بقلم: فايز أبو رزق
لا تقتصر الجوائز الصحفية في إسرائيل على تكريم الإنجاز المهني، بل تؤدي دورا أوسع في منح المكانة وتحديد من يحظى بالاعتراف بوصفه جزءا من النخبة الصحفية. ومن هنا، تتيح دراسة الجهات المانحة ولجان التحكيم وآليات المفاضلة فهما أوسع للمعايير التي تحكم منظومة التكريم، وللصحافة التي تمنح الاعتراف والشرعية. ولم تكن هذه المنظومة بعيدة عن الجدل؛ إذ واجهت انتقادات تتعلق بتأثرها بالحسابات السياسية والأيديولوجية، كما أثارت قوائم الفائزين تساؤلات حول تمثيل التيارات المختلفة، ومدى انعكاس الخلفيات الاجتماعية والثقافية للصحفيين على فرص وصولهم لدوائر التكريم. لذلك، لا يكتفي هذا المقال برصد الأسماء، وإنما يتتبع المؤسسات وآليات عملها والمعايير التي تعتمدها لتحديد ما يعد إنجازا صحفيا جديرابالتقدير.
جائزة سوكولوف: أعرق الجوائز وركيزة التكريم الصحفي
تعد بلدية تل أبيب-يافا من أقدم المؤسسات التي أرست تقليدا منتظما لتكريم الصحفيين عبر "جائزة سوكولوف"، التي أقرت عام 1954 وبدأ منحها فعليا عام 1956، تخليدا لذكرى ناحوم سوكولوف؛ أحد قادة الحركة الصهيونية ومن رواد الصحافة العبرية.
تمنح الجائزة كل سنتين لأربعة فائزين في مسارين رئيسيين: الصحافة المطبوعة والرقمية، والصحافة المرئية والمسموعة، وتركز أساسا على التحقيقات والتقارير العميقة المتميزة. وتشترط اللائحة في المتقدم أن يكون مقيما في إسرائيل وعلى قيد الحياة، وأن تكون أعماله قد نشرت في وسائل إعلام موجهة للجمهور في إسرائيل، مع عدم السماح للفائزين السابقين بالترشح مجددا.
أما تقييم الأعمال فتقوم عليه لجنة تضم من 3 إلى 5 أعضاء، تجمع بين صحفيين بارزين وباحثين أكاديميين وممثل عن البلدية، ويستثنى منها رؤساء الصحفيين في العمل ضمانا لنزاهة الاختيار. وتبلغ قيمة الجائزة 18 ألف شيكل لكل فائز، ما يرسخ طابعها التكريمي بوصفها من أعرق الجوائز المهنية في المشهد الإعلامي الإسرائيلي (1).
لا تستمد أهمية "جائزة سوكولوف" من قيمتها المالية، فهي تعد رمزية مقارنة بوزنها المهني والمكانة الرفيعة التي يمنحها الفوز بها؛ إذ يمثل التكريم اعترافا مؤسسيا بإنجاز الصحفي، وإدراجا لاسمه ضمن دائرة التقدير والصدارة داخل الوسط الإعلامي. وتكشف دورة 2025 عن بعض المعايير التي تنعكس في خيارات الجائزة؛ ففي فرع الصحافة المكتوبة، منحت للصحفيين جوش براينر ونير حسون من صحيفة "هآرتس"، أما في الصحافة المرئية والإلكترونية، فقد كرمت المخرجة والصحفية عنات غورن، إلى جانب السلسلة الوثائقية "الواحدة" المعروضة على قناة كان 11(2).
لكن جائزة سوكولوف لم تكن بمنأى عن السجال السياسي؛ فقد واجهت انتقادات متكررة من أوساط في اليمين الإسرائيلي، اتهمتها بالانحياز، مستندة إلى تركيبة لجان التحكيم وإلى طبيعة بعض الفائزين، التي يرون أنها تميل نحو أجندات يسارية. غير أن النظر في الحيثيات المعلنة لمنح الجائزة يقدم صورة أكثر تعقيدا من هذا التصنيف؛ ففي دورة 2025، مثلا، كرم الصحفي نير حسون عن تغطيته لمعاناة المدنيين الفلسطينيين خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، فيما نالت المخرجة والصحفية عنات غورن التكريم عن عمل وثائقي يوثق شهادات ضحايا الاعتداءات الجنسية. وتندرج هذه الموضوعات، وفق المعايير المعلنة للجائزة، ضمن قضايا مهنية وإنسانية ينظر إليها بوصفها جديرة بالتكريم، حتى عندما تتقاطع مع قضايا خلافية أو مع تجاذبات سياسية حادة. ومن هنا، فإن الجدل حول سوكولوف لا يتعلق فقط بهوية الفائزين، بل يمتد إلى السؤال الأوسع حول مدى الفصل بين المعايير المهنية التي تستند إليها الجائزة والتفسيرات السياسية التي تحيط باختياراتها (3).
ولا يقتصر الجدل المحيط بجائزة سوكولوف على الاستقطاب السياسي، بل يمتد إلى أبعاد إثنية واجتماعية تتصل بتركيبة النخبة الإعلامية نفسها. فقد تناولت تحقيقات نشرها موقع "العين السابعة"، في مقالات للصحفي أورن بيرسيكو، تاريخ الجائزة من زاوية التمثيل الإثني، وخلصت إلى أن حضور الصحفيين من ذوي الأصول الشرقية (المزراحييم) ظل محدودا طوال عقود، وهو ما دفع التحقيق إلى طرح مسألة احتمال هيمنة النخب الأشكنازية على دوائر التكريم والاعتراف داخل الإعلام الإسرائيلي(4).
ويتقاطع هذا الطرح مع ما يناقشه الصحفي أفيشاي بن حاييم في كتابه "إسرائيل الثانية" عام 2022، إذ يطرح مسألة هيمنة النخب الأشكنازية على مؤسسات ومراكز قوة رئيسية، من بينها القضاء والإعلام. ويمنح هذا السياق الأوسع مسألة التمثيل داخل جوائز الصحافة بعدا يتجاوز مجرد توزيع التكريم بين أسماء مختلفة، ليرتبط بطبيعة النخبة التي تملك تاريخيا قدرة أكبر على الوصول إلى مؤسسات الاعتراف المهني (5).
ومع ذلك، فإن سجل الجائزة يتضمن بعض الاستثناءات التي تعكس حضورا محدودا لصحفيين من خلفيات شرقية، من بينهم المؤرخ والصحفي شلومو نكديمون، المنحدر من أصول يهودية عراقية، والحاصل على الجائزة عام 2014 خلال عمله كاتب تحقيقات في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، والإعلامية غال غباي، ذات الأصول اليهودية المغربية، الحاصلة عليها عام 2013 عن عملها الاستقصائي في تقديم برنامج "فاكيوم" بالتلفزيون التربوي الإسرائيلي وكشفها ملفات اجتماعية وإنسانية حساسة. غير أن وجود هذه الحالات لا يكفي، في حد ذاته، لإثبات تحول في البنية العامة للجائزة؛ وهو ما يجعل مسألة التمثيل الإثني أحد المؤشرات التي تستحق الفحص عند دراسة طبيعة النخبة الإعلامية التي تحظى بالتكريم، إلى جانب المعايير المهنية والسياسية التي تحكم الاختيار.
وبالتوازي مع المكانة التاريخية لجائزة سوكولوف في المشهد الإعلامي، تتعدد قنوات التكريم المهني، وفي مقدمتها جوائز "جمعية الصحفيين في تل أبيب"، التي تأسست عام 1935 وتمثل أحد أشكال الاعتراف الذي يمنحه الوسط الصحفي لأفراده. وتوزع هذه الجوائز سنويا خلال "مؤتمر إيلات للصحافة"، وتشمل مجالات متنوعة، من بينها التحقيقات الاستقصائية، والبث الإخباري، والتغطية الحربية الميدانية، إلى جانب جائزة "إنجاز العمر" المخصصة للصحفيين المخضرمين تقديرا لمسيرتهم المهنية. إلا أن هذا المسار التكريمي لا يخلو من النقد؛ إذ أشارت تقارير نشرها موقع "العين السابعة" وصحيفة "هآرتس" إلى تحول هذه الجوائز في أحيان كثيرة إلى ما يشبه "النادي المغلق" لمجاملة النخب النافذة وتكريس العلاقات العامة على حساب الشفافية والصحافة المستقلة. وبذلك، تعكس هذه المنظومة رؤية الميدان الصحفي لما يستحق التقدير، جنبا إلى جنب مع الصراعات والتوازنات الفئوية التي تحكمه (6).
جائزة إسرائيل: الشرعية الرسمية والتجاذبات السياسية
أما "جائزة إسرائيل"، فتنقل هذا الاعتراف من الإطار المهني إلى المستوى الرسمي للدولة. وقد أنشئت الجائزة عام 1953 وتمنح تحت إشراف وزارة التربية والتعليم تقديرا للإنجازات الاستثنائية في مجالات مختلفة، قبل أن تتحول مع مرور الوقت إلى أحد أبرز أشكال التكريم الرسمي.
وفي المجال الإعلامي، تمنح الجائزة ضمن فئة "الاتصال والإعلام المرئي"، وهي فئة عريضة تشمل مجالات الاتصال المتنوعة ولا تقتصر على الصحافة المكتوبة أو التحقيقات الصحفية، وتبلغ قيمة الجائزة 75 ألف شيكل لكل فائز. وهنا لا تعكس الجائزة مجرد تقدير مهني من داخل الوسط الصحفي، بل تمثل انتقال الفائز من دائرة الاعتراف داخل المجال الإعلامي أو الفني إلى دائرة الاعتراف الرسمي من جانب مؤسسات الدولة العبرية.
غير أن آلية اختيار الفائزين بالجائزة ظلت محط انتقادات صحفية وإعلامية واسعة تتصل بمستوى الشفافية. فقد سلطت التقارير الصحفية الضوء على الغموض الذي يكتنف كواليس الاختيار، مشيرة إلى أن غياب المعايير المعلنة يفتح الباب أمام التجاذبات وتغليب الاعتبارات الشخصية على الكفاءة المهنية المجردة (7).
ولم تقتصر هذه الانتقادات على السجال الإعلامي، بل امتدت إلى التقييم الرقابي الرسمي؛ إذ كشف تقرير لمراقب الدولة الإسرائيلي عام 2009 عن خلل بنيوي في عمل لجان التحكيم، موضحا أنها كانت تتشكل في أجواء من السرية ودون محاضر مدونة توثق أسباب ترجيح مرشح على آخر، إلى جانب غياب لائحة تنظيمية محددة. وانتقد التقرير هذا النقص في الإفصاح، موصيا بفرض ضوابط محددة لمنع تضارب المصالح والعلاقات غير الملائمة. وبذلك، تحول الجدل من مجرد اعتراض على هوية الفائزين إلى سؤال أعمق حول نزاهة القرارات والجهة التي تحتكر سلطة التكريم الرسمي(8).
ويضم سجل الفائزين بـ "جائزة إسرائيل" في مجال الإعلام رموزا صحفية تنتمي إلى مدارس فكرية ومهنية متنوعة؛ بدءا من حاييم يافين، المذيع الرئيسي السابق لبرنامج "مباط"على القناة الأولى، والمحلل السياسي نحوم برنياع منصحيفة يديعوت أحرونوت، وصولا إلى يعقوب أحيمائير من القناة الأولى وإذاعة صوت إسرائيل الناطقة باللغة العبرية، وشلومو نكديمون من يديعوت أحرونوت وهو ما يعكس تنوعا يجمع بين التيارات اليسارية واليمينية. غير أن هذه التصنيفات الفكرية لا تكفي وحدها لإطلاق حكم مطلق على طبيعة الجائزة، مما يجعل التدقيق في معايير الاختيار وسياق كل دورة أكثر أهمية من الاكتفاء بتأطير الفائزين سياسيا.
وفي دورة عام 2024، تفجر سجال حاد داخل الوسط الإعلامي عقب كشف تقارير عن تباينات داخل لجنة التحكيم بشأن معايير المفاضلة؛ كالعمر، والجنس، وحجم الإنجاز المهني،ولم يتوقف الخلاف عند أروقة اللجنة، بل تعداه إلى تدخل مباشر من حكومة بنيامين نتنياهو عبر وزير التعليم "يوآف كيش"، الذي سعى لإلغاء فئات الجائزة التقليدية، قبل أن يتراجع تحت وطأة الضغوط والانتقادات التي وصلت أروقة المحكمة العليا، وسط شهادات من أعضاء اللجنة عن ممارسات لتوجيه القرارات. لتطرح هذه الدورة تساؤلات جدية حول هيمنة الحسابات السياسية ومدى استقلالية الجائزة عن التجاذبات الحزبية (9).
ولم يكن هذا الجدل وليد السنوات الأخيرة؛ فقد ارتبطت "جائزة إسرائيل" منذ وقت مبكر بتوترات تتعلق بالعلاقة بين السلطة والنخب المهنية والثقافية، وشهد تاريخها حالات من التدخل السياسي والقضائي في مسار منح الجائزة. ففي عام 1997، تدخلت المحكمة العليا وألغت قرار منح الجائزة للصحفي شموئيل شنيسر من صحيفة "معاريف"، وأعادت الملف إلى لجنة التحكيم، وذلك في أعقاب إدانته من لجنة أخلاقيات الصحافة بسبب نشره مقالا تضمن عبارات عنصرية وازدراء بحق المهاجرين الإثيوبيين (الفلاشا). وفي عام 2003، سحبت وزيرة التعليم آنذاك ليمور ليفناتالجائزة من الفنان موشيه غيرشوني، بعد رفضه مصافحتها ومصافحة رئيس الوزراء أريئيل شارون.
وتكشف هذه الوقائع عن تعدد الجهات التي يمكن أن تتداخل في تحديد من يستحق الجائزة، من لجان التحكيم إلى القضاء والسلطة التنفيذية. وفي المقابل، ظل الجدل السياسي حاضرا في تفسير قراراتها؛ إذ يرى اليمين أن لجان التحكيم تميل أيديولوجيا إلى (النخب اليسارية)، بينما ينظر اليسار إلى التدخل الحكومي بوصفه محاولة لتعزيز نفوذ السلطة في المشهد الثقافي والإعلامي. وإلى جانب ذلك، أثيرت انتقادات رقابية تتعلق بمدى التمثيل المنصف للنساء ولغير اليهود. وبذلك، يتجاوز الخلاف حول "جائزة إسرائيل" مسألة المفاضلة بين أسماء المرشحين، ليطرح سؤالا أوسع حول الجهة التي تملك سلطة تعريف التميزوالإبداع، والمعايير التي تحدد من يستحق أن يمثل النخبة التي تحتفي بها الدولة (10).
الأكاديمية الإسرائيلية للسينما والتلفزيون: رسم حدود الإنتاج المرئي
ولا تقتصر خريطة التكريم الإعلامي على الصحافة والجوائز الرسمية، بل تمتد إلى صناعة الشاشة والإنتاج المرئي، حيث تمنح "الأكاديمية الإسرائيلية للسينما والتلفزيون" جوائزها السنوية للأعمال والشخصيات البارزة في هذا المجال. وتشمل فئات التكريم الدراما والكوميديا والأعمال الوثائقية، إلى جانب البرامج الإخبارية والترفيهية. وعلى خلاف بعض الجوائز المهنية التي ترتبط بمكافأة مالية محددة، تتركز قيمة هذه الجائزة أساسا في الاعتراف المهني؛ إذ يحصل الفائزون على مجسم الجائزة، فيما تحدد إدارة الأكاديمية طبيعة المكافآت وقيمتها سنويا وفقا للموارد المتاحة.
ويشارك أعضاء الأكاديمية في اختيار الفائزين عبر تصويت إلكتروني سري يمنح كل عضو صوتا واحدا، دون أن تعلن الأكاديمية إجمالي المشاركين أو تفاصيل الأصوات المقترعة لكل مرشح. ويضم الهيكل العام لمسابقات الأكاديمية 47 فئة محددة تغطي معظم التخصصات الإنتاجية والإعلامية على الشاشة. وتوفر آلية التصويت الموسعة هذه نموذجا مختلفا عن الجوائز القائمة على لجان تحكيم محدودة، غير أنها تطرح في الوقت ذاته تساؤلات حول مستوى الشفافية، في ظل عدم إتاحة البيانات التفصيلية لنسب المشاركة وآليات الفرز (11).
ويكشف سجل الفائزين عن جانب من المعايير التي تعتمدها الأكاديمية في تعريف التميز والتقدير المهني. ففي جوائز التلفزيون لعام 2025، فاز برنامج التحقيقات "عوفدا" على القناة 12 بجائزة أفضل برنامج تحقيقات.
وفي المقابل، يمثل مسلسل "فوضى" نموذجا مختلفا من الاعتراف الذي تمنحه الأكاديمية داخل مجال الدراما؛ فقد حصد المسلسل جائزة أفضل مسلسل درامي، إلى جانب عشر جوائز أخرى، في حفل جوائز التلفزيون لعام 2017.
وبذلك، لا يقتصر دور الأكاديمية على الاحتفاء بالأعمال والشخصيات الناجحة، بل تساهم جوائزها أيضا في منح بعض الإنتاجات موقعا أكثر رسوخا داخل المشهد التلفزيوني الإسرائيلي (12).
ولم تسلم هذه الجائزة من الانتقادات؛ إذ شهدت خلافات حادة حول تصنيف الأعمال ومعايير المفاضلة، بلغت حد سحب شبكات تلفزيونية بارزة، من بينها "القناة 10"، بعض برامجها من المنافسة والمطالبة باسترداد رسوم التسجيل. وتركز الخلاف، في إحدى أبرز تلك الحالات، على رفض الأكاديمية إدراج عدد من البرامج ضمن فئة الأعمال الوثائقية، في وقت رأت فيه جهات البث أن تلك الأعمال تستحق المنافسة ضمن هذه الفئة. كما أثارت هذه الخلافات انتقادات أوسع لفكرة أن تمنح صناعة التلفزيون جوائزها من داخلها. ويكشف هذا الجدل أن سلطة الأكاديمية لا تقتصر على اختيار الفائزين، بل تبدأ قبل ذلك من تحديد الفئة التي يسمح للعمل بالمنافسة ضمنها، ومن ثم رسم الحدود المهنية بين أنواع الإنتاج التلفزيوني المختلفة (13).
المعهد الإسرائيلي للصحافة: التكريم المؤسسي ومساءلة السلطة
وإذا كانت جائزة الأكاديمية تعكس الاعتراف داخل صناعة الشاشة، فإن جائزة "المعهد الإسرائيلي للصحافة والاتصال" تعيد التكريم إلى مجال الصحافة المهنية. فقد تأسس المعهد عام 2021 على يد القاضية المتقاعدة من المحكمة العليا داليا دورنر، ويمنح جائزة سنوية للتميز الصحفي. وفي دورة عام 2025، منحت الجائزة لأربعة صحفيين، بواقع 15 ألف شيكل لكل فائز، لتبلغ القيمة الإجمالية للجوائز 60 ألف شيكل.
وتتولى لجنة تضم شخصيات من الوسط الصحفي والأكاديمي اختيار الفائزين، فيما تجري مداولاتها بصورة سرية، مع اشتراط عدم وجود تضارب مصالح جوهري، على أن تعلن حيثيات الاختيار عند الكشف عن الفائزين. وتركز المعايير المعلنة على التحقيقات الاستقصائية، والدقة والنزاهة، والشجاعة المهنية، وحرية الصحافة، ودور الصحافة في مساءلة السلطة. وبذلك يقدم المعهد نموذجا مختلفا للشرعية المهنية، يجمع بين القيمة المادية للتكريم وبين منح الصحفي اعترافا مؤسسيا يستند، وفق حيثيات الجائزة، إلى تصور محدد للصحافة الجديرة بالتقدير.
ويكشف سجل الفائزين بوضوح عن نوع الصحافة التي يمنحها المعهد قيمة مهنية خاصة؛ ففي دورة 2025، كرمت الجائزة روني زينغر عن تحقيقاتها حول الشرطة والأجهزة الأمنية لصالح "مركز الإعلام والديمقراطية" وبرنامج "زمن الحقيقة" على قناة (كان 11)، ويوسي مزراحي من برنامج "المراقب" على "القناة 12" عن كشفه المتواصل لوقائع الفساد في أجهزة الحكم، وبار بليغ من صحيفة "هآرتس"عن تحقيقاته في قضية "قطر غيت" وتغطيته للحرب والاحتجاجات، ودورون كدوش المراسل العسكري لـ "إذاعة الجيش" عن تغطيته للمؤسسة الأمنية. حيث تظهر حيثيات لجنة التحكيم أن القاسم المشترك بين هذه الأعمال لم يكن الموضوع السياسي بحد ذاته، وإنما ما اعتبرته اللجنة صحافة استقصائية معمقة ونزيهة، تؤدي وظيفة الرقابة على السلطة بوصفها إحدى وظائف الصحافة الأساسية (14).
ويمتد هذا التوجه إلى دورات سابقة؛ ففي عام 2022 منحت الجائزة لمحمد مجادلة، المعلق في "القناة 12" ومدير قسم الأخبار في إذاعة "الناس" في الناصرة، تقديرا لعمله الصحفي في تغطية المجتمع العربي ولتحليلاته الصحفية. وفي دورة عام 2023، منحت الجائزة لكل من يوسي إيلي من "أخبار القناة 13"، ولي ناعيم من "أخبار القناة 12"، وهاغر شيفزاف من صحيفة هآرتس، والمصور روعي عيدان من موقع "واينيت" ومجموعة يديعوت أحرونوت. وكرم يوسي إيلي عن تغطيته قضية مقتل المحامي يوفال كاستلمان، الذي قتل برصاص جندي احتياط إسرائيلي بعد أن قتلأحد المهاجمين خلال هجوم مسلح عند مدخل القدس، ولي ناعيم عن تحقيقاتها في قضية المراقبات في ناحل عوز، وقضية "بيت باسي" في مستوطنة بئيري المتعلقة بمقتل إسرائيليين بنيران دبابة إسرائيلية، فيما كرمت شيفزاف عن كشفها اعتداءات منهجية على الفلسطينيين ونشطاء اليسار في الضفة الغربية، وظروف احتجاز المعتقلين الفلسطينيين. أما روعي عيدان، فمنحته اللجنة الجائزة تقديرا لتوثيقه الحياة في مستوطنات غلاف غزة والنقب، وما جسدته تغطيته من مخاطر العمل الصحفي الميداني خلال الحرب. وتكشف هذه الاختيارات عن مجموعة من المعايير العملية التي يعتمدها المعهد في تعريف الصحافة الجديرة بالتكريم، من التحقيق والكشف عن الإخفاقات إلى التغطية الميدانية والشجاعة المهنية.(15).
الاعتراف الدولي: شرعية خارج منظومة التكريم المحلية
ويبرز في هذا السياق النموذج الاستثنائي الذي يمثله صحفيا جريدة "هآرتس"، عميرة هاس وجدعون ليفي؛ إذ حظيا بتكريمات وجوائز دولية رفيعة تقديرا لنهجهما النقدي، وتتجلى طبيعة هذه التقديرات وأبعادها في النموذجين التاليين.
فقد حصلت عميرة هاس عام 2002 على جائزة الأمير كلاوس، وكانت قيمة الجائزة الفردية في تلك الدورة 25 ألف يورو، تقديرا لإسهامها الصحفي في تغطية الشأن الفلسطيني. كما نالت في العام نفسه جائزة برونو كرايسكي لحقوق الإنسان، ثم جائزة اليونسكو،غييرمو كانوالعالمية لحرية الصحافة عام 2003، وجائزة آنا ليند عام 2004، وجائزة مراسلون بلا حدود لحرية الصحافة عام 2009. وتكشف أسباب منح هذه الجوائز عن تقدير متكرر لعناصر مثل الاستقلالية المهنية، والشجاعة الصحفية، والدفاع عن حرية التعبير، والقدرة على نقل قضايا الفلسطينيين إلى الجمهور الإسرائيلي والدولي (16).
أما جدعون ليفي، فقد حصل عام 2003، مناصفة مع الصحفي الفلسطيني داود كتاب، على "جائزة الحرية ومستقبل الإعلام" التي تمنحها مؤسسة إعلام سباركاسهلايبزيغ، وبلغت قيمتها الإجمالية 15 ألف يورو. ووفق المؤسسة، جاء التكريم تقديرا لعملهما في الدفاع عن حرية التعبير والصحافة، ولتغطيتهما الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني من زاوية نقدية (17).
كما حصل ليفي لاحقا على جائزة الصحفيين الأوروبيين للحوار الثقافي عام 2007، وجائزة "السلام عبر الإعلام"عام 2012، وجائزة أولوف بالمه عام 2015، إضافة إلى جائزة سوكولوف عام 2021 وتكريمات أخرى (18).
خاتمة: من يملك حق تحديد الصحافة المتميزة؟
تكشف خريطة الجوائز الصحفية في إسرائيل أن التكريم لا يتوقف عند حدود الاحتفاء بالمبدعين، بل يشكل أداة أيديولوجية لتحديد شكل الخطاب المراد تكريسه. وفي هذا السياق، يبرز مساران متوازيان، مسار رسمي يمنح شرعيته للخطاب المؤسسي الملتزم بالرواية الأمنية كما يتجلى في تكريم المراسلين العسكريين كدورون كادوش، أو إبراز الأعمال الدرامية كمسلسل "فوضى" الذي يجمل صورة وحدات "المستعربين"، ومسار مدني وأكاديمي يحاول الدفع بنموذج الصحافة الاستقصائية ومحاربة الفساد. وبذلك، لا تقدم منظومة الجوائز معيارا مهنيا مجردا للتميز، بل تعكس صراعا على مشروعية الاعتراف، وتكشف حجم التداخل بين المعايير المهنية والسياقات السياسية والأمنية التي يعمل في ظلها الإعلام الإسرائيلي.
المصادر
(1) موقع بلدية تل أبيب-يافا: إعلان جائزة سوكولوف للصحافة المكتوبة والإلكترونية، (د.ت)، تاريخ الاطلاع: 12 يوليو 2026م، مترجم عن العبرية.
https://www.tel-aviv.gov.il/Pages/MainItemPage.aspx?WebID=f09859c7-1a46-40e0-8968-9ae31388b659&ListID=229c1b0e-698e-4b08-af1e-e769ab00a112&ItemID=14
(2) موقع شبكة السلطات المحلية: إعلان جائزة سوكولوف للصحافة المكتوبة والإلكترونية وجائزة دوش للكاريكاتير لعام 2025، (د.ت)، تاريخ الاطلاع: 11 يوليو 2026م، مترجم عن العبرية.
https://www.rashuiot.co.il/html5/arcLookup.taf?_function=details&_ID=74399&did=1118&G=8702&SM=
(3) موقع "العين السابعة": أورن بيرسيكو، "هذا العام أيضا أقيم حفل جوائز سوكولوف في ظل التهديد المتزايد لحرية الصحافة"، 13 ديسمبر 2025، مترجم عن العبرية.
https://www.the7eye.org.il/571184
(4) موقع "العين السابعة": أورن بيرسيكو، صفحة الأرشيف والصفحة التعريفية للكاتب، (د.ت)، تاريخ الاطلاع: 15 يوليو 2026م، مترجم عن العبرية.
https://www.the7eye.org.il/writer/%d7%90%d7%95%d7%a8%d7%9f-%d7%a4%d7%a8%d7%a1%d7%99%d7%a7%d7%95
(5) كتاب: فايز أبو رزق، أيديولوجيا الصحفيين الإسرائيليين، دار أرفلون للنشر (القاهرة)، 2024، ص. 18.
(6) موقع "العين السابعة": أورين بيرسيكو، "20% فقط من النساء بين المتحدثين في مؤتمر الصحافة بإيلات"، 15 نوفمبر 2022م، مترجم عن العبرية.
https://www.the7eye.org.il/470355
(7) موقع "يديعوت أحرونوت"/ تغطية إخبارية: "زيادة قيمة جائزة إسرائيل إلى 75 ألف شيكل"، 8 مايو 2005، مترجم عن العبرية.
https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-3082969,00.html
(8) مكتب مراقب الدولة في إسرائيل: تقرير خاص: "جائزة إسرائيل - وزارة التربية والتعليم"، 11 مايو 2010، مترجم عن العبرية.
https://library.mevaker.gov.il/sites/DigitalLibrary/Pages/Reports/465-28.aspx
(9) القناة 13 الإسرائيلية: تغطية إخبارية: "خلافات حول جائزة إسرائيل للإعلام: اللجنة طلبت منح جائزتين"، 8 أبريل 2024، مترجم عن العبرية.
https://13tv.co.il/item/news/domestic/education-society/opnwp-904010734/
(10) موقع "العين السابعة": (حانوخ مرموري)، مقال تحليلي: "العودة إلى التوريث"، 11 فبراير 2015، مترجم عن العبرية.
https://www.the7eye.org.il/147127
(11) الأكاديمية الإسرائيلية للسينما والتلفزيون: بيان رسمي: "الأكاديمية تبارك الفائزين والفائزات في مسابقة جوائز التلفزيون لعام 2024"، (د.ت)، تاريخ الاطلاع: 15 أغسطس 2026م، مترجم عن العبرية.
https://israelfilmacademy.co.il/?section=2361
(12) الأكاديمية الإسرائيلية للسينما والتلفزيون: صفحة تعريفية ببرنامج التحقيقات: "عوفدا" (حقيقة)، (د.ت)، تاريخ الاطلاع: 17 أغسطس 2026م، مترجم عن العبرية.
https://israelfilmacademy.co.il/%D7%AA%D7%9B%D7%A0%D7%99%D7%AA-%D7%AA%D7%97%D7%A7%D7%99%D7%A8%D7%99%D7%9D/%D7%A2%D7%95%D7%91%D7%93%D7%94/
(13) موقع "واللا": "صناع برنامج 'بيبي بوم' ينسحبون بغضب من مسابقة جوائز الأكاديمية الإسرائيلية للتلفزيون"، 16 ديسمبر 2014، مترجم عن العبرية.
https://b.walla.co.il/item/2811177
(14) المعهد الإسرائيلي للصحافة والاتصال: إعلان رسمي: "جائزة المعهد الإسرائيلي للصحافة والإعلام للتميز الصحفي لعام 2025"، (د.ت)، تاريخ الاطلاع: 17 أغسطس 2026م، مترجم عن العبرية.
https://www.ispi.org.il/press-award-2025/
(15) المعهد الإسرائيلي للصحافة والاتصال: إعلان رسمي: "فائز بجائزة المعهد الإسرائيلي للصحافة والإعلام لعام 2022"، (د.ت)، تاريخ الاطلاع: 18 أغسطس 2026م، مترجم عن العبرية.
https://www.ispi.org.il/the-press-award-2022/
(16) مؤسسة "صندوق الأمير كلاوس": صفحة تعريفية وتكريمية: "عميرة هاس تدافع عن المجتمع المدني من خلال الإعلام والصحافة"، (د.ت)، تاريخ الاطلاع: 20 أغسطس 2026م، مترجم عن الإنجليزية.
https://princeclausfund.nl/awardees/amira-hass
(17) مؤسسة الإعلام في لايبزيغ: إعلان جوائز الإعلام: "الفائزان بجائزة عام 2003: جدعون ليفي وداوود كتاب"، (د.ت)، تاريخ الاطلاع: 20 أغسطس 2026م، مترجم عن الإنجليزية.
https://www.leipziger-medienstiftung.de/en/news/preistr%C3%A4ger-2003-gideon-levy-und-daoud-kuttab-en/
(18) كتاب: فايز أبو رزق، أيديولوجيا الصحفيين الإسرائيليين، دار أرفلون للنشر (القاهرة)، 2024، ص. 108.
