الحساب في المحاكم.. فليكن الحساب في صناديق الاقتراع

إذا تعذّر الحساب في المحاكم… فليكن الحساب في صناديق الاقتراع
لا تنسوا : 1- ـ من وقف معكم في الأيام الصعبة… 2 ـ من تسبب لكم في الأيام الصعبة… 3 ـ من تخلى عنكم في الأيام الصعبة
كتب: وليد العوض
منذ عام 2006، حين جرت آخر انتخابات تشريعية فلسطينية وأسفرت عن فوز كتلة التغيير والإصلاح التابعة لحركة حماس، متقدمة على حركة فتح التي كانت تمسك بزمام السلطة وسعت إلى الاحتفاظ بها، دخل النظام السياسي الفلسطيني مساراً مختلفاً تماماً. ومنذ ذلك الوقت، دفع الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية ثمناً باهظاً لصراع على السلطة، وارتهان لأجندات إقليمية، سرعان ما تحول إلى انقسام سياسي وجغرافي هدد وحدة الشعب الفلسطيني، وإنجازه السياسي، وتمثيله الموحد، وما حققه من مكانة سياسية وقانونية، وبلغ في عام 2007 حافة الحرب الأهلية ادت الى انقسام ما زلنا نعيش اثاره الضارة حتى اليوم . 
وخلال ما يقارب عقدين، تراكمت أزمات لا يمكن تجاهلها: تدهور اقتصادي ومعيشي غير مسبوق، واعتداءات على الحريات العامة وتكميم للأفواه، واعتقالات سياسية، وأشكال مبتكرة من الضرائب أرهقت المواطنين، وإدارات اقتصادية متردية، وحرمان للموظفين والمواطنين من حقوقهم.
وفي المقابل، استمرت مراهنات سياسية دارت طويلاً في مربعات الوهم، فيما تمدد الاستيطان وتزايدت مخاطر الضم، وتوالت المغامرات العسكرية دون حسابات سياسية دقيقة، وصولاً إلى الكارثة التي يعيشها قطاع غزة اليوم: دمار هائل، وسقوط آلاف الشهداء والجرحى، واحتلال يسيطر على نحو 70% من مساحة القطاع، وحشر نحو مليون ونصف المليون من سكانه في مخيمات النزوح، بالتزامن مع مخططات التهجير والوصاية والانفصال.
لا شك أن الاحتلال الإسرائيلي يتحمل المسؤولية الأساسية والتاريخية عن الاحتلال والاستيطان والحصار وحرب الإبادة والدمار الهائل الذي لحق بقطاع غزة، وعن الجرائم التي ارتُكبت بحق شعبنا.
لكن الاحتلال، مهما بلغت جرائمه، لا يمكن أن يكون شماعة نعلّق عليها كل إخفاقاتنا الداخلية. فهناك مسؤولية فلسطينية عن الانقسام، وعن تعطيل الديمقراطية، وعن فشل جولات الحوار المتعاقبة في بناء موقف وطني موحد، وعن استمرار إدارة الانقسام، وعن خيارات سياسية وميدانية كان ينبغي أن تخضع للمراجعة والمساءلة.
واليوم، وبعد كل ما جرى، يجد شعبنا نفسه أمام واقع بالغ القسوة: قطاع غزة مدمر ومحاصر، والاحتلال يسيطر على مساحات واسعة منه، ومخيمات النزوح تنتشر في المساحة المتاحة، ومخاطر التهجير تفتح الباب أمام مشاريع الوصاية والانفصال التي يجري إعدادها تحت عناوين مختلفة برعاية ما يسمى بمجلس السلام ، فيما تتراجع فرص الحياة أمام الشباب، ويدفع كثيرون منهم إلى التفكير في الهجرة بحثاً عن مستقبل لم يعد متاحاً لهم في وطنهم.
هذه ليست مجرد أخطاء عابرة يمكن تجاوزها بالنسيان. إن بعض هذه الممارسات والانتهاكات يستوجب المساءلة السياسية والأخلاقية والقانونية، ومن الطبيعي أن تكون المحاكم الوطنية والدولية، حيثما أمكن، ساحة لمحاسبة من تثبت مسؤوليته عن الجرائم والانتهاكات
لكن ماذا نفعل إذا تعذرت المحاسبة القضائية، أو طال انتظارها؟
هنا تأتي صناديق الاقتراع.
فالانتخابات المقبلة، رغم كل المحاذير والمخاطر التي حذرت منها، ورغم تحفظاتي العميقة على سقفها السياسي والقانوني ووظيفتها المحتملة، توفر للشعب الفلسطيني فرصة لاستعادة حقه في المحاسبة السياسية.
المطلوب ألا تتحول الانتخابات إلى مجرد سباق على المقاعد، ولا إلى وسيلة لإعادة إنتاج الواقع نفسه بوجوه جديدة، بل إلى لحظة سياسية يقول فيها المواطن كلمته، ويكافئ من وقف معه، ويحاسب من تسبب له في المعاناة، ويرفض من تخلى عنه.
وعندما نصل إلى الصندوق، لا ينبغي أن تحكمنا الذاكرة القصيرة، ولا الشعارات، ولا الانتماءات وحدها، بل ينبغي أن نتذكر:
و لا تنسوا:
1-ـ من وقف معكم في الأيام الصعبة.
2 ـ  من تخلى عنكم في الايام الصعبة                                                 3- من تسبب لكم في الأيام الصعبة.
‎هذه ليست دعوة للانتقام، بل دعوة إلى استعادة معنى الانتخابات بوصفها أداة للمساءلة والتغيير.
نعم، الاحتلال هو العدو، ومقاومته وإنهاء وجوده الاستعماري واستعادة حقوق شعبنا تبقى في مقدمة الأولويات. لكن مواجهة الاحتلال لا تعني إعفاء أي طرف فلسطيني من مسؤوليته، ولا تمنح أحداً حصانة من المحاسبة على خياراته وأخطائه وانتهاكاته.
لقد طال انتظار الشعب الفلسطيني لديمقراطية حقيقية، ولقيادة تخضع للمساءلة، ولنظام سياسي يعبر عن إرادته، لا عن مصالح القوى المتنفذة فيه.
ولذلك، إذا تعذّر الحساب في المحاكم، فليكن الحساب في صناديق الاقتراع.
هناك، لا يحتاج المواطن إلى سلاح، ولا إلى سلطة، ولا إلى منصب بل الى ذاكرة وضمير حي .
يكفيه أن يتذكر… ثم يضع ورقته في الصندوق.                                            *عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني                         غزة 16-8-2026

البوابة 24