلن خلالها عن مقتل عناصر من «حماس» بعد استهدافهم، سواء عبر منصات التواصل الاجتماعي في غزة أو في بيانات الجيش، قبل أن يتضح لاحقًا أن بعضهم ظل على قيد الحياة، بينما توفي آخرون في وقت لاحق.
وربما يكشف ذلك عن نهج متبع داخل «حماس» يهدف إلى تضليل الجيش الإسرائيلي وإيهامه بنجاح عمليات اغتيال لم تحدث على أرض الواقع، الأمر الذي قد يمنح الشخص المستهدف فرصة للاستمرار في حياته بعيدًا عن الرقابة الاستخباراتية المكثفة.
وفي سياق متصل، قال مصدر ميداني من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»: «بعض القيادات الميدانية التي كان الجيش الإسرائيلي يعلن عن اغتيالها ما زالت على قيد الحياة، أصيب بعضهم في غارات وتعافى، وآخرون لم يصابوا من الأساس».
حرب استخباراتية غير معلنة
كما يروي "المصدر" قصة وقعت في يونيو (حزيران) الماضي، عندما تعرضت شقة سكنية في أحد أحياء مدينة غزة للقصف، قبل أن يعلن الجيش الإسرائيلي في اليوم الثاني أو الثالث أنه تمكن من تصفية قائد ميداني كبير يشغل منصباً مهماً داخل لواء غزة التابع لـ«كتائب القسام».
وأوضح "المصدر" إن المستهدف نجا ولم يصب، وإنه لا يزال على قيد الحياة حتى الآن، مشيراً إلى وجود حالات أخرى مماثلة لا يزال الجيش الإسرائيلي يعتقد، بنسبة كبيرة، أنه تمكن من القضاء عليها.
كما أعلن "المصدر" عن حالة أخرى تتعلق بمهندس في «كتائب القسام» يعمل على تطوير اللوحات الإلكترونية للطائرات المسيرة والصواريخ وغيرها، وكان قد تعرض في عام 2025 لهجوم استهدفه وعائلته، وأسفر عن مقتل عدد منهم.
وفي المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي حينها أنه تمكن من اغتياله، إلا أن المهندس ظل على قيد الحياة، قبل أن تكتشف المخابرات الإسرائيلية هذه الحقيقة، ويتم اغتياله بعد نحو ثلاثة أشهر.
وأكد "المصدر" إنه عقب محاولة اغتيال المهندس للمرة الأولى، جرى تعمد إبلاغ عائلته ومقربين منه بمقتله بهدف حمايته، إلا أن ظهوره بشكل خاطئ في أحد الأماكن أدى إلى وصول القوات الإسرائيلية إليه، لتغتاله لاحقاً.
وتشير "المصادر" إلى أن الحرب شهدت خلال مراحل متعددة منها مواجهة استخباراتية غير معلنة، امتدت أيضًا إلى المعلومات المتعلقة بأماكن احتجاز المختطفين الإسرائيليين.
