غزة/ البوابة 24- ميسون كحيل
في الوقت الذي تصارع فيه المؤسسات الإعلامية في قطاع غزة للبقاء على قيد الحياة تحت وطأة حرب مدمرة طالت البشر والحجر، وتكافح لالتقاط أنفاسها المهنية لنقل الحقيقة، برزت في الأفق جبهة استنزاف أخرى لم تكن في الحسبان؛ جبهة إدارية تدور خلف المكاتب الحكومية، وتتمحور حول تفاصيل معاملات الترخيص وتجديد الأوراق الرسمية.
هذه الإجراءات، التي قد تبدو في الظروف الطبيعية روتينًا تنظيميًا، تحولت في زمن الحرب إلى عائق يهدد استمرارية بعض المؤسسات الإعلامية، لا لشيء إلا لأن تأخر استكمال وضعها القانوني قد يحرمها من طوق النجاة الوحيد: التمويل الدولي والمنح الخارجية.
ويأتي ذلك في وقت شهد فيه ملف الترخيص الإعلامي انتقالًا إداريًا من وزارة الإعلام إلى وزارة الثقافة، بعد إلغاء وزارة الإعلام ضمن تشكيل حكومة محمد مصطفى في 31 آذار/مارس 2024، وإلحاق الإدارة العامة للمطبوعات وشؤون وسائل الإعلام بوزارة الثقافة. وهو انتقال جعل وزارة الثقافة الجهة المختصة بمتابعة هذا الملف، في وقت تحتاج فيه المؤسسات الإعلامية إلى إجراءات واضحة وسريعة لإثبات وضعها القانوني أمام الجهات المانحة والشركاء.
وبينما ينص قانون رقم (9) لسنة 1995 بشأن المطبوعات والنشر في المادة (20) على أن يقدم طلب الحصول على رخصة إنشاء المطبعة أو دار النشر أو التوزيع أو الدراسات والبحوث أو قياس الرأي العام أو المكتب الصحفي أو دار الترجمة أو مكتب الدعاية والإعلان إلى المدير، على أن يصدر الوزير قراره، بناءً على تنسيب المدير، خلال مدة لا تزيد على ثلاثين يومًا، يؤكد كميل أبو شامي، مدير عام الإدارة العامة للمطبوعات وشؤون وسائل الإعلام في وزارة الثقافة، أن المدة المتوقعة لإصدار الترخيص أو تجديده لا تتجاوز ثلاثة إلى أربعة أيام في حال اكتمال الملف، تتحدث شهادات مؤسسات إعلامية عن واقع مختلف، امتد فيه الانتظار لأشهر طويلة.
يصف إدريس صالحة، المدير الإداري والمالي في شبكة الصحافة والإعلام الفلسطينية، تجربة الحصول على الترخيص بأنها كانت طويلة ومعقدة واستغرقت وقتًا أطول من المتوقع. ويشير إلى غياب تسلسل موحد للإجراءات وتغير التعليمات والشروط من مرحلة إلى أخرى، ما تسبب في تأخير انطلاق المؤسسة بشكل رسمي.
ولم يكن هذا الإرباك الإداري حالة فردية؛ إذ يروي صاحب مؤسسة إعلامية أخرى فضل عدم الكشف عن هويته، رحلة صعبة بدأت منذ العام الماضي عندما تقدم بطلب ترخيص، ولم يحصل عليه إلا مؤخراً، واصفًا ما واجهه بأنه "سلسلة من المماطلة" بين الجهات الحكومية. ويستذكر كيف كانت ملفات مؤسسته تُحال بشكل متكرر بين وزارتي الثقافة والمالية، حيث تربط كل جهة موافقتها بإجراءات من الطرف الآخر، في ظل غياب كامل للتنسيق المسبق أو لوجود سقف زمني محدد لإنجاز المعاملة، مؤكداً أن المتطلبات لم تكن واضحة وكانت تظهر طلبات وملاحظات جديدة في كل مرحلة.
وفي ذات السياق، يوضح الدكتور جهاد شلط، رئيس المركز العربي للأبحاث والدراسات الإعلامية، وهو مركز يعمل على أساس ربحي، أن عملية الحصول على الترخيص استغرقت من مركزه ثلاثة أشهر منذ تقديم الطلب. ويقول إن التأخير انعكس على نشاط المركز، وأدى إلى تأخر بعض الأعمال والتنسيق مع جهات ومؤسسات أخرى. ويشير شلط إلى أن المركز اعتمد خلال تلك الفترة على إيراداته الذاتية الناتجة عن تنفيذ الأبحاث والدراسات لتغطية نفقاته التشغيلية وأجور العاملين، في ظل تأخر استكمال الترخيص.
منح ضائعة وشراكات مفقودة
ويعترف إدريس صالحة بوضوح أن شبكة الصحافة والإعلام الفلسطينية فقدت بشكل مباشر فرصاً ثمينة في مشاريع وشراكات وتمويلات كانت مخصصة لدعم العمل الإعلامي في غزة، لمجرد أن الترخيص لم يصدر في الوقت المناسب، مؤكداً أن لديهم وثائق ومراسلات رسمية تثبت حجم الضرر المالي الفادح الذي لحق بهم نتيجة هذا التأخير.
ويتطابق ذلك مع شهادة صاحب المؤسسة "الذي فضل عدم الكشف عن هويته" الذي أكد خسارة مؤسسته لعدد من المنح التي كانت موجهة لمشاريع إنسانية وتنموية ومبادرات مجتمعية، وهي خسائر كبدت المؤسسة أعباءً ثقيلة وتسببت في خسارة مصادر تمويل كان من الممكن أن تسهم في تنفيذ مشاريع تخدم المجتمع المحلي، وتوفر فرص عمل، وتعزز استدامة المؤسسة وقدرتها على الاستمرار في تقديم خدماتها للمستفيدين.
ويشير شلط بدوره إلى خسارة المركز فرص تمويل ومشاريع بسبب اشتراط الجهات الداعمة وجود ترخيص ساري المفعول، موضحًا أن التأخير أدى كذلك إلى تعطيل أعمال كان من المفترض تنفيذها مع شركاء، وأثر في ثقة بعض المؤسسات بالمركز.
ولا تقتصر صعوبات استكمال الوضع القانوني على المؤسسات الإعلامية، إذ تواجه مؤسسات أهلية وثقافية في قطاع غزة بدورها تأخرًا في تجديد الاعتمادات واستكمال معاملاتها.
ويقول يسري درويش، رئيس الاتحاد العام للمراكز الثقافية، إن مؤسسات في القطاع واجهت تأخرًا في تجديد اعتماد مجالس إداراتها، رغم استكمال بعضها إجراءاتها الداخلية. ويشير إلى أن الاتحاد، الذي أجرى انتخاباته في نهاية عام 2025، لم يحصل على اعتماد مجلس إدارته الجديد إلا بعد تدخل ائتلاف أمان، وبعد نحو شهرين من تقديم الطلب.
ويضيف درويش أن تأخر الاعتماد أدى إلى إيقاف الحساب البنكي للاتحاد في 30 حزيران/يونيو، ما تسبب في إعادة تحويلات مالية من شركاء ومانحين، معتبرًا أن استمرار هذه الإجراءات دون آليات خاصة للتعامل مع مؤسسات غزة يعطل عملها في وقت يفترض أن تحصل فيه على مزيد من التسهيلات.
ورغم اختلاف الإطار القانوني بين المؤسسات الإعلامية والجمعيات الأهلية، فإن تجربة التسجيل لدى وزارة الداخلية تشير إلى تحديات إدارية مشتركة تواجه المؤسسات خلال الحرب. وفي سياق متصل، أظهرت جلسة الاستماع التي نظمها ائتلاف "أمان" بعنوان "إجراءات تسجيل المؤسسات الأهلية والتحديات التي تواجه عملها في الضفة الغربية وقطاع غزة"، في 10 حزيران/يونيو، أن التحديات البيروقراطية لا تقتصر على قطاع دون آخر.
وأوضح مدير عام الجمعيات في وزارة الداخلية، إصرار هيلانة، أن الوزارة حاولت الاستجابة للواقع الاستثنائي عبر إجراءات مرنة شملت تمديد اعتماد مجالس الإدارة تلقائيًا لفترات وصلت إلى ستة أشهر خلال عام 2024، وتأجيل بعض متطلبات التقارير المالية. وأضاف أن الوزارة بدأت، مع بداية آذار/مارس 2026، العودة تدريجيًا إلى الإجراءات الاعتيادية وعقد الانتخابات لضمان الامتثال القانوني، مرجعًا استمرار بعض التأخير إلى تراجع ساعات الدوام وضغط ملفات قطاع غزة، مع استمرار تقديم تسهيلات خاصة لاستقبال الوثائق إلكترونيًا.
وفي تصريح خاص، أوضح هيلانة أن الوزارة دخلت مرحلة تنفيذ توجهها لتوفير آلية داخل قطاع غزة لاستقبال معاملات المؤسسات ومتابعتها مع الإدارة العامة للجمعيات في رام الله، إذ يجري حاليًا تدريب موظفين سيتابعون مع ممثلي الجمعيات في القطاع، على أن تعلن الوزارة قريبًا عن عناوين مكتبي المتابعة والاستقبال.
ويقول إن الوزارة واصلت متابعة معاملات مؤسسات غزة والتواصل معها لاستكمال الوثائق والبيانات، وإنها تمنح معاملات القطاع أولوية في المتابعة ضمن الإمكانيات المتاحة، مشيرًا إلى أن التأخير قد يرتبط بصعوبات التواصل والحصول على الوثائق أو الحاجة إلى موافقات من جهات أخرى، إلى جانب الظروف التي تؤثر في انتظام عمل الموظفين.
ويضيف أن مدة إنجاز المعاملة تختلف بحسب نوعها واكتمال الوثائق والإجراءات المطلوبة، وأن الوزارة تعمل على إبلاغ المؤسسات بالنواقص أو الإجراءات اللازمة وتوضيح أسباب التأخير عند حدوثه.
وتتعلق هذه الإجراءات باختصاص وزارة الداخلية في ما يخص الجمعيات والمؤسسات الأهلية، فيما يبقى ترخيص المؤسسات الإعلامية من اختصاص الإدارة العامة للمطبوعات وشؤون وسائل الإعلام في وزارة الثقافة.
وزارة الثقافة: المشكلة في استكمال الملفات
في المقابل، تضع وزارة الثقافة تأخر بعض معاملات المؤسسات الإعلامية في سياق الظروف الاستثنائية التي تعمل فيها المؤسسات الحكومية، إضافة إلى حاجة الوزارة إلى تحديث بيانات عدد من المؤسسات العاملة في قطاع غزة.
ويقول أبو شامي إن عددًا من المؤسسات الإعلامية في غزة يحمل تراخيص قديمة تعود إلى عام 1995، وأن بيانات بعضها انقطعت عن الوزارة، خصوصًا بعد أحداث عام 2007، الأمر الذي استدعى استكمال إجراءات التحديث والتجديد حتى تتمكن الوزارة من إصدار شهادات الترخيص المطلوبة من الجهات المانحة.
ويؤكد أن الوزارة فتحت قنوات للتواصل مع المؤسسات في قطاع غزة عبر الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي لإرسال الوثائق والمرفقات، كما أعفت المؤسسات الراغبة في الترخيص أو التجديد من الرسوم المالية.
لكن الوزارة لم تقدم إحصاءً إجماليًا لعدد طلبات الترخيص والتجديد التي تلقتها منذ بداية الحرب، أو عدد الملفات التي لا تزال قيد الإجراءات، رغم توجيه سؤال مباشر بهذا الشأن. واكتفى أبو شامي بالإشارة إلى إصدار 10 تراخيص للمؤسسات التي استكملت ملفاتها، موضحًا أن بقية المؤسسات مطالبة باستكمال الوثائق المطلوبة. ولا تتوفر، بناءً على ذلك، بيانات معلنة توضح حجم الملفات المتأخرة أو متوسط المدة الفعلية لإنجازها.
التأخير الإداري كقيد غير مباشر
ويرى المحامي والناشط الحقوقي سعيد عبدالله أن من منظور القانون الأساسي الفلسطيني والقواعد العامة للقانون الإداري، فإن الأصل هو تمكين المؤسسات الإعلامية من ممارسة نشاطها المشروع ضمن إطار قانوني واضح وعادل. ويضيف أن إجراءات الترخيص والتجديد يجب أن تقوم على مبادئ المشروعية والشفافية والمساواة والبت خلال مدة معقولة، بحيث لا يتحول التأخير الإداري إلى عائق غير مباشر أمام حرية العمل الإعلامي أو قدرة المؤسسات على الحصول على التمويل وتنفيذ المشاريع وتحقيق المصلحة العامة.
ويؤكد عبدالله من منظور قانوني حاسم أن "التأخير غير المبرر في إصدار أو تجديد التراخيص للمؤسسات المستوفية للشروط يعد صورة صريحة من صور التقاعس أو الامتناع الإداري السلبي، لأن عمل الإدارة العامة يخضع لمبادئ المشروعية وحسن سير المرافق العامة بانتظام".
ويضيف الناشط الحقوقي أن الإدارة العامة، وإن كانت تعيش ظروفاً استثنائية بسبب الحرب، إلا أنها لا تعفى من واجبها القانوني والأخلاقي في تسيير المرافق العامة بالسرعة الممكنة، مشيراً إلى أنه إذا ثبت أن التأخير ناتج عن تقصير الإدارة وتسبب في خسارة منحة مادية ثابتة، فإن ذلك يشكل أساساً قانونياً متيناً للمطالبة بالتظلم الإداري أو مقاضاة الجهة الرسمية أمام القضاء الإداري للطعن في قرارها السلبي والامتناع عن اتخاذ القرار.
نقابة الصحفيين على خط الأزمة
هذه القراءة الحقوقية تتقاطع تماماً مع ما رصدته نقابة الصحفيين الفلسطينيين؛ حيث يؤكد منيب سعادة، نائب رئيس لجنة الحريات في النقابة، أنهم تابعوا عن كثب وتلقوا شكاوى عديدة من مؤسسات إعلامية تعاني من طول فترات الانتظار وتداخل الصلاحيات البيروقراطية وصعوبة التواصل مع المسؤولين في ظل الأوضاع الراهنة. ويوضح سعادة أن النقابة لم تقف مكتوفة الأيدي، بل تدخلت تكراراً لدى وزارتي الثقافة والمالية، ونجحت بالفعل في انتزاع موافقات وتراخيص لعدد من الوكالات والمؤسسات التي كانت ملفاتها عالقة، مؤكداً أن غياب المرونة الإدارية في الأزمات يشكل تهديداً حقيقياً لاستدامة الإعلام الفلسطيني ورسالته الوطنية.
حلول ومقترحات لتعزيز استدامة المؤسسات الإعلامية
وأمام هذا الواقع، خلص المتحدثون وأصحاب المؤسسات المتضررة والخبراء إلى جملة من المقترحات التي يرون أنها تمثل خارطة طريق للتخفيف من التعقيدات الإدارية وتعزيز استدامة عمل المؤسسات الإعلامية والأهلية.
ودعا منيب سعادة، نائب رئيس لجنة الحريات في نقابة الصحفيين الفلسطينيين، إلى إنشاء نافذة حكومية موحدة لإنجاز معاملات الترخيص، بما ينهي تدوير الملفات بين الوزارات، مع تبسيط الإجراءات وإتاحتها إلكترونياً، ومنح المؤسسات العاملة في قطاع غزة تسهيلات استثنائية تتناسب مع ظروف الحرب.
من جانبه، أوصى إدريس صالحة، المدير الإداري والمالي لشبكة الصحافة والإعلام الفلسطينية، بتوحيد شروط وإجراءات الترخيص، ووضع سقف زمني ملزم للبت في الطلبات، إلى جانب توفير مرجعية حكومية واضحة وثابتة للمراجعين، بما يحد من الاجتهادات الفردية ويضمن وضوح الإجراءات.
وفي السياق ذاته، طالب ممثلو المؤسسات خلال جلسة الاستماع التي نظمها ائتلاف "أمان" بتمديد مهلة تصويب الأوضاع القانونية حتى نهاية العام، مراعاة للظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب، وما ترتب عليها من تدمير للمقرات وتعذر عقد اجتماعات مجالس الإدارة، إلى جانب تيسير الإجراءات الخاصة بالمجالس الموجودة خارج قطاع غزة.
كما شدد المشاركون في جلسة "أمان" على أهمية مراجعة اللوائح والإجراءات المنظمة لعمل المؤسسات بما يحقق التوازن بين متطلبات الرقابة الحكومية واستقلالية العمل المدني، مع نشر بيانات دورية حول طلبات التسجيل والتجديد والاعتماد، وإصدار أدلة إجرائية واضحة بالتوافق مع الشركاء لتوحيد الإجراءات وتعزيز الشفافية.
من جانبه، دعا المحامي سعيد عبد الله إلى مأسسة الشفافية والمساءلة من خلال تحديد مدد قانونية ملزمة للبت في طلبات الترخيص، وإلزام الجهات المختصة بتسبيب قرارات الرفض أو التأخير خطياً، وتفعيل آليات التظلم والشكاوى الإدارية، بما يضمن عدم تحول الإجراءات البيروقراطية إلى قيد على حرية العمل الإعلامي أو عائق أمام ممارسة الحقوق التي يكفلها القانون.
