تواجه خطط إعادة إعمار قطاع غزة تحديًا يتجاوز حجم الدمار الهائل الذي خلفته الحرب، بعدما برز التمويل باعتباره واحدة من أصعب العقبات أمام تحويل الخطط الدولية إلى مشروعات حقيقية على الأرض، وبحسب تقديرات أممية، قد تصل تكلفة إعادة إعمار القطاع إلى نحو 70 مليار دولار، في وقت لا تزال فيه فجوة واضحة بين التعهدات المالية المعلنة والمبالغ التي يمكن فعليًا توفيرها وصرفها لتنفيذ مشروعات الإعمار.
ويرى خبراء ومحللون أن استمرار هذه الفجوة قد يحول دون انطلاق عملية تعافٍ شاملة خاصة أن إعادة بناء غزة لا تتطلب تمويلًا ضخمًا فحسب، وإنما تحتاج أيضًا إلى بيئة سياسية وأمنية تضمن حماية الاستثمارات والمشروعات من تكرار الدمار.
التمويل وحده لا يكفي لإعادة بناء غزة
يرى الدكتور تيسير أبو جمعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة فلسطين، أن مشكلة التمويل لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد نقص في الأموال، وإنما تمثل عقبة استراتيجية أمام إعادة إعمار القطاع، وأوضح أن نجاح أي خطة لإعادة البناء يتطلب توافر ثلاثة عناصر رئيسية، تتمثل في تمويل مستدام وكافي، إدارة فعالة وشفافة للأموال، وضمانات سياسية وأمنية قوية.
وبحسب هذا التصور، فإن توفير الأموال دون وجود آليات واضحة لإدارتها وحمايتها لن يكون كافيًا لضمان نجاح عملية الإعمار، كما أن غياب الاستقرار قد يجعل أي استثمارات معرضة للخطر.
لماذا يتردد المانحون في ضخ الأموال؟
يرتبط جزء كبير من أزمة التمويل بمخاوف الجهات المانحة والمستثمرين من مستقبل الأوضاع الأمنية والسياسية في القطاع، ويشير أبو جمعة إلى أن تحفيز الدول والجهات الدولية على الوفاء بتعهداتها المالية يحتاج إلى وجود استقرار ملموس على الأرض، حتى تضمن الأطراف الممولة عدم تعرض المشروعات التي ستقام مجددًا للدمار.
فالجهات المانحة، وفق هذه الرؤية، لا تبحث فقط عن تمويل مشروعات عاجلة، وإنما تريد التأكد من أن الأموال ستتحول إلى بنية تحتية ومشروعات تنموية قادرة على الاستمرار لسنوات طويلة.
الفجوة التمويلية تهدد بتحويل الخطط إلى مجرد وعود
من جانبه، يرى الدكتور هيثم عمران، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدولي، أن طموحات إعادة إعمار غزة تصطدم بواقع اقتصادي وإنساني شديد التعقيد، وأوضح أن حجم الاحتياجات المطلوبة لإعادة بناء البنية التحتية المدمرة يجعل الفجوة التمويلية واحدة من أخطر العقبات أمام عملية الإعمار.
ولا تتعلق المشكلة، بحسب عمران، بتأخر تدفقات مالية محدودة، وإنما بخطر تحول خطط إعادة الإعمار نفسها إلى مشروعات مؤجلة أو نظرية لا تجد طريقها إلى التنفيذ، ويعني استمرار هذا الوضع بقاء ملايين الفلسطينيين في ظروف إنسانية صعبة، مع تأخر إعادة بناء المرافق الأساسية التي يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية.
غياب الضمانات يعرقل مشاركة الشركات الكبرى
ولا تتوقف تداعيات الأزمة المالية عند الجهات الحكومية أو المؤسسات الدولية، إذ تمتد أيضًا إلى القطاع الخاص والشركات العالمية التي يمكن أن تشارك في مشروعات إعادة الإعمار، ويشير خبراء إلى أن الشركات والمقاولين الدوليين يحتاجون إلى ضمانات واضحة بشأن استقرار التمويل طوال فترة تنفيذ المشروعات، لأن توقف الأموال في منتصف الطريق قد يؤدي إلى خسائر ضخمة وتعليق أعمال البناء.

ولهذا السبب، فإن غياب التمويل المستقر والواضح يدفع العديد من الشركات إلى التريث قبل الدخول في التزامات طويلة الأجل داخل القطاع.
المياه والكهرباء والمستشفيات أمام تحدٍ كبير
وتبرز القطاعات الأساسية باعتبارها من أكثر المجالات احتياجًا إلى التمويل، وفي مقدمتها شبكات المياه والكهرباء والمرافق الصحية والمستشفيات والبنية التحتية، ويرى عمران أن بطء وصول الأموال يحد من قدرة الجهات المسؤولة عن التنفيذ على إطلاق مشروعات كبرى ومستدامة، ويجعل الجهود تتركز بصورة أكبر على المساعدات والإغاثة المؤقتة بدلًا من الانتقال إلى مرحلة إعادة البناء الفعلي.
وهنا تظهر الفجوة بين الإغاثة العاجلة وإعادة الإعمار المستدام؛ فالمساعدات قد تخفف من حدة الأزمة الإنسانية، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة بناء المدن والمنشآت وشبكات الخدمات التي دمرتها الحرب.
الاستقرار السياسي شرط لتحويل التعهدات إلى مشروعات
ويؤكد الخبراء أن معالجة الأزمة التمويلية لا يمكن فصلها عن الوضع السياسي والأمني في غزة، فكلما توافرت ضمانات بشأن استقرار الوضع، أصبح من الأسهل جذب المانحين والمستثمرين، وتحويل الأموال المعلنة إلى مشروعات فعلية.
أما استمرار حالة عدم اليقين، فقد يؤدي إلى عزوف المؤسسات والشركات عن ضخ استثمارات طويلة الأجل، خشية تعرضها لخسائر جديدة في حال تجدد الصراع.
70 مليار دولار.. رقم يكشف حجم المهمة
وتعكس التقديرات التي تضع تكلفة إعادة إعمار غزة عند نحو 70 مليار دولار ضخامة المهمة المنتظرة، خاصة في ظل حجم الدمار الذي أصاب قطاعات واسعة من البنية التحتية، ولهذا فإن نجاح أي خطة لإعادة الإعمار لن يتوقف على الإعلان عن أرقام ضخمة خلال المؤتمرات الدولية، وإنما على القدرة الفعلية على توفير الأموال وإدارتها وتوجيهها إلى المشروعات الأكثر احتياجًا.
وفي النهاية، تبدو معركة إعادة إعمار غزة مرتبطة بمعادلة أكثر تعقيدًا من مجرد توفير الأموال؛ فالتمويل يحتاج إلى استقرار، والاستقرار يحتاج إلى ضمانات سياسية وأمنية، ومن دون هذه العناصر قد تظل مليارات الدولارات المعلنة مجرد تعهدات تنتظر طريقها إلى الأرض.
