غزة/ البوابة 24- صفاء كمال:
لم يتخيل الطفل عماد القرعان أن حزنه الشديد على والده الشهيد، قد يترك آثاره على جسده العمر كله. ابن الثالثة عشرة أصيب بمرض السكر من النوع الأول بعدها بشهر، وصار عليه منذ ذلك اليوم أن يصنع خريطةً لحياته يسير وفقًا لها تبعًا لوضعه الجديد.
استشهد والد عماد مطلع أيلول/ سبتمبر 2025م، بينما كان متجهًا لما كان يعرف آنذاك بنقطة توزيع المساعدات "مؤسسة غزة الإنسانية"، لكنه لم يعد. عاد خبره بدلًا عنه، بينما بقي عماد يحمل في قلبه رواسب الغياب، وقهر الحرمان.
تقول الأم: "فقد طفلي في تلك الفترة شهيته، وصار كثير الصمت، قبل أن تظهر عليه أعراض دفعتني لعرضه على الطبيب"، موضحةً أن أكثر اللحظات قسوة كانت حين أخبرها الطبيب أن ابنها بات مريض سكر، "ومنذ ذلك الوقت، لم تعد أيامه تشبه أيام أقرانه.. صار طعامه محسوبًا والدواء حاضرًا، والخوف من ارتفاع السكر أو انخفاضه جزء من تفاصيل يومه ويومي" تضيف.
تصف الأم حاله اليوم: "شعرتُ أنه كبر فجأة. صار يسألني عن المرض أكثر مما يسأل عن اللعب".
لم يجزم الطبيب -وفقًا للأم- أن الحزن وحده تسبب في إصابة عماد بالسكري، لكنه أوضح لها احتمالية أن يكون الضغط النفسي الشديد قد أثر في مستويات السكر، وزاد من صعوبة السيطرة عليه. لكن ما يمكن أن تؤكده الأم لـ"البوابة 24"، أن طفلها مثل معظم أطفال غزة، كبروا عقودًا على أعمارهم بعدما عاشوا القهر والخوف والجوع والحرمان في قطاع غزة، وهرموا نفسيًا بعدما أصيبوا بأمراضٍ لا تناسب أعمارهم الغضة.
في خيمة أخرى بمنطقة الزوايدة وسط قطاع غزة، لم تعد لما، ذات الأعوام السبعة، تنظر إلى المرآة وتغني كما كانت تفعل من قبل. اليوم تراها من بعيدٍ فتهرب، وإن رأت وجهها فيها صدفة بكت..
بدأت الحكاية بأكزيما أصابت فروة رأسها، حسب والدتها مروى، "ثم اشتدت مع الحر والظروف القاسية داخل الخيمة، وتلوث المياه التي تصل إلى مخيم النزوح"، قبل أن يتساقط شعر طفلتها وتظهر في رأسها مساحات خالية منه.
تخبرنا: "تعاني ابنتي صلعًا بدرجة كبيرة. تخبئ رأسها كلما اقترب منها الأطفال، ثم بدأت تطلب غطاءً للرأس حتى في ساعات الحر. أكثر ما يؤلمها، ليس الحكة ولا حتى رؤية وجهها في المرآة، إنما أسئلة الأقران".
تبدو الطفلة كعجوزٍ أنهك العمر جسدها، وسحب منه كل مقومات نضارته. بشرة شاحبة، وشعر بفراغات كبيرة، وأسنان هشة تتكسر عن أقل سقوط. تقول الوالدة بحرقة: "صارت تسألني: ماما، هل سيعود شعري؟ بينما أنا أقف عاجزةً عن الإجابة".
وتؤكد أن المياه التي تحصل عليها الأسرة ليست دائمًا آمنة أو كافية، وأن الاستحمام والعناية اليومية بفروة الرأس أصبحا أمرًا شاقًا داخل الخيمة.
بخصوص العلاج، وصف لها الطبيب مراهم كورتيزون موضعية متوسطة القوة، مؤكدًا أن بعض الأمراض الجلدية والالتهابات التي سببتها المياه الملوثة وحرارة الخيام الصعبة أن تسبب تساقط الشعر، "أخبرني أنه قد تتفاقم مشكلات الجلد في ظروف الحرارة وسوء النظافة، بالإضافة إلى الوضع النفسي الصعب الذي يعيشه الأطفال حيث الخوف من القصف وظروف النزوح المريرة".
وفي غزة، يعيش الأطفال في بيئة مائية وصحية بالغة الصعوبة؛ إذ أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" في يوليو/تموز 2026م بأن 82% من الأسر تعاني انعدام الأمن المائي، وأن نحو 70% لا تحصل على أكثر من ستة لترات للفرد يوميًا، بينما تضرر أو دُمر نحو 90% من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي.
في خطٍ مقابل، يحمل محمد.ق (15 عامًا) منذ بدء الحرب بالإضافة إلى قهره وجعه وخوفه، ما هو ليس بطاقته. يحمل جالونات المياه إلى خيمته التي تبعد عن نقطة التعبئة المتعارف عليها قرب مخيم الإيواء الذي تعيش فيه أسرته في دير البلح وسط قطاع غزة نحو 200 متر.
عائلته الكبيرة المكونة من 15 فردًا (بينهم الجد والجدة، وثلاثة عمات غير متزوجات)، صارت تعتمد عليه بشكل كامل في تحصيل المياه، وقد حمل على عاتقه ذلك بشكل يومي، حيث يحمل الجالونات فارغة، ويعود بها ملأى إلى الخيمة على أكثر من دفعة.
مع الوقت، بدأ الألم في أسفل ظهره، ثم صار الجلوس والانحناء والحركة أكثر صعوبة. يقول والده لـ"البوابة 24": "الطبيب اشتبه في مشكلة مرتبطة بالغضاريف القطنية بعد الفحص، حيث إنه يداوم على حمل الأوزان الثقيلة ما يزيد الضغط على العمود الفقري".
يقول محمد: "رغم أوجاعي ما زلت مسؤولًا عن حمل الماء إلى الخيمة. فأنا أكبر الذكور، وأبي يخرج من الصباح بحثًا عن رزقنا. ليس أمامي خيار". يصمت قليلًا قبل أن يكمل: "للعلم كثير من أبناء جيلي باتوا يعانون من آلام في الظهر مثلي بسبب حمل الماء".
يضحكُ متعاليًا على وجعه، ويكمل: "نحن ختايرة في سن الأربعة عشر".
وتؤكد "يونيسف" أن أزمة المياه والصرف الصحي ما تزال تعرض الأطفال لخطر الجفاف والأمراض المنقولة بالمياه، في ظل تدمير واسع للبنية التحتية والخدمات الأساسية.
بدوره، يقول طبيب الأطفال د.بسام ناصر: "الحرب غيّرت طبيعة المشكلات الصحية التي يواجهها أطفال غزة، فلم تعد الإصابات المباشرة وسوء التغذية والأمراض المعدية وحدها حاضرة، بل برزت أيضًا صعوبات مرتبطة بالأمراض المزمنة، وآثار الضغط النفسي، واضطرابات النوم، والمشكلات العضلية والجلدية".
ويشرح أن الطفل لا يصبح "مسنًا" بالمعنى الطبي، لكن الظروف التي يعيشها قد تدفعه إلى مواجهة أعباء صحية وسلوكية عادة ما تكون أقل شيوعًا في هذا العمر؛ كالتعامل اليومي مع مرض مزمن، أو حمل أوزان تفوق قدرته، أو العيش مع ألم مستمر، أو فقدان النوم والأمان لفترات طويلة.
ويشير إلى أن الأطفال المصابين بأمراض مزمنة هم الأكثر هشاشة أمام انهيار الخدمات، فالسكري مثلًا يحتاج إلى دواء منتظم، وغذاء مناسب، وقياس مستمر للسكر، وهي أمور يصعب توفيرها في بيئة تعاني نقص الغذاء والدواء والخدمات الصحية.
وتظهر الخلفية الإنسانية حجم الضغط الواقع على الأطفال، ففي تقييم أجرته "يونيسف" أواخر 2025م، وبداية 2026م، وصفت المنظمة آثار الحرب والنزوح وانهيار الخدمات الأساسية على أطفال غزة بأنها متعددة الأبعاد، تشمل الصحة والمياه والتعليم والحماية والصحة النفسية.
كما أظهرت بيانات المنظمة أن 19,425 طفلًا في الأعمار بين ستة أشهر وخمس سنوات أُدخلوا خلال النصف الأول من 2026م لتلقي علاج سوء التغذية الحاد، بينما ظل الوصول إلى الخدمات الصحية والمياه والنظافة محدودًا بشدة.
وهكذا، لا تكبر أجساد أطفال غزة بالسنوات وحدها، بل تكبر بما تحمله.. عماد يحسب لقطعة الحلوى حسابًا، ولما تخفي شعرها بدل أن تزيّنه، ومحمد يحمل الماء بدل حقيبته المدرسية.. ثلاثة أطفال لم تمنحهم الحرب وقتًا كافيًا ليكونوا أطفالًا، فحملت أجسادهم أوجاعًا سبقت أعمارهم.
