تواجه مفاوضات وقف الحرب في قطاع غزة منعطفًا حاسمًا، في ظل تصاعد الضغوط داخل إسرائيل على رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لرفض المقترحات المتعلقة بصفقة تبادل الأسرى، بالتزامن مع استمرار الاستعدادات العسكرية لتوسيع العمليات داخل القطاع.
وتشير التقارير الإسرائيلية إلى أن مستقبل المفاوضات بات مرتبطًا بشكل مباشر بالتحركات العسكرية على الأرض، وسط حديث عن إمكانية نقل مسار التفاوض من القاهرة والدوحة إلى موقع آخر، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من أن أي عملية واسعة للسيطرة على مدينة غزة قد تمتد لأشهر طويلة.
ضغوط من اليمين الإسرائيلي لرفض الصفقة
بحسب ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية، يتعرض نتنياهو لضغوط متزايدة من وزراء اليمين المتطرف بهدف رفض رد حركة حماس بشأن صفقة تبادل الأسرى، وتقول هيئة البث الإسرائيلية إن نتنياهو يميل إلى الجمع بين استمرار العمليات العسكرية وإجراء المفاوضات بالتوازي، بما يعني استمرار التفاوض تحت وطأة التصعيد العسكري.
وفي المقابل، نقلت القناة 12 الإسرائيلية عن مسؤولين أن الجولة المقبلة من المفاوضات قد لا تُعقد في القاهرة أو الدوحة، مع طرح إمكانية اختيار موقع جديد للمحادثات.
مفاوضات بشروط إسرائيلية
التقارير الإسرائيلية تتحدث عن اتجاه لجعل أي مفاوضات مقبلة أكثر تركيزًا على ملف المحتجزين، مع طرح شروط إسرائيلية لإنهاء الحرب، ووفق ما نقلته وسائل الإعلام، فإن المفاوضات لن تعني بالضرورة وقف العملية البرية، بل قد تستمر العمليات العسكرية باعتبارها وسيلة ضغط لدفع المحادثات نحو النتائج التي تريدها الحكومة الإسرائيلية.
ويعكس هذا الطرح استمرار الخلاف حول العلاقة بين المسار السياسي والعسكري، خصوصًا مع وجود أصوات داخل المؤسسة العسكرية تحذر من تداعيات العمليات واسعة النطاق.
رئيس الأركان: الحرب متعددة الجبهات
في خضم هذه التطورات، أجرى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير زيارة إلى سلاح البحرية، حيث اطلع على الاستعدادات المرتبطة بالعمليات العسكرية، وأكد زامير أن إسرائيل تخوض، بحسب وصفه، حربًا متعددة الجبهات تشمل البحر والجو والبر، مشيرًا إلى أن الجيش يعمل على مسافات بعيدة عن الحدود الإسرائيلية لمواجهة ما يعتبره تهديدات أمنية.
كما ربط رئيس الأركان بين الضغط العسكري والتحركات المتعلقة بالمحتجزين، معتبرًا أن العمليات العسكرية ساهمت في خلق الظروف التي أتاحت إطلاق سراح بعض المحتجزين.
تحذير عسكري من معركة قد تستمر أكثر من عام
وفي تطور يعكس حجم الخلاف داخل المؤسسة الإسرائيلية، أفادت تقارير صحفية بأن الجيش الإسرائيلي حذر الحكومة من أن تدمير مدينة غزة فوق الأرض وتحتها، على غرار العمليات التي شهدتها مناطق أخرى في القطاع، قد يستغرق أشهرًا طويلة وربما يتجاوز عامًا كاملًا.
ويأتي هذا التحذير في ظل مطالبة المستوى السياسي بتسريع العمليات الرامية إلى السيطرة على مدينة غزة، وهو ما يكشف عن فجوة واضحة بين التقديرات العسكرية والحسابات السياسية، وتخشى المؤسسة العسكرية، وفق هذه التقارير، من تكرار أخطاء العمليات السابقة، إضافة إلى المخاطر التي قد يتعرض لها المحتجزون الإسرائيليون الموجودون داخل القطاع.

خلافات حادة بين السياسيين والعسكريين
أصبح الخلاف داخل إسرائيل حول طريقة إدارة الحرب أكثر وضوحًا، إذ يدفع المستوى السياسي باتجاه تسريع السيطرة على مناطق جديدة في غزة، بينما ترى المؤسسة العسكرية أن تنفيذ عملية واسعة يحتاج إلى وقت طويل ويتطلب حسابات دقيقة.
ويبرز ملف المحتجزين باعتباره أحد أهم نقاط الخلاف، إذ تخشى المؤسسة العسكرية من أن تؤدي العمليات المكثفة إلى تعريض حياة الموجودين داخل القطاع للخطر، في حين يرى بعض المسؤولين السياسيين أن الضغط العسكري يمكن أن يدفع نحو إتمام صفقة بشروط أفضل لإسرائيل.
استطلاع يكشف تراجع الثقة في مسار الحرب
وفي مؤشر آخر على اتساع الجدل داخل المجتمع الإسرائيلي، أظهر تقرير لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أن 61% من الإسرائيليين يرون أن استعادة المحتجزين لن تتحقق إلا من خلال صفقة تنهي الحرب، كما رأى 65% من المشاركين أن قرار السيطرة على قطاع غزة لا يخدم هدف استعادة المحتجزين، بينما اعتبر 68% أن الحكومة الإسرائيلية لا تمتلك خطة واضحة لإنهاء الحرب.
وأظهر الاستطلاع كذلك أن 66% من المشاركين يشعرون بالقلق من احتمال تعرض إسرائيل لعزلة دولية متزايدة، وتكشف هذه الأرقام عن اتساع الفجوة بين الأهداف العسكرية المعلنة وبين موقف شريحة كبيرة من الإسرائيليين بشأن الطريقة الأكثر واقعية لإنهاء الحرب واستعادة المحتجزين.
نتنياهو أمام معادلة صعبة
يجد رئيس الحكومة الإسرائيلية نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فمن جهة، يواجه ضغوطًا من شركائه في اليمين المتطرف للمضي قدمًا في العمليات العسكرية ورفض أي اتفاق لا يتوافق مع شروطهم، ومن جهة أخرى، تتزايد التحذيرات العسكرية والشعبية من تداعيات استمرار الحرب.
كما أن استمرار العمليات لفترة أطول قد يرفع من كلفة الحرب على المستويات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الدولية لإسرائيل.
حصيلة ثقيلة للحرب في غزة
على الجانب الفلسطيني، تستمر الأوضاع الإنسانية في التدهور مع استمرار سقوط الضحايا، وبحسب البيانات التي أوردها التقرير عن وزارة الصحة في غزة، استقبلت مستشفيات القطاع خلال 24 ساعة جثامين 64 شهيدًا و278 مصابًا، لترتفع الحصيلة الإجمالية منذ 7 أكتوبر 2023 إلى 62,686 شهيدًا و157,951 مصابًا، وفق الأرقام الواردة في المصدر.
كما أشارت الوزارة إلى استمرار سقوط ضحايا بين الباحثين عن المساعدات، فضلًا عن ارتفاع أعداد الوفيات المرتبطة بالمجاعة وسوء التغذية، وبينما تستمر العمليات العسكرية والاستعدادات الإسرائيلية، تبدو المفاوضات أمام اختبار جديد، خصوصًا مع الحديث عن تغيير مكان انعقادها، وتصاعد الخلافات داخل إسرائيل بشأن جدوى الحسم العسكري، في وقت يضغط فيه ملف المحتجزين والأزمة الإنسانية باتجاه البحث عن مسار سياسي ينهي الحرب بدلًا من توسيعها.
