كتب. د.عاطف أبو سيف
بشكل عام فإن الإجابة عن السؤال السابق دائماً تكون بـ»نعم»، ولكن في سياقنا الفلسطيني علينا أن نتوقف قليلاً ونحن نفكر فيما تمر به البلاد من أوضاع إذ تصبح الانتخابات جزءاً من المشكلة وليست مدخلاً لحل الأزمات التي نمر بها.
لا تبدو الانتخابات الآن الحاجة الوطنية الماسة إذ إن كل مواطن يعرف ما هي الحاجات الوطنية، كما لا تبدو حلالة العقد ومفككة المشاكل التي تبدأ بوقف الإبادة وإعادة الإعمار في غزة ووقف اعتداءات المستوطنين وطابور البنزين. وقبل كل ذلك قضية التحرر الوطني الحقيقية التي هي مشكلة شعبنا.
علينا أن نحذر من أن نفقد البوصلة، فقضية الشعب الفلسطيني ليست بناء دولة، وهذه مهمة مع ذلك، بل إن قضيته هي التخلص من الاحتلال واستعادة أرضه.
الدولة هي نتيجة طبيعية تتجسد بعد التخلص من الاحتلال وبعد عودة البلاد لأصحابها، أما أن «نكبر قرصنا» ونعتقد فعلاً أننا دولة مثل بقية الدول فهذا أمر جلل لأنه يعني أننا سنغلب مهمة بناء الدولة علي مهمة التحرير.
القصة ليست أن نرصف شارعاً ولا أن نبني مقراً حكومياً بل أن ينتهي الاحتلال الذي أعاق منذ ثمانية عقود تحقيق ذلك.
ثمة فرق بين حاجتنا لمأسسة هيئات صنع القرار الوطني وتجديد شرعيته وفق أسس وطنية وبين السعي لتطبيق معايير لا تنطبق إلا على مؤسسات الدول المستقلة. الانتخابات كما نعرفها بحاجة لدولة مستقلة قادرة على الدفاع عن هذه الانتخابات وعن نزاهتها وقبل كل شيء عقدها في كل أماكن وجود شعبها.
صحيح أن بعض الشيء أفضل من عدمه ولكن أيضاً على ألا يكون ذلك على حساب مصلحتنا الوطنية.
يجب ألا يرعبنا العالم بمطالبه وضغوطه، إذا كان الأمر فعلاً يتعلق بهذه الضغوط، إذ علينا أن نكون واضحين في علاقتنا مع دول العالم ونقول لها إن المطلوب منها أولاً أن تضغط على إسرائيل لوقف حرب الإبادة في غزة ووقف اعتداءات المستوطنين وإنهاء الاحتلال.
لسنا بحاجة لنثبت للعالم أننا نستحق دولة وأننا ديمقراطيون وأننا «أولاد ناس»، العالم ودوله خاصة الكبرى منها من هم بحاجة لكي يثبتوا لنا أنهم دول جادة ليس في إدانة ما يحدث بحقنا بل في تصويب الخطأ التاريخي الذي نجم عن مواقفها قبل ثمانية عقود حين قررت عبر هيئات المنظمة الدولية أخذ بلادنا منا وحرماننا من الاستقلال. لم يكن بلفور وحده بل ثمة عشرات أمثاله الذين أجرموا بحق شعبنا.
على العالم أن يثبت أن هناك قانوناً دولياً وهناك منظومة حقوق إنسان وأنها ليست «لناس ولناس» بل للجميع.
لسنا بحاجة لنثبت لهم أننا جيدون ومحترمون، على العالم أن يضغط من أجل إنهاء الاحتلال وفرض الدولة الفلسطينية وسيادة الشعب الفلسطيني على تلك المناطق التي يريد لنا أن نقيم فيها انتخابات.
لسنا مدينين للعالم بأي شيء، بل إن العالم المدين لنا باعتذارات لا ولن تنتهي.
حتى أنه غير قادر على إجبار إسرائيل على قبول اتفاق قامت هي بصياغته لوقف الحرب على غزة.
هل هناك ضمانة أن يتم وضع صناديق اقتراع في القدس؟ لا يتم التطرق للموضوع ولا يتم ذكر كيفية مشاركة المقدسيين.
هل سنكتفي بأن يصوتوا في المناطق المجاورة وبعد ذلك وفي انتخابات لاحقة سينطبق الأمر على مناطق «ب» و»ج»؟ حتى النقاش الداخلي لا يتطرق للأمر. الانتخابات التي كانت مقررة في العام ٢٠٢١ تم إلغاؤها بسبب رفض مشاركة المقدسيين، هل تتذكرون؟
آخر تفسير يمكن للعقل أن يسمعه هو القول إن الانتخابات ستكون هذه المرة وفق الدائرة الواحدة لذلك يمكن تجاوز فكرة التصويت في مكان الإقامة لأن هذا ليس حلاً إبداعياً بقدر كونه تبريراً لتجاوز الأمر.
أيضاً السؤال المتعلق بقطاع غزة لا أحد يتطرق له.
ثمة جوانب كثيرة غير مفهومة تتعلق بآليات إجراء الانتخابات في القطاع الذي لم تنتهِ الحرب عليه من تحديث السجل الانتخابي إلى مراكز التصويت إلى عمليات الفرز وحماية الانتخابات ميدانياً.
أسئلة لا أظن أن ثمة إجابات ستتوفر عليها حتى بعد انتهاء الحرب بشكل نهائي.
ثم يظل السؤال حول علاقة مخرجات الانتخابات التشريعية وبعد ذلك الحكومة بالترتيبات الإدارية في غزة مع وجود لجنة تحكم باسم مجلس السلام.
المؤلم أن يتم تجاوز هذه الأسئلة وكأن الإجابات عنها سهلة أو أنها متوفرة.
إن ثقة المواطن بالنتائج أساس دفعه للمشاركة في المخرجات.
لا يبدو الوضع في الضفة الغربية أحسن حالاً مع ما تتعرض له القرى والبلدات المختلفة من هجمات يومية ومن سيطرة ميليشيات المستوطنين على الطرق العامة والفرعية.
لن أتحدث عن مواقف الناس ووجهة نظرهم وهذه قضية أيضاً غاية في الأهمية بل أشير إلى الواقع الذي ستُجرى فيه هذه الانتخابات لوجستياً.
حتى توقيت الانتخابات ووقوعها بعد شهر من الانتخابات الإسرائيلية لا يترك مجالاً لأي جهة دولية للتدخل من أجل ضمان ترتيبات معينة، فالعالم أعجز من أن يواجه إسرائيل.
هذا ليس حديثاً ضد الانتخابات ولكنه تساؤل يعيدنا إلي جوهر النقاش الوطني حول طموحنا السياسي القاضي بحقنا بدولة مستقلة وأن نعيش مثل بقية شعوب العالم.
هذا العالم عليه أن يساعدنا في تحقيق ذلك عبر نفس المؤسسات وبنفس الأدوات التي أضاع فيها بلادنا، وعلينا أن نشغل بالنا كيف ندير حياتنا السياسية وعلاقاتنا الداخلية وطنياً ضمن وفاق وطني وتفاهمات داخلية وروابط سياسية تحمي تماسك شعبنا ووحدة نضاله.
ولكن أيضاً علينا اتخاذ خطوات تعيد ثقة الناس بالنظام السياسي وبمؤسساته من خلال تفعيل مبادئ المحاسبة والشفافية ومراجعة المسؤولين والتغيير الجدي وتطبيق قوانين صارمة في شتى المجالات.
الناس هم ضمانة الاستمرار والمواطن وحده القادر على حماية أي قرار داخلي، لذا فإن ما يجب أن نسعى إليه هو أن يشعر المواطن بالأمان على الصعد كافة.
غاية أي انتخابات هي أن يتم فيها تجسيد إرادة المواطنين، وهو ما يتحقق بطرق مختلفة، لكن أساس كل ذلك أن تكون الغاية هي كسب ثقة الناس وإشعارهم بأن البلد لهم والنظام السياسي نظامهم.
قد تكون الانتخابات إحدى الطرق لتحقيق ذلك لكنها ليست الطريقة الوحيدة ويجب ألا يكون تحقيقها تجسيداً لخسارات سياسية أكبر.
