بقلم: فايز أبو رزق
في صباح الرابع من مايو 2025، فوجئ قراء صحيفة "معاريف" الإسرائيلية بأن أحد تقاريرها الإخبارية لم يبدأ بخبر، بل برسالة موجهة من المساعد الذكي إلى الصحفية جاء فيها: "شكرا على التغذية الراجعة... أنت على حق تماما... سأعد مقالة جديدة تركز على ما طلبته" (1). لم تكن العبارة خطأ ساخرا أو أسلوبا صحفيا جديدا، بل جزءا من المادة المنشورة بعد أن نسي المحرر حذفها. ولم تكشف هذه الهفوة عن خطأ تحريري عابر فحسب، بل أزاحت الستار عن تحول أعمق يشهده الإعلام العبري؛ إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة داخل غرف الأخبار، بل أصبح شريكا في صناعة الخبر، وأحيانا سببا في تقويض مصداقيته.
وبينما راهنت المؤسسات الإعلامية على هذه التقنية لتسريع الإنتاج ورفع الكفاءة، كشفت الوقائع المتلاحقة عن وجه آخر أكثر تعقيدا؛ تسربت فيه أوامر التشغيل، والصور المولدة بالذكاء الاصطناعي، والمقاطع المفبركة إلى منصات يفترض أنها الأكثر احترافا. وهكذا، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيدخل الإعلام العبري، بل كيف سيعيد رسم حدود المهنة، ومعايير المصداقية، والمسؤولية التحريرية في عصر الخوارزميات.
وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد من فهم البيئة الرقمية التي احتضنت هذا التحول، قبل الانتقال إلى أثره داخل غرف الأخبار الإسرائيلية. فلم يكن هذا التحول وليد غرف الأخبار وحدها، بل جاء في سياق تحول رقمي واسع يشهده المجتمع الإسرائيلي؛ حيث أصبحت المنصات الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي جزءا من الحياة اليومية لملايين المستخدمين. وفي ظل هذه البيئة المتسارعة، بدا من الطبيعي أن تنتقل أدوات الذكاء الاصطناعي بسرعة إلى المؤسسات الإعلامية، وأن تتحول من مجرد وسائل مساعدة إلى جزء من دورة إنتاج الأخبار وصناعة المحتوى.
وتجلى هذا التحول الرقمي مباشرة في أنماط استخدام الإسرائيليين للتقنيات الحديثة، كما أظهرت نتائج استطلاع جمعية الإنترنت الإسرائيلية لعام 2025؛ فعلى صعيد الذكاء الاصطناعي التوليدي، جاء تطبيق "ChatGPT" في المرتبة الرابعة بين التطبيقات والبيئات الرقمية المقاسة، بنسبة استخدام بلغت 85%، ترتفع إلى 92% بين فئة الشباب؛ فيما أفاد 70% من المشاركين باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بصورة منتظمة (2).
ولم يقتصر هذا التحول الرقمي على المجتمع الإسرائيلي فحسب، بل انعكس أيضا على بيئة العمل المؤسسي، بما في ذلك المؤسسات الإعلامية. فقد كشف أول مسح أجراه بنك إسرائيل والمعهد الإسرائيلي للديمقراطية عام 2026، أن 57% من العاملين في إسرائيل يستخدمون تطبيقات الذكاء الاصطناعي مرة واحدة على الأقل أسبوعيا، وهي نسبة تضع إسرائيل في مقدمة عدد من الدول الأوروبية في تبني هذه التقنيات (3)؛ ويتقاطع ذلك مع نتائج استطلاع أجرته المنظمة العالمية للصحف وناشري الأخبار (WAN-IFRA) عام 2025، أظهر أن 49% من غرف الأخبار حول العالم تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي بصورة منتظمة، فيما يعتزم 20% آخرون دمجها خلال العام نفسه (4). وتعكس هذه المؤشرات أن الذكاء الاصطناعي لم يعد تجربة تقنية عابرة، بل أصبح جزءا من بيئة العمل اليومية، وركيزة متنامية في آليات إنتاج المحتوى داخل المؤسسات الإعلامية.
بيد أن هذا الاندفاع نحو السرعة وتعظيم الكفاءة الرقمية كشف وجها آخر أقل بريقا؛ فمع تزايد الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي، لجأ بعض الصحفيين إلى استخدامها سرا في إعداد مواد صحفية كاملة أو جزئية، من دون إبلاغ رؤساء التحرير أو الإفصاح للجمهور. ولم يكن الدافع دائما التطور التقني، بقدر ما كان محاولة للهروب من ضغوط غرف الأخبار، وضيق الوقت، وسباق النشر الذي لا يرحم، حتى وإن جاء ذلك على حساب قواعد المهنة وأخلاقياتها، وتراجع دور الصحفي بوصفه "حارس بوابة" يزن المادة قبل وصولها للجمهور. وما بقي طي الكتمان لم يدم طويلا؛ فقد فضحت الأخطاء نفسها بنفسها، إذ أدى الاعتماد غير المنضبط، وغياب المراجعة البشرية، إلى نشر مواد احتفظت داخلها ببصمات الآلة، وتحولت إلى فضائح مهنية كشفت للجمهور كيف يمكن أن تنقلب هذه الأدوات إلى مصدر يقوض المصداقية عندما تستخدم بلا ضوابط.
ولم تكن حادثة صحيفة "معاريف" مجرد زلة فردية، بل جاءت فاتحة لسلسلة من الوقائع التي كشفت حالة التخبط التحريري؛ فبعد ثلاثة أشهر فقط من تلك الحادثة، وقع موقع "يسرائيل هيوم" في الخلل ذاته، حين انتهى تقرير جنائي بتعليمات مكشوفة موجهة للذكاء الاصطناعي تطلب منه "إعداد عنوان رئيسي، وعنوان فرعي، وفقرة تلخص الخبر في خمسة أسطر" (1). ولم يكن موقع Ynet التابع لمجموعة "يديعوت أحرونوت" بمعزل عن هذا الانزلاق التحريري؛ إذ كشف تقرير لموقع العين السابعة عن استخدام الذكاء الاصطناعي في محتوى قناة Ynet على منصة واتساب، من دون الإفصاح للمتابعين، ما أسفر عن بث معلومات مغلوطة وعناوين غير دقيقة نتيجة غياب الرقابة التحريرية (5).
ولم يقتصر هذا الخلل على ثغرات التحرير في أوقات السلم، بل برز بصورة أوضح خلال الحروب والأزمات العسكرية؛ حيث شهدت المواجهات العسكرية تدفقا هائلا لمحتوى التزييف التوليدي والصور المزيفة والفيديوهات المفبركة التي تسربت مباشرة إلى كبريات الشاشات العبرية والمنصات الإخبارية الرسمية.
فقد بثت القناة 12 في نشرتها الرئيسية ضمن تغطية اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، صورة مزيفة مولدة بالذكاء الاصطناعي تظهر جثته تحت الأنقاض، رغم كشف زيفها مسبقا بعد تداولها عبر منصة محلل القناة عميت سيغال على "تلغرام" ؛ وفي الاستوديو المفتوح للقناة ذاتها، عرض مقطع مصور يوثق، بحسب مقدمي البرنامج، انفجارا في طهران، قبل أن يتكشف لاحقا أنه مشهد مولد بالذكاء الاصطناعي، بينما اتضح أن مقطعا آخر استند إليه أحد المعلقين لم يكن سوى مشهد مقتطع من لعبة فيديو إلكترونية (6).
وامتد هذا الإخفاق المهني إلى شبكات إعلامية أخرى؛ إذ كرر الموقع الإخباري للقناة 14 بث مقطع تفجير مزيف في إيران رغم صدور تكذيب علني لمصداقيته، بينما وقعت قناة i24 في الفخ مرتين؛ الأولى عندما عرض المذيع شارون غال مقطعا من برنامج لمحاكاة الطيران باعتباره قصفاً حقيقياً في إيران، والثانية عندما بث المحلل تسفي يحزكيلي مقطعاً مزيفاً لشخص زعم أنه قائد في تنظيم القاعدة ينشط في أفغانستان ويعلن تأييده للضربات الإسرائيلية (6).
ولا تعني هذه الوقائع أن الخلل اقتصر على مؤسسات بعينها، بل إنها كشفت وجها آخر للتحول الرقمي الذي اجتاح غرف الأخبار الإسرائيلية؛ فقد أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي جزءا متزايدا من البنية التشغيلية والتحريرية في المؤسسات الإعلامية الإسرائيلية، بما فيها هيئة البث العامة (كان)، حيث تستخدم في الأرشفة، والتفريغ الصوتي، والترجمة الفورية، وإنتاج بعض أشكال المحتوى البصري. وبذلك لم يعد الفارق الحقيقي بين هذه المؤسسات في مدى تبنيها للتقنية، وإنما في كفاءة التدقيق الصحفي ومهمة الفرز والتصفية، وقدرتها على كشف المحتوى المفبرك قبل وصوله إلى الجمهور.
وهنا يبرز سؤال أكثر أهمية: من أين جاءت في الأصل هذه المواد المضللة التي وجدت طريقها إلى وسائل الإعلام؟ فقد كشفت التحقيقات الاستقصائية وتقارير مراكز الرصد الرقمي، وفي مقدمتها منظمة "فيك ريبورتر" (FakeReporter)، أن هذه المواد لم تكن حكرا على ما تنتجه أجهزة استخبارات إسرائيلية ضمن حملات التضليل المنظمة، بل تسربت أيضا عبر شبكات من الهواة وصناع المحتوى وحسابات مجهولة المصدر على منصة (X) استغلت الاهتمام العالمي بالحرب لتحقيق أرباح من خلال برنامج تحقيق الدخل، عن طريق استخدام الخوارزميات ونشر صور ومقاطع مولدة بالذكاء الاصطناعي أو إعادة تدوير أخبار مغلوطة وكاذبة بهدف توجيه الإدراك العام وتشويه الحقائق. ولم تكن المشكلة في هؤلاء وحدهم، بل في اندفاع بعض وسائل الإعلام إلى إعادة نشر هذا المحتوى من دون التحقق الكافي، لتتحول الشائعات الرقمية إلى أخبار تتداولها منصات يفترض أنها تتمتع بالمهنية والمصداقية.
إلا أن الخطر الحقيقي لم يتوقف عند حدود نشر خبر كاذب أو صورة مزيفة، بل امتد إلى وعي الجمهور وتضليل الرأي العام بما يقوض الثقة في المؤسسات الإعلامية؛ إذ إن التعرض المستمر لسيل من المحتوى المتناقض والتزييف العميق يولد حالة من الإرهاق المعرفي أو ما يعرف بـ"الشك المنهك"، وهي حالة يفقد فيها المتلقي تدريجيا ثقته بقدرته على التمييز بين الحقيقة والزيف. وعندما تتكرر هذه التجربة، لا يصبح الشك موجها نحو الأخبار المفبركة وحدها، بل يمتد إلى التقارير المهنية الموثقة أيضا، فتتآكل الثقة بوسائل الإعلام وسائر وسائط التواصل، ويصعب تدريجيا على الأفراد التعرف على المحتوى الأصلي من المزيف (6).
أمام هذه المخاوف والسقطات التي هددت مصداقية الإعلام، ظهرت محاولات مبكرة لسن ضوابط تنظيمية؛ إذ كانت صحيفة "غلوبس" الاقتصادية السباقة حين بادرت أواخر عام 2024 إلى نشر مدونة أخلاقيات مفصلة أعدت بإشراف الدكتورة تيهيلا شوارتز ألتشولر، الباحثة المتخصصة في إسرائيل في مجال تنظيم الإعلام والتكنولوجيا، حيث فرضت إشرافا بشريا كاملا، وحظرت نهائيا اختلاق اقتباسات مفبركة أو توليد الصور الاصطناعية دون إفصاح، واشترطت التحقق البشري الميداني لتفادي ظاهرة "التزييف الخوارزمي" (7).
وعلى النهج نفسه، أصدرت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" عام 2026 وثيقة توجيهية شددت فيها على اقتصار الأدوات الذكية على المهام المساعدة كتحسين الصياغة اللغوية وتلخيص البيانات؛ مع الالتزام بوضع علامة واضحة على الوسائط المولدة (8). وعلى المستوى النقابي، سارع مجلس الصحافة والإعلام في إسرائيل إلى تحديث لوائحه المهنية، مكرسا واجب التدقيق الصارم وحماية الخصوصية والأمن الرقمي حتى في أوقات الصراعات والحروب (9).
ولم يقف السعي نحو الضبط عند حدود المبادرات الأخلاقية للصحف، بل تعداه إلى محاولة تأصيل التأثير القانوني لمثل هذه الممارسات؛ ففي دراسة حديثة، طرح الباحثان عومر ياسكي ومايا روزن مفهوما جديدا أطلقا عليه اسم "المعلومات شبيهة الصحافة" (Journalism-like Information)، ويقصد به المحتوى الذي يبدو للقارئ وكأنه عمل صحفي مهني، بينما يكون قد أنتج كليا أو جزئيا بواسطة الذكاء الاصطناعي من دون الإفصاح عن ذلك؛ إذ تذهب الدراسة إلى أن المشكلة لا تكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في إخفاء دوره عن الجمهور، لأن القارئ يبني ثقته بالمحتوى على افتراض أنه نتاج عمل صحفي بشري يخضع للمعايير المهنية المعروفة.
وترى الدراسة أن هذا الإخفاء لا يمثل مجرد مخالفة لأخلاقيات العمل الصحفي، بل قد يشكل أيضا انتهاكا لقانون حماية المستهلك الإسرائيلي لعام 1981، لأنه يضلل القارئ بشأن طبيعة المنتج الإعلامي الذي يتلقاه؛ فالقارئ، وفقا لهذا التصور، لا يستهلك خبرا فحسب، بل يقدم وقته وثقته وبياناته في مقابل خدمة إعلامية يفترض أن تقوم على قدر من الشفافية والمساءلة. وعندما تحجب المؤسسة حقيقة مشاركة الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى، فإنها تحرم الجمهور من حقه في معرفة كيفية صناعة الخبر وتقييم مصداقيته (10).
وهذا التوجه يتناغم مع المساعي التنظيمية على المستوى العالمي، حيث فرض الاتحاد الأوروبي في "قانون الذكاء الاصطناعي" لعام 2024، وضع علامات توضيحية على المحتويات المولدة وتصنيف أنظمة الذكاء الاصطناعي ذات الأثر البالغ ضمن الفئات عالية المخاطر؛ في المقابل، وجه تقرير مراقب الدولة العبرية انتقادات حادة للحكومة بسبب غياب استراتيجية وطنية شاملة تنظم هذه التقنيات وتحد من مخاطرها على الفضاء العام (11).
غير أن سن القوانين والضوابط التنظيمية يصطدم بتحد أكثر تعقيدا يرتبط بطبيعة عمل أنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها؛ فالانحياز الذي قد يظهر في مخرجاتها لا ينشأ لأنها تتبنى موقفا سياسيا أو أيديولوجيا، وإنما لأنها تتعلم من مليارات البيانات التي ينتجها البشر، بما تحمله من تحيزات لغوية وثقافية وسياسية، ثم تعيد إنتاج هذه الأنماط على نطاق أوسع وبسرعة أكبر. وخلال الحرب على غزة، انعكس ذلك بوضوح في عدد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي أعادت إنتاج مصطلحات متداولة في الخطاب الإعلامي والسياسي الإسرائيلي، مثل وصف الفلسطينيين بـ"الإرهابيين" أو "المخربين"، والإشارة إلى الضفة الغربية باسم "يهودا والسامرة"، وهي مصطلحات ليست محايدة، بل تحمل دلالات سياسية وأيديولوجية تعكس الرواية الإسرائيلية للصراع. ولا تكمن خطورة هذه المصطلحات في كونها مجرد ألفاظ لغوية، بل في أنها تؤطر الحدث منذ لحظة صياغته، فتمنح إحدى الروايات شرعية ضمنية، بينما تهمش الرواية المقابلة، وهو ما ينسجم مع نظرية "التأطير الإعلامي"، حيث يسهم اختيار الألفاظ في تشكيل إدراك الجمهور للحدث قبل أن يتفاعل مع تفاصيله. وقد لا تعكس الخوارزميات الواقع بالضرورة، بقدر ما تعكس الأنماط والتحيزات الكامنة في البيانات التي تدربت عليها. ومن هنا، لم يعد التحدي يقتصر على التحقق من صحة الصور أو مقاطع الفيديو أو المعلومات المتداولة، بل امتد أيضا إلى مراجعة اللغة التي تنتجها الخوارزميات، وما قد تحمله من افتراضات ومصطلحات قادرة على إعادة تشكيل الرواية الإخبارية بصورة غير مباشرة.
وفي هذا الصدد، فإن التحدي الأعمق لاستقلالية الإعلام العبري لا يرتبط فقط بالتكنولوجيا نفسها، بل بالأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية المصاحبة لها، وفي هذا السياق، حذرت الدكتورة تيهيلا شوارتز ألتشولر والمحامية يائيل ميتلمان، في دراسة لصالح المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، من أن الاعتماد المتزايد على الاتفاقيات التقنية والمالية مع شركات كبرى مثل OpenAI وGoogle، قد يجعل المؤسسات الصحفية أكثر اعتمادا على عمالقة التكنولوجيا، التي تمتلك البنية التحتية والأدوات المؤثرة في إنتاج المعلومات وتوزيعها. وتزداد هذه المخاطر في السوق الإسرائيلي بسبب صغر حجمه ومحدودية انتشار اللغة العبرية عالميا، ما يمنح الشركات العابرة للقارات قدرة أكبر على فرض معاييرها عبر الخوارزميات التي قد تحمل تحيزات تؤثر في طريقة صياغة التغطيات السياسية والعسكرية وتفسير الصراعات (12).
ولا يتوقف هذا النفوذ عند حدود تشكيل الخطاب الإعلامي، بل يمتد ليعمق الأزمة الاقتصادية للمؤسسات الصحفية في العالم أجمع، إذ يتجلى ذلك بوضوح في تراجع زيارات القراء للمواقع الإخبارية نتيجة اعتماد محركات البحث على تقديم إجابات مباشرة بالذكاء الاصطناعي بدلا من توجيه المستخدمين إلى المصادر الأصلية، وهو ما أدى إلى انخفاض الزيارات للمواقع الإعلامية عالميا بأكثر من الثلث. وفي إسرائيل، دفعت هذه التحولات ثلاث مجموعات إعلامية كبرى، "يديعوت أحرونوت" و"والا" و"كيشيت"، إلى السعي للحصول على موافقة هيئة المنافسة للتفاوض جماعيا مع الشركات التكنولوجية العملاقة بشأن استخدام المحتوى الصحفي في تدريب الخوارزميات. ورغم أن الخطوة تهدف إلى حماية المؤسسات الإعلامية من الخسائر، فإنها تفتح نقاشاً أوسع حول علاقة المال بالصحافة، واحتمال انتقال الاعتماد من المعلنين والناشرين إلى عمالقة التكنولوجيا، خصوصا في ظل غياب تشريعات إسرائيلية ملزمة تنظم هذه العلاقة كما هو الحال في الدول الغربية (13).
وتشير التقديرات المستقبلية إلى أن الذكاء الاصطناعي لن يتمكن من إزاحة العنصر البشري كليا في المدى القريب، إذ تعكس الاستطلاعات في بيئات العمل المختلفة حالة من الاطمئنان النسبي، حيث لا تتجاوز نسبة من يخشون فقدان وظائفهم بسبب التكنولوجيا 15% (3).
وينطبق هذا المؤشر على الصحافة، التي لم يعد التحدي فيها منافسة الخوارزميات في سرعة المعالجة أو تدفق البيانات، بل الحفاظ على المساحات التي تميز العمل البشري، وفي مقدمتها الصحافة الاستقصائية، وبناء الثقة مع المصادر والجمهور، وتأكيد الحاجة الماسة إلى الرقابة التحريرية المستمرة لضمان الدقة والموثوقية.
غير أن التهديد الجوهري لا يتمثل فقط في احتمال فقدان بعض الوظائف، بل في التحولات التي قد تصيب جوهر المهنة نفسها. فالاعتماد المفرط على أدوات التوليد الآلي قد يؤدي إلى تراجع المهارات الصحفية الأصيلة، خصوصا لدى الأجيال الجديدة، مثل الحضور الميداني، وقراءة ما بين السطور، والتحليل النقدي، لصالح التعامل مع محتوى جاهز وسريع.
وفي المقابل، تشير دراسة حديثة لباحثين من جامعة تل أبيب حول دمج أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في غرف الأخبار إلى أن الصحفيين الإسرائيليين لا ينظرون إلى هذه التقنيات باعتبارها بديلا عن دورهم، بل كأداة يمكن توظيفها لتعزيز قدرتهم المهنية، مع استمرار القلق حول حدود الاعتماد عليها والحفاظ على السلطة المعرفية للصحفي بوصفه منتجا ومقيما للمعلومات. واعتمدت الدراسة على مقابلات وملاحظات ميدانية داخل مؤسسة إعلامية إسرائيلية تبنت مبكرا تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ وركزت على كيفية محاولة الصحفيين تحقيق توازن بين الاستفادة من الأدوات الجديدة والحفاظ على مسؤوليتهم التحريرية (14).
وقراءة لهذه التحولات، يطرح البروفيسور نوعام ليملشتريش لاتر، العميد المؤسس لكلية سامي عوفر للاتصالات بجامعة هرتسليا ومؤلف كتاب "صحافة الروبوت: هل يمكن للصحافة البشرية البقاء؟"، رؤية تفند التخوف من اندثار المهنة؛ موضحا أن الخوارزميات، وإن تفوقت في تحليل البيانات واكتشاف الأنماط، تظل عاجزة عن امتلاك الحدس والإبداع البشري اللازم لابتكار القصص. ويرى لاتر أن مستقبل الصحفي يكمن في تطوير مهاراته وتطويع الأدوات الذكية لإنتاج محتوى تفاعلي يعجز الروبوت عن مجاراته؛ مشيرا إلى أن تسريح بعض المحررين في تجارب سابقة طال من يقتصر دورهم على جمع الأخبار وتصنيفها كمهام ميكانيكية. ويختتم لاتر بالتأكيد على الدور الأخلاقي للصحافة البشرية بقوله: "الصحافة البشرية ضرورية لوجود مجتمع ديمقراطي، ولن يحمي الروبوت حقوق الإنسان" (15).
وفي المحصلة، لا يكمن التحدي الحقيقي أمام الإعلام العبري في مواكبة الثورة التقنية، بل في الحفاظ على جوهر المهنة وسط هذا التحول المتسارع. فالخوارزميات قادرة على إنتاج النصوص وتحليل البيانات وتسريع دورة الأخبار، لكنها لا تتحمل مسؤولية ما تنتجه، ولا يمكن أن تحل محل الصحفي في التحقق من الحقيقة وتمييزها عن التضليل. ومن ثم، فإن مستقبل الإعلام العبري لن يتحدد بمدى ذكاء الآلة، بل بقدرة الإنسان على ضبطها وإخضاعها للرقابة والمساءلة. فكلما ازداد تغلغل الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، ازدادت الحاجة إلى صحافة أكثر تمسكا بالدقة والنزاهة والرقابة البشرية؛ فالرهان الحقيقي ليس على ذكاء الخوارزمية، بل على حكمة الإنسان في إدارتها.
قائمة المصادر:
(1) موقع العين السابعة (The7Eye)، "شكرا على الملاحظة: نشروا في 'معاريف' نصاً أُنتج بواسطة الذكاء الاصطناعي باسم صحفية، لكنهم نسوا حذف ملاحظة المحرك"، 4 مايو 2025، متاح على الرابط:
https://www.the7eye.org.il/551053
(2) جمعية الإنترنت الإسرائيلية (ISOC-IL)، "استطلاع وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي في إسرائيل"، يوليو 2025، متاح على الرابط:
https://en.isoc.org.il/data-and-statistics/social-media-ai-survey-2025
(3) بنك إسرائيل والمعهد الإسرائيلي للديمقراطية (IDI)، "المسح الأول حول استخدام الذكاء الاصطناعي بين العاملين في إسرائيل"، موقع بنك إسرائيل، 31 مايو 2026، متاح على الرابط: https://www.boi.org.il/publications/pressreleases/31-05-2026/
(4) المنظمة العالمية للصحف وناشري الأخبار (WAN-IFRA)، "استطلاع الذكاء الاصطناعي التوليدي الجديد: كيف تستخدم غرف الأخبار الذكاء الاصطناعي التوليدي"، موقع WAN-IFRA، متاح على الرابط:
https://wan-ifra.org/2023/05/new-genai-survey/
(5) موقع العين السابعة (The7Eye)، "الذكاء الاصطناعي في قناة الواتساب التابعة لـ ynet حول بن غفير إلى متهم"، 19 نوفمبر 2024، متاح على الرابط: https://www.the7eye.org.il/535279
(6) موقع العين السابعة (The7Eye)، "المحتوى المزيف الذي ينشره الذكاء الاصطناعي يتزايد في الإعلام خلال الحرب الإيرانية الثانية – هكذا تتعرف عليه"، 12 مارس 2026، متاح على الرابط: https://www.the7eye.org.il/578926
(7) صحيفة غلوبس (Globes)، "جديد في مدونة أخلاقيات صحيفة غلوبس: إجراءات العمل باستخدام الذكاء الاصطناعي"، موقع غلوبس، أواخر 2024، متاح على الرابط: https://www.globes.co.il/news/article.aspx?did=1001495420
(8) صحيفة تايمز أوف إسرائيل (The Times of Israel)، "ملاحظة لقرائنا بشأن توجيهات صحيفة تايمز أوف إسرائيل حول الذكاء الاصطناعي"، موقع تايمز أوف إسرائيل، مايو 2026، متاح على الرابط: https://www.timesofisrael.com/a-note-to-our-readers-regarding-the-times-of-israels-guidelines-on-ai/
(9) مجلس الصحافة والإعلام في إسرائيل، "أنظمة الأخلاقيات المهنية للصحافة (محدث)"، موقع العين السابعة، سبتمبر 2020، متاح على الرابط: https://www.the7eye.org.il/ethics/3347
(10) مجلة رشوت هربيم (Rashut Harabim)، "عندما تتنكر الخوارزمية في زي صحفي: واجب الإفصاح في إطار الإنتاج الصحفي الاصطناعي"، المنتدى الإسرائيلي للقانون والحريات، 22 ديسمبر 2025، متاح على الرابط: https://journal.lawforum.org.il/rozen-yaski/
(11) مكتب مراقب الدولة في إسرائيل (State Comptroller of Israel - MEVAKER)، "التأهب الوطني في مجال الذكاء الاصطناعي – تقرير خاص"، التقرير السنوي رقم (7944-7)، نوفمبر 2024، متاح على الرابط: https://library.mevaker.gov.il/sites/DigitalLibrary/Pages/Reports/7944-7.aspx
(12) المعهد الإسرائيلي للديمقراطية (IDI)، "لتشترِني OpenAI!"، 16 مارس 2025، متاح على الرابط: https://www.idi.org.il/articles/63210
(13) موقع العين السابعة (The7Eye)، "كيشيت ووالا ويديعوت أحرونوت تريد شرعنة كارتل للعمل ضد شركات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي"، 14 يوليو 2026، متاح على الرابط:
https://www.the7eye.org.il/589422
(14) مجلة الصحافة الرقمية (Digital Journalism)، "السلطة المعرفية للصحفيين في عصر الذكاء الاصطناعي: دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في غرف الأخبار"، المجلد 14، العدد 5، 2026، ص 830-849، متاح على الرابط: https://doi.org/10.1080/21670811.2026.2640421
(15) صحيفة كالكاليست (Calcalist)، "استبدلت مايكروسوفت الصحفيين بالذكاء الاصطناعي - فهل لدى الصحفيين البشريين سبب للقلق؟"، 4 يونيو 2020، متاح على الرابط: https://www.calcalist.co.il/local/articles/0,7340,L-3830233,00.html
