الصم في غزة.. عندما تأتي "النجاة" صدفة

صورة تعبيرية أُعدت بمساعدة الذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية أُعدت بمساعدة الذكاء الاصطناعي

غزة/ البوابة 24- سندس محمدين

"رأيت الناس من النافذة وهم يركضون، فعرفت أن شيئًا سيحدث، ونزلت إلى مكان أكثر أمانًا".. هكذا نجت هيا قوصة في إحدى المرات من خطر القصف الإسرائيلي خلال حرب الإبادة، لا لأنها سمعت التنبيه، ولا لأنها التقطت صوت القصف، بل لأنها قرأت ما يحدث في وجوه الناس وحركاتهم.

كانت هيا قوصة، البالغة 27 عامًا وهي من ذوي الإعاقة السمعية، وحدها في المنزل بينما كانت والدتها في العمل وشقيقها في الجامعة، وردت أوامر إخلاء إسرائيلية، ثم بدأ القصف في المنطقة، لم يصلها شيء من الأصوات التي سبقت الخطر، لكن النافذة كشفت لها ما يحدث صدفة.

تدير الشابة متجرًا إلكترونيًا عبر "إنستغرام"، وتتواصل مع عملائها وأصدقائها، وتخرج لقضاء احتياجاتها، لكن في لحظات الخطر، تواجه سؤالًا لا يواجهه الآخرون: كيف سأعرف ما يحدث حين يكون أهم ما في المكان صوتًا لا أستطيع سماعه؟ تتساءل.

عند خروجها من المنزل، ترتدي هيا سماعتها السمعية، تساعدها على التقاط بعض الأصوات المرتفعة التي قد تنبهها إلى الخطر، وتمنحها شعورًا أكبر بالأمان، لكنها لا تجعل العالم السمعي متاحًا أمامها بالكامل، ولا تحول دون بقاء أصوات كثيرة خارج إدراكها.

وحين تتعطل السماعة أو تنفد بطاريتها، لا تفقد هيا وسيلة مساعدة فحسب، بل تفقد جزءًا من قدرتها على معرفة ما يجري حولها، وتضيف أمها هنا "أشعر بأن ابنتي ليست في أمان كافٍ للخروج في الظروف التي تعيشها غزة جراء الحرب".

وتزداد المخاوف مع صعوبة الحصول على البطاريات وقطع الغيار والصيانة في القطاع، فالسماعة بالنسبة إلى هيا ليست جهازًا إضافيًا يمكن الاستغناء عنه، وإنما وسيلة تساعدها على التواصل وفهم محيطها، وقد يصبح غيابها أكثر خطورة حين تكون الحياة نفسها معلقة على سرعة وصول المعلومة.

المعلومة وسيلة للنجاة

تعتمد هيا في معرفة الأخبار والتنبيهات على والدتها وشقيقها، وعلى مجموعات أصدقائها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لكن هذا الاعتماد يصبح هشًا عندما ينقطع الإنترنت أو تتأخر المعلومات، خصوصًا في لحظات الطوارئ التي قد لا تترك وقتًا كافيًا للانتظار.

تتحدث والدتها سمية بأن التنبيهات لا تصل إلى هيا بصورة منتظمة من جهة رسمية متخصصة بلغة الإشارة، فيما تحاول بعض المبادرات الفردية إيصال الأخبار عبر مواقع التواصل، وهكذا تصبح المعلومة التي قد تصل إلى الآخرين في لحظتها، معلومة تحتاج هيا إلى شخص آخر كي ينقلها إليها.

ولا تتوقف المشكلة عند القصف أو الإخلاء، ففي المستشفيات، قد يتحول غياب مترجمي لغة الإشارة والإرشادات المهيأة للصم إلى حاجز أمام الحصول على الرعاية، لذلك تعتمد هيا في كثير من الأحيان على والدتها أو أحد أفراد أسرتها لفهم ما يقوله الطبيب أو معرفة الإجراءات المطلوبة.

بالنسبة إلى الأخصائية نيڤين مرتجى، أخصائية التدريب السمعي اللفظي (AVT)، تؤكد أن تعطل السماعة أو نفاد بطاريتها يؤثر في فهم الكلام والتواصل، وقد يدفع الشخص إلى الاعتماد بصورة أكبر على قراءة الشفاه أو لغة الإشارة.

وتشير إلى أن الحصول على البطاريات والصيانة في غزة أصبح "صعبًا جدًا"، وتختصر أهمية الأمر باعتباره "حياة"، خاصة تحت وطأة القصف الإسرائيلي المتواصل على القطاع.

وتوضح إلى أن آلاف الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية يواجهون ظروفًا جعلت الحرب فيها الوصول إلى المعلومات والخدمات والرعاية أكثر صعوبة، فيما أضافت الانفجارات وتدمير المرافق الصحية تحديات جديدة إلى واقعهم.

من جهته، يشير فادي عابد مدير جمعية الصم بغزة -في تصريحات صحفية-، إلى أن المشكلة اتسعت خلال الحرب، مع ارتفاع حالات فقدان السمع نتيجة الانفجارات المرتفعة والتلوث وغياب الرعاية الطبية.

ويقول إن تدمير مرافق صحية وأجهزة فحص السمع والكشف المبكر، حدّ من قدرة المختصين على اكتشاف حالات فقدان السمع والتدخل في الوقت المناسب، خصوصًا لدى الأطفال الذين تحتاج حالاتهم إلى متابعة مبكرة ومتواصلة.

ويكشف أن دراسة ميدانية أجرتها الجمعية على نحو 15 ألف شخص خلال السبعة أشهر الماضية، إلى جانب المشاهدات الميدانية، تشير إلى وجود نحو 35 ألف شخص في المجتمع يعانون من إعاقة سمعية دائمة أو متجددة، بحسب تقديرات الجمعية.

ويحذر عابد من أن المواليد خلال الحرب والأطفال دون ستة أشهر من أكثر الفئات عرضة للخطر، في ظل صعوبة إجراء الفحوصات والكشف المبكر والتدخل في الوقت المناسب، ما يجعل آثار الحرب ممتدة إلى ما بعد لحظة الانفجار نفسها.

ولا تقتصر الحاجة، بحسب عابد، على المعينات السمعية، بل تشمل أجهزة فحص السمع، وخدمات التأهيل وإعادة التأهيل، ووسائل تواصل تضمن وصول المعلومات والخدمات إلى الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية، بما يتيح لهم التعامل مع الخطر والرعاية والحياة اليومية باستقلالية أكبر.

البوابة 24