أثار تقرير بثته قناة إسرائيلية جدلًا واسعًا بعدما حاول الربط بين اكتشاف أثري حديث في منطقة تل أبو سيفي بالقنطرة شرق وبين روايات توراتية مرتبطة بقصة "الخروج"، رغم تأكيد الجانب الأثري المصري أن الاكتشاف يمثل مؤشرًا مهمًا لكنه لا يكفي وحده لحسم هوية المدينة القديمة أو موقعها بشكل نهائي.
اكتشاف أثري يعيد اسم "مسان" إلى الواجهة
وقالت القناة 14 الإسرائيلية إن العثور على نقش يحمل ألقاب الملك رمسيس الثاني ويتضمن إشارة إلى الإله حورس قد يساعد في حل لغز أثري استمر البحث عنه لأكثر من قرن، ويتعلق بتحديد الموقع الحقيقي لمدينة "مسان" المصرية القديمة.
وجاء الاكتشاف ضمن أعمال أثرية في تل أبو سيفي حيث عثر الباحثون على جزء من عتبة حجرية تحمل النقش، وهو ما اعتبرته وزارة السياحة والآثار المصرية دليلًا مهمًا يمكن أن يضيف إلى المعرفة المتوفرة بشأن المنطقة دون اعتباره دليلًا نهائيًا على تحديد موقع المدينة.
مصر تحذر من التسرع في حسم موقع المدينة
وتؤكد المعطيات الأثرية المصرية أن تحديد "مسان" بشكل قاطع لا يزال بحاجة إلى مزيد من أعمال التنقيب والدراسة والفحوص العلمية، وأوضح هشام الليثي الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن النقش الجديد يدعم مجموعة من الأدلة التاريخية والأثرية التي تربط منطقة تل أبو سيفي بمدينة "مسان"، لكنه شدد على أن الوصول إلى نتيجة نهائية يتطلب استكمال الحفائر والتحقق من الأدلة المتاحة، وتتناقض هذه النقطة مع محاولات تقديم الاكتشاف باعتباره حسمًا نهائيًا للجدل الممتد حول موقع المدينة.
لماذا أثار رمسيس الثاني اهتمام الإعلام الإسرائيلي؟
ركز التقرير الإسرائيلي على ظهور اسم رمسيس الثاني في النقش، وربطه بصورة مباشرة بالروايات التوراتية التي تتحدث عن فرعون "الخروج"، كما حاول التقرير الاستناد إلى التشابه بين اسم "رعمسيس" الوارد في سفر الخروج ومدينة "بي رعمسيس" المصرية، إلا أن هذا الربط يظل ضمن إطار التأويلات التي تحتاج إلى أدلة تاريخية وأثرية مستقلة ولا يمكن اعتباره إثباتًا بحد ذاته لصحة الرواية التوراتية.
ويُذكر أن رمسيس الثاني حكم مصر خلال القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وهي الفترة التي تحاول بعض القراءات التوراتية ربطها بأحداث "الخروج".
قصة قديمة وراء البحث عن "مسان"
لا يعود الجدل حول المدينة إلى الاكتشاف الأخير، إذ سبق العثور في عام 1887 على أحجار تحمل اسم رمسيس الثاني وإشارات مرتبطة بحورس مسان في منطقة تل أبو سيفي، وأثارت تلك المكتشفات تساؤلات بين الباحثين بشأن طبيعة "مسان"، وما إذا كانت مدينة مستقلة، أو اسمًا آخر لمنطقة "ثارو" المحصنة أو مرتبطًا بمعبد مخصص لعبادة حورس في المنطقة.
ولم تحسم الدراسات اللاحقة المسألة بشكل نهائي، إذ أشارت دراسة نشرت عام 2013 إلى عدم وجود أدلة كافية تثبت نشاطًا يعود إلى عهد رمسيس الثاني في الموقع، مع طرح احتمال أن تكون الأحجار التي تحمل اسمه قد نقلت من منطقة مجاورة.

موقع استراتيجي على الحدود الشرقية
تكتسب منطقة تل أبو سيفي أهمية خاصة بسبب موقعها في شمال شرق مصر بالقرب من الطرق القديمة التي كانت تربط وادي النيل بشبه جزيرة سيناء والمناطق الواقعة شرقها، وترتبط المنطقة بما يعرف تاريخيًا بـ"طريق حورس" أحد المسارات الرئيسية التي استخدمها المصريون القدماء في التحرك شرقًا، سواء لنقل الجنود أو البضائع أو الرسائل، وصولًا إلى مناطق سيناء وكنعان.
كما كشفت أعمال التنقيب عن تفاصيل جديدة حول طبيعة الموقع نفسه بعدما كان يعتقد في السابق أن أحد الجدران الضخمة المصنوعة من الطوب اللبن يمثل جزءًا من معبد، قبل أن تشير الدراسات الحديثة إلى احتمال كونه سورًا يحيط بالمجمع الديني بأكمله مع تعرضه لمراحل مختلفة من التوسع والتعديل.
ماذا كشفت الحفريات داخل المجمع؟
أسفرت أعمال التنقيب عن العثور على مجموعة من المنشآت والقطع الأثرية، من بينها مخازن وغرف خدمية وأجزاء مرتبطة بالمنطقة المقدسة من المعبد، كما ظهرت قطع وتماثيل تعرض بعضها للتلف أو إعادة الاستخدام في فترات لاحقة، بينها أجزاء لتمثال يصور رجلًا عسكريًا يحمل مجسمًا لمعبد صغير، وتمثال آخر فقد أجزاء من جسده، إضافة إلى جزء من تمثال ملكي مصنوع من البازلت وشظايا لتماثيل على هيئة الصقر المرتبط بالإله حورس.
وتقدم هذه المكتشفات صورة عن الأهمية الدينية والعسكرية التي تمتعت بها المنطقة في مصر القديمة، خاصة في ظل موقعها الاستراتيجي على الطريق المؤدي إلى الحدود الشرقية.
بين البحث العلمي والتوظيف السياسي للتاريخ
وتكمن أهمية النقش الجديد، من الناحية العلمية، في إمكانية أن يساعد الباحثين على ربط اسم ورد في مصادر ونقوش قديمة بموقع جغرافي محدد، إذا أكدت أعمال التنقيب المستقبلية أن تل أبو سيفي هو بالفعل موقع "مسان".
لكن تحويل هذا الاحتمال الأثري إلى دليل على روايات دينية أو تاريخية محددة يحتاج إلى أكثر من مجرد تشابه في الأسماء أو الموقع الجغرافي، وهو ما يجعل استكمال البحث العلمي أمرًا أساسيًا قبل إطلاق استنتاجات نهائية.
ويعيد التقرير الإسرائيلي بذلك النقاش حول توظيف الآثار المصرية في تفسير روايات توراتية، خاصةً أن وجود موقع أثري في شرق مصر أو ارتباطه بفترة حكم رمسيس الثاني لا يشكل وحده دليلًا تاريخيًا على الأحداث الواردة في الروايات الدينية.
اكتشاف مصري جديد
وبينما يمثل النقش المكتشف إضافة مهمة إلى سجل الآثار المصرية في منطقة القنطرة شرق، فإن تحديد هوية "مسان" بصورة نهائية لا يزال مرتبطًا بنتائج الحفريات والدراسات المقبلة.
ولهذا تبقى القيمة الأساسية للاكتشاف في ما يمكن أن يكشفه عن تاريخ الحدود الشرقية لمصر القديمة وشبكة الطرق والمنشآت العسكرية والدينية التي ازدهرت في المنطقة، بعيدًا عن التفسيرات التي تتجاوز ما تسمح به الأدلة الأثرية المتاحة حاليًا.
