غزة/ البوابة 24- حلا أبو عيشة:
موقفٌ قاسٍ عاشته "ن.س" (27 عامًا) قبل شهرين، حيث تعيش برفقة أطفالها الثلاثة في مخيمٍ للإيواء وسط قطاع غزة منذ استشهاد زوجها في الخامس من مايو/ أيار من العام الماضي.
الحر خانقٌ داخل الخيمة، والأرملة المكناة "أم محمد" عند بابها تعد شوربة الطماطم وبعض الأرز على نار الحطب. بالقرب منها كان محمد (6 سنوات) وشقيقه يلعبان، قبل أن يشير إليه عمه من بعيدٍ كي يأتيه.
ابتسم الصبي، وعاجَله يجري. عانقه طويلًا، ثم عاد مهللًا ينادي أمه: "ماما، عمي بدو يمر يطمن علينا بعد نص ساعة".
بطبيعة الحال، وضعت الأم على الطاولة طبقًا إضافيًا، وانتظرت قدوم العم (36 عامًا)، الذي اعتاد زيارة أولاد أخيه كل شهر مرة ليطمئن على أحوالهم.
تحكي "ن.س" لـ"البوابة 24": "جاء، وكعادته حمل بعض الحاجيات للأطفال وبعض السكاكر. ألقى السلام، وجلس يشاركنا الطعام في وجه باب الخيمة المفتوح".
تتابع السيدة بصوتٍ منكسر: "في ذلك اليوم، وجدت أطفالي وقد عادت إليهم الحياة. كانوا يرون فيه شيئًا من رائحة والدهم الغائب، ولذلك كانت زياراته تمنحهم شعورًا بأن شيئًا من أبيهم ما زال قريبًا.. لكن".
تلك اللحظات انكسرت سريعًا، حين دخلت سلفة "ن.س" كالعاصفة الهوجاء، وبدأت تصرخ متهمةً إياها بمحاولة "استمالته" ليتزوجها.
"قالت كلامًا صعبًا، كلما تذكرتُه غرقت في البكاء وسألتُ نفسي: لماذا قد تراني هي أو غيرها هكذا؟" تضيف، مؤكدةً أنها كانت ترى في سلفها أخًا أكبر فقط، وسندًا لأطفالها بعد استشهاد أبيهم.
تعقب: "طلبتُ منها بصوتٍ مرتجف أن تخفض صوتها لكنها لم تفعل. فضحتني في المكان، فهنا لا جدران تحمي الخصوصية، ولا أبواب نخبّئ أحاديثنا وعتابنا خلفها.. مجرد قماشٍ رقيق يفصل العائلات عن بعضها".
انتهى الموقف بالبكاء، وبسلفها وقد سحب زوجته من يدها إلى خيمتهم في الشارع المجاور.. "لكن تبعاته لم تنتهِ" تستدرك.
منذ ذلك اليوم، لم يزر العم أولاد أخيه، ولم يسأل عنهم. ومنذ ذلك اليوم أيضًا، تحاصر "ن.س" نظرات بعض جيران الخيمة، التي تحمل اتهاماتٍ مُرة.
كانت "ن.س" فقط تحاول أن تربي أبناءها في ظروف قاسية، لكن فقدان الزوج لم يكن نهاية معاناتها.. كان بداية حياة جديدة مخيفة، وفق ما تصف.
"عبءٌ آخر لا يظهر في صور الحرب ولا في أرقام الضحايا.. أن أصبح بعدما فقدتُ زوجي، مطالبةً بإثبات براءتي من كل موقف، وتبرير كل زيارة، والدفاع عن أبسط اختياراتي.. ولو كانت تتعلق بلون حجابٍ جديد!" تقول.
وليست أم محمد وحدها. فخلف أقمشة الخيام والبيوت المدمرة بغزة، نساء يعشن الفقد نفسه، لكنهن يواجهن -وهنا لا نعمم- إلى جانب ألم الغياب، نظرات الشك والهمسات والأحكام الاجتماعية.
نساء فقدن أزواجهن في الحرب، ثم وجدن أنفسهن في مواجهة حرب أخرى، "حربٌ لا قصف فيها ولا صواريخ، لكنها قادرة على أن تجعل الأرملة تخاف حتى من أن يراها الناس وهي تحاول أن تعيش" كما تعبّر.
ووفقًا لإحصائية صادرة عن وزارة التنمية الاجتماعية في يونيو/ حزيران 2026م، فقد ارتفع عدد الأرامل في قطاع غزة إلى (28,224) أرملة، مقارنة بـ (22,596) أرملة قبل الحرب، في مؤشر يعكس حجم المأساة الاجتماعية والإنسانية.
وتستحوذ محافظة غزة على النسبة الأكبر من الأرامل بواقع (40.8%)، تليها محافظة شمال غزة بنسبة (22.5%). فيما تشير الإحصاءات إلى أن (64%) من الأرامل، أي نحو (16,877) امرأة، هن في سن العمل والإنتاج، الأمر الذي يضاعف الحاجة إلى برامج الحماية والتمكين الاقتصادي، إلى جانب الدعم النفسي والاجتماعي.
جميلة (اسمٌ مستعار)، وتبلغ من العمر (23 عامًا). فقدت زوجها قبل نحو عام ونصف، ولم تُرزق بأطفال. تقول: "خروجي إلى السوق لم يعد مجرد طريق لشراء احتياجاتي، فمنذ أن أغادر الخيمة، تبدأ الهمسات حتى أعود: "لمن تتزين؟ لماذا كل هذا الترتيب وزوجها شهيد؟ لماذا تضع الكحل؟ هل خرجت لشراء الطعام أم للبحث عن زوج؟ إلى أين ذهبت.. وغير ذلك الكثير".
وبرغم أنها انتقلت لتعيش في خيمة أهلها، إلا أن هذا لم يبعدها عما تسميه "دائرة الشبهة" التي أقرها بعض جيران المخيم.
تخبرنا: "أتزين أحيانًا كي أستعيد شيئًا من ذاتي التي فقدتها بعد استشهاد زوجي. أرتدي ملابس مرتبة، وألوان زاهية.. من حقي أن أعيش حياتي كما أراها تناسبني. لماذا عليَّ أن أنصاع لنظرة المجتمع الصعبة هذه؟"، متسائلةً: "هل علي أن أدفن نفسي خلفه؟ هو زوجي وحبيبي وفقيدي لكن الله أراد لي الحياة.. هل أقتل نفسي ليرتاح الناس؟".
ولا تتوقف "الوصمة" التي باتت تلاحق جميلة عند كلمة أو نظرةٍ عابرة، بل -يا للأسف- تحولت مع الوقت إلى قيد اجتماعي دفعها إلى مراقبة نفسها باستمرار، والتفكير في نظرة الآخرين قبل التفكير في حاجاتها وما تريده هي.
بدورها، تؤكد الأخصائية النفسية ليلى علي أن "نظرة المجتمع إلى الأرملة ليست واحدة، وأن كثيرًا من الأسر والمحيطين يقدمون بالعادة الدعم والحماية، لكن بعض الممارسات الاجتماعية قد تضع الأرملة تحت رقابة أكبر من المعتاد، فتُفسر تصرفاتها بطريقة مختلفة لمجرد أنها فقدت زوجها".
وتوضح أن بعض النساء قد يشعرن بأنهن مطالبات بإثبات التزامهن بصورة معينة من الحزن، أو تبرير خروجهن وعلاقاتهن الاجتماعية واهتمامهن بمظهرهن، وهو ما قد يولد لديهن شعورًا بأن حياتهن أصبحت موضع تقييم دائم.
وتقول: "عندما تتكرر التعليقات أو الأسئلة أو الأحكام، قد تبدأ المرأة في مراقبة نفسها بنفسها؛ فتفكر قبل أن تتحدث أو تخرج أو تتخذ قرارًا في الطريقة التي سينظر بها الآخرون إلى تصرفها. ومع الوقت، يمكن أن تتحول هذه الرقابة إلى عزلة وانسحاب وتقليل من الثقة بالنفس".
وترى علي أن الوصمة، عندما تحدث، قد تضيف طبقة جديدة إلى الحزن، "لأن المرأة لا تعود منشغلة فقط بفقد زوجها، ومسؤولياتها التي خلّفها ذلك، إنما تصبح مطالبة أيضًا بإدارة صورة اجتماعية معينة عن نفسها، بدل أن تحصل على المساحة اللازمة للحزن والتعافي وإعادة ترتيب حياتها".
وتؤكد أن التعامل النفسي السليم مع الأرامل يجب أن ينطلق من احترام حقهن في الاستمرار بالحياة، موضحة أن الاهتمام بالمظهر أو الخروج أو العمل أو بناء علاقات اجتماعية جديدة لا يعني التخلي عن ذكرى الزوج أو عدم الوفاء له.
وتزيد: "مواجهة هذه الضغوط تبدأ من الأسرة، عبر توفير بيئة آمنة لا تقوم على المراقبة والاتهام، إلى جانب تعزيز الوعي المجتمعي بأن الأرملة امرأة لها احتياجات وحقوق وقرارات خاصة بها".
وتقترح توفير جلسات دعم نفسي فردية وجماعية، ومساحات آمنة للنساء للتعبير عن تجاربهن، وبرامج تمكين اقتصادي تساعد الأرامل على الاعتماد على أنفسهن، إلى جانب حملات توعية تستهدف المجتمع بمختلف فئاته"، مختتمةً حديثها بالقول: "الأرملة تحتاج إلى السند لا إلى الوصاية، وإلى من يساعدها على استعادة توازنها لا إلى من يفرض عليها شكلًا معينًا للحزن أو الحياة. فقدان الزوج مؤلم بما يكفي، ولا ينبغي أن يتحول إلى سبب لفقدان المرأة حقها في أن تعيش ما تبقى من حياتها بكرامة".
