غزة/ البوابة 24- حلا أبو عيشة:
وسط لهيب خيمةٍ قماشية تنفث الحر في ميناء غزة، تجلس شيماء ابنة الخامسة والعشرين. تشخص بعينيها نحو قطعةٍ من مرآةٍ صغيرة انتشلتها من تحت ركام شقتها التي صرعتها الصواريخ في حي النصر، غربي المدينة.
عروسٌ لم تذق شهد البدايات إلا عدة أشهر قبل أن يهوي البيت فوق رأس الحلم، وتسقط الحياة في درك الخيام. تذكر الفتاة غرفتها الجديدة وهي تجول بناظريها في زوايا الخيمة "المقيتة"، وتقول: "كان لدي خزانة كاملة تعج بقوارير طلاء الأظافر وأحمر الشفاه الملونة والعطور الأصلية. أما مرآتي فكانت لوحدها حكاية".
تعود الفتاة بذاكرتها إلى شهر مايو/ أيار 2023م، عندما استقبلها بيت زوجها الذي رسمته -كما قال الكتاب- "طلبتُ منه مرآةً كتلك التي نراها في بيوت مشاهير السوشال ميديا.. كبيرة، ومحاطة بالمصابيح، كان لونها أبيض، وكنت في كل مرةٍ أتزين أمامها أنظر إلى مستقبل أسرتي لا سيما وقد رأيت فيها نفسي للمرة الأولى أمًا تنتظر أول فرحة".
اليوم، تلك الكسرة الزجاجية تعكس أطلال إنسانة: يدان احتشد السواد تحت أظافرهما من دخان الحطب، ووجه غائر تلفحه البقع الداكنة وحروق قشرية جراء لهيب الخيمة الخانق، وشعر متساقط ينسلّ بخفاء تحت ثوب صلاة صار جلبابًا أبديًا خشية القصف المفاجئ.
بات النظر في هذا الزجاج المحتضر مواجهة مريرة مع طيف يترنح على حافة الموت. تهمس شيماء وهي تمسح خدها المجهد: "لم أعد أتعرف على هذا الوجه القادم من القاع.. كلما دنيتُ من الكسرة الزجاجية، رأيتُ وجهًا لا أعرفه.. رأيتُ بيتي المفقود، وأيقنتُ أن الحرب لم تهدِم الجدران وحدها، بل طحنت الأنثى في داخلي."
وعلى مسافةٍ غير بعيدة، بين بقايا جدران متفحمة في حي الرمال الذي اجتاحه جنود الاحتلال أواخر ديسمبر 2023م، تقبع عبير ذات الأربعين عامًا داخل غرفة تتداعى كأنها قبر معلق.
علاقتها بالمرآة شاذة كالكابوس، فشظايا القصف البسيطة التي استقرت في وجهها قبل عامين، وإن التأمت جراحها الظاهرة، قد تركت ندوبًا غائرة في الروح لا تشفى. أضحت المرآة لديها تذكرة عبور جبارة إلى لحظة الاجتياح، حيث تتدفق في صفيحتها الزجاجية مشاهد الدماء والجثث الممزقة التي طوقتها في ذلك الشارع المظلم.
يكتمل المشهد المأساوي بحرارة الصيف اللافحة، وانقطاع النور، وآثار المجاعة القاسية التي نهشت أمعاء غزة؛ فنقص المعادن الحاد جفف النضارة من عروقها، واستحال وجهها إلى خريطة من الأسقام وعظام خدين بارزة كأنها شواهد قبور.
تقول عبير وهي ترقب وجهها الشاحب في عتمة الغرفة: "المرآة بالنسبة لي صارت ثقبًا أسود يطل مباشرةً على تلك الذكرى.. هروبي من وجهي هنا هو محاولتي الأخيرة لأقنع نفسي بأنني ما زلت حية، ولست مجرد جثة خلفتها الشظايا."
أما المعلمة المتقاعدة ماجدة (65 عامًا)، التي كانت بالنسبة لطالباتها أسطورة الأناقة التي لم يمر بقربها العمر، فقد أضحت وقفتها أمام المرآة أشبه بقضيةٍ خاسرة أمام قاضٍ صارم.
كانت أغطية رأسها حوارًا منسجمًا من الحرير، وثيابها تتتبع دروب الموضة والذوق المترفع، وصبغات شعرها اللامعة وطقوس الصالون الأسبوعية تشهد على شغف متجدد بالحياة.
اليوم، تقف "الأبلة ماجدة" أمام شظية مكسورة، تتفرس في التجاعيد التي حفرت أخاديدها العميقة تحت عينيها، والشيب الذي غزا رأسها دفعة واحدة عقب الأهوال التي عاينتها.
غابت أدوات التجميل، وانطفأت رغبتها القديمة حتى في تمشيط خصلاتها الشائبة. تختزل السيدة الستينية هذا الانكسار بلهجة ملؤها الأسى: "كان التأنق طريقتي الشريفة في امتنان الحياة، أما اليوم فالنظر في الزجاج يماثل قراءة لوح من الخراب.. هذا الشيب ليس حصاد الأعوام، بل هو رماد الأحلام والبسمات التي غابت في وجوه طالبات اغتالتهن الحرب."
وتؤكد الأخصائية النفسية ليلى علي، أن "إهمال الذات وفرار النساء من النظر في المرآة خلال الإبادة ليس مجرد زهد إجباري أو استسلام للنزوح، بل هو عرض خطير لانفصال النفس عن الجسد وضياع الهوية الذاتية".
وتشرح ذلك بقولها: "عندما تجرَّد المرأة قسرًا من أدوات العناية بنفسها، يبدأ عقلها الباطن في التعامل مع جسدها كوعاء خاوٍ مهمته الوحيدة البقاء على قيد الحياة، مفرغًا إياه من معاني الأنوثة، أو البحث عن الجمال الملتصق بطبيعة الأنثى".
وتضيف: "هذا الإهمال ينساب كاليقين المظلم ليلطخ سلوكيات المرأة وعلاقتها بأسرتها، إذ يتفشى الشعور بالعجز والعدمية في أرجاء اليوم، مخلّفًا صدمات متراكمة واكتئابًا مزمنًا"، وعلى حد تعبيرها فإن تجنب المرآة وضياع المعالم الأنثوية، يصنع على المدى البعيد، تشوهًا عاتياً في الصورة الذهنية للذات، ما يجعل ترميم الروح أمرًا شاقًا حتى بعد أن تسكت المدفعية.
ولمواجهة هذا التآكل المأساوي واستعادة السكينة الضائعة، تجزم الدكتورة علي بأن المواجهة تبدأ من تفاصيل صغيرة تخلق العصيان النفسي: "ما يجب أن يقال بقوة هو أن التجمُّل في زمن الفجيعة ليس ترفًا، بل هو ضرب من المقاومة والتمسك بالحياة، وما يجب أن يُفعل ينبع من تأسيس مساحات للدعم بين النساء، تبدأ فيها الأنثى برتق علاقتها بجسدها عبر طقوس بسيطة: الاغتسال كلما أمكن، تمشيط الشعر بعناية ورفق حتى تحت ثياب الصلاة، وتبادل الشجون مع رفيقات المأساة لكسر جدار العزلة".
فبحسب علي إن التجاوز لن يتحقق بإنكار الفقد، بل بإعادة صياغة مهمة المرآة في نظر النساء بغزة؛ لا كمعيار لجمال غابر، بل كنافذةٍ تشهد على القوة والقدرة على التكيف والبقاء. "إن نظرة واحدة شجاعة إلى الزجاج ترى فيها الروح ذاتًا قاومت وعبرت الجحيم، هي حجر الأساس لرتق الخرق بين الجسد والروح، ولإعادة إحياء هوية حاول الركام دفنها منذ أعوام" تختم.
