غزة/ البوابة 24- حلا أبو عيشة:
في القاهرة، تتكسر الإضاءة على أطراف الممر المؤدي لقاعة الفرح، وتنساب الموسيقى دافئةً تُبشّر بدخول العروس. كل المدعوين صفقوا، لكن "شام" -التي تركت غزة مرافقةً لمريضةٍ طفلة- وحدها كانت تسمع صدى صوتٍ آخر.. شهقات دموع شقيقها ووالدها بغزة.
ذلك الطريق المفروش على جانبيه بالورد الملون لم يكن بالنسبة لشام سوى دربٍ من الجمر. يبدو المشهد للرائي اكتمالًا ظاهريًا للبدايات، لكن تحت طيات ذلك الفستان الأبيض يخفق قلبٌ يأكله الشوق والوجع.
تُزف "شام" في مشيتها لا تسندها يدُ أبٍ يرمقها بحنو العمر، ولا كتف أخٍ كان يتهيأ ليكون حارس ليلتها الكبرى. كانت تمشي كأنها تعبر ممرًا من الضباب؛ ابتسامة مكسورة ترتعد على الشفاه، وعينان تشخصان نحو الباب المغلق علّ معجزةً تطرق الزجاج وتُعيد الغائبين.
في تلك اللحظة الرهيبة، كان يختنق في حنجرتها صوت يستغيث بأهلٍ خلف الحدود، "فالفرح الذي يغيب فيه صوت الأحبة يصبح رسمًا كئبًا على جدارٍ ينهار" تقول.
"كان نفسي أكون معك بهاد اليوم.. إنتي أول فرحة بعيلتنا"، قالها شقيقها عزيز عرفات -ابن حي الشجاعية المدمر- في رسالةٍ صوتيةٍ مقتضبة بثّها "الدي جي" لم تُخفِ ارتجافة دمعه.
في ثنايا كلماته امتزجت زفرات الشوق بغصة الحصار، لكنه حاول أن يبدو صلبًا وأن يضحك كأنه معها هناك.
في تلك القاعة، وكما بات يحدث في كل أعراس الفلسطينيين الذين أجبرتهم الإبادة على النزوح إلى دولٍ شقيقة، كُتب على شاشة الهاتف أن تغدو المحراب الوحيد للم الشمل: اتصالاتٌ متقطعة، ووجوهٌ تلوح للحظات خاطفة ثم تغرق في السواد.
في عرس "شام"، وما إن أطل وجه والدها عبر الشاشة حتى تهاوت كل ادعاءات القوة.. سالت دموع الأب الذي حُرِم حقه في زفاف ثمرة فؤاده، وانهمرت دموع الأخ والأخت، ولم تجد العروس مفرًا من أن تفرغ حزنها في دموع انهمرت عنوة.
تحول الفرح إلى مأتم للغياب؛ بين أهل حضروا بأجسادهم، وآخرين كانت أرواحهم تحوم فوق المكان، حال بين الخافقين حصار قسري وحرب لا ترحم.
هذا الغياب لم يكن محض مصادفة جغرافية، فمنذ مطلع مايو/ آيار من عام 2024م، ومع سيطرة القوات الإسرائيلية على الجانب الفلسطيني من معبر رفح البري وإغلاقه بالكامل، أُحكمت القبضة على المنفذ الوحيد لأهالي غزة نحو العالم الخارجي.
تحول المعبر، الذي كان شريان الحياة وأمل اللقاء، إلى بوابة مغلقة بالحديد والنار، تُمنع عبرها الحركة، وتُقطع من خلالها أسباب التواصل الجسدي، ليغدو السفر أمنية نائية، ويتحول لمّ الشمل أضغاث أحلام، مخلفًا آلاف العائلات المبتورة على طرفي الحدود.
قصة "شام" لم تكن إلا الفصل الأول من مأساة يتكرر إيقاعها في كل بقعة. فالأفراح حول غزة وفي شتاتها لم تعد تشبه الأفراح. الحرب لم تخلّف فقط جثامين في القبور، بل خلقت جيلاً يعيش بقلوب مبتورة: أطفال كبروا بلا سند، وإخوة انتُزعوا من ذاكرة بعضهم، وعائلات تطارد الأمل عبر الأثير.
خلف كل زغرودة في هذه العتمة، ينبثق الصوت عن غائب، وخلف كل كرسي فارغ تختبئ حكاية وجع، وسؤال يتردد في أروقة الصمت: من كان يجب أن يكون هنا؟ ولماذا حالت الظروف دون وصوله؟
وحيدًا تمامًا
عبد الكريم الخضري أيضًا، البالغ من العمر 29 عامًا، لم يخرج من غزة بحثًا عن حياةٍ بعيدةٍ عن أهله، بقدر ما خرج يحمل على كتفيه عبء النجاة وإعالة عائلةٍ بقيت خلفه هناك.
عامان قضاهما في مصر، كان يحاول خلالهما أن يصنع من الغربة بابًا صغيرًا للرزق، في وقتٍ ضاقت فيه الخيارات، وأصبح البقاء تحت وطأة الحرب والحصار خطرًا لا يستطيع دفعه.
وبعد عامين من الغياب في مصر، قرر أن يتزوج. كان يفترض أن تكون خطوته الأولى عائليةً بامتياز؛ أن يذهب إلى بيت عروسه برفقة والده، أو أحد إخوته وأقاربه، يحملون معه فرحة اختيار شريكة حياته.. لكنه ذهب وحده.
ثلاث ساعاتٍ جلسها عبد الكريم في منزل عائلة عروسه، كان صمته خلالها يفضح ارتباكه. شاب يجلس أمام عائلة عروسه يريد أن يطلبها، بينما أبوه وإخوته وأقاربه، الذين كان يفترض أن يكونوا إلى جواره في هذه اللحظة، بعيدون في غزة.
طلب عبد الكريم يد عروسه دون أبٍ يسنده، ودون أخٍ يشاركه الفرحة، ودون قريبٍ يخفف عنه رهبة الخطوة الأولى. وفي لحظة قراءة الفاتحة، كان الغياب حاضرًا أكثر من أي وقتٍ مضى، لم يكن ينقص المكان شيءٌ بقدر ما كان ينقصه أهله.
جاء يوم الزفاف، وارتدى عبد الكريم بدلته واستعد ليكون عريسًا، لكن التفاصيل الصغيرة التي تبدو عاديةً في أي بيتٍ كانت بالنسبة إليه مأساة.
لم تكن زغاريد والدته تملأ المكان، ولم يكن والده هناك ليساعده في لفّ ربطة عنقه، ولم يطرق أحدٌ باب غرفته ليمازحه أو يلتقط له صورة، أو يشاركه تلك الدقائق القصيرة التي تسبق خروج العريس إلى قاعة الفرح.
تجهز عبد الكريم وحده في غرفةٍ باردة، وفي القاعة، كان الغياب أكثر وضوحًا، حتى بدا أن الفرح نفسه يبحث عن أصحابه خلف الحدود.
يقول عبد الكريم لـ"البوابة 24": "لم يحضرها أحد من أهلي، سوى ابن خالتي، فكان الاتصال عبر تطبيق الواتساب هو الحل الوحيد ليشاركوني الفرح.. كانت الدموع رفيقتنا طوال المكالمة".
أما والدته، التي كانت تناديه "مهجة قلبي"، فكانت تحمل في قلبها شعورين متناقضين: فرحةٌ لا توصف وهي تراه برفقة عروسه يبتسم، ووجعٌ يثقل القلب لأنها بقيت في غزة، تتابع زفافه من بعيد، دون أن تراه عريسًا أمام عينيها.
كانت سعيدةً لأنه تزوج، لكن قلبها كان يحترق لأنها لم تكن هناك.
"شبكة الأمان العاطفية"
وتقول الأخصائية النفسية ليلى علي: "هؤلاء العرسان لم يفقدوا الأشخاص لكنهم فقدوا اللحظة، وهذا فارق مهم نفسيًا، فالواحد منهم يعرف أن والديه وإخوته ما زالوا على قيد الحياة، لكنه محرومٌ من وجودهم في لحظة ذات قيمة رمزية وعاطفية كبيرة".
ويمثل الزواج عادةً انتقالًا في حياة الإنسان، حيث يحتاج الفرد فيه -والحديث لعلي- إلى ما يسمى نفسيًا بـ"شبكة الأمان العاطفية"، التي تعني وجود الأشخاص الذين يمنحونه الإسناد والطمأنينة والشعور، "لكن عندما يحدث هذا الانتقال في ظل الحرب والانفصال القسري، فإن الشخص لا يعيش فرحة الزواج منفصلة، وإنما يعيش معها إحساسًا بالاقتلاع والانقسام والذنب والاشتياق" تستدرك.
ووفقًا لها، قد يبدو العريس/ العروس سعيدًا/ـةً أمام الناس، يضحك ويلتقط الصور ويشارك في الاحتفال، لكن ذلك لا يعني أن التجربة تُعاش داخليًا بالفرح نفسه، "فالأثر يختلف من شخص إلى آخر، وقد تظهر مجموعة من المشاعر، مثل الحزن المختلط بالفرح، وهي من أكثر الحالات تعقيدًا، إذ يجد الشخص نفسه مطالبًا بأن يكون سعيدًا في الوقت الذي يشعر فيه بالألم، بالإضافة إلى الشعور بالذنب، خصوصًا وهو يشعر أنه يبدأ حياة جديدة في منطقة آمنة، بينما بقي أهله في ظروف الحرب.. وهنا قد يظهر السؤال الداخلي: كيف أفرح وهم هناك؟" تقول.
وتضيف: "يشعر العرسان هنا بأن اللحظة غير مكتملة، لا ينتهي فيها الاشتياق بانتهاء مراسم الزواج، لأن المناسبة تصبح لاحقًا ذكرى مرتبطة بمن غاب عنها"، ملفتةً إلى أن بعض الأشخاص لا يستطيعون أحيانًا أن يعيشوا مشاعرهم أثناء الزفاف بسبب انشغالهم بالتنظيم والضيوف ومحاولة الظهور بشكلٍ متماسك، ثم تظهر المشاعر بعد انتهاء المناسبة، "وهنا، لا يحتاج هؤلاء الأشخاص إلى أن نطلب منهم نسيان ما حدث أو تجاوز غياب أهلهم.. ما يحتاجونه هو أن نعترف بأن الفرح والحزن يمكن أن يعيشا في القلب نفسه، وأن الإنسان يستطيع أن يبدأ حياة جديدة دون أن يتخلى عن الذين تركهم خلفه".
لكن، هل يمكن أن يؤثر ذلك في الحياة الزوجية بعد الزواج؟ تجيب علي بالقول: "نعم، لكن ليس بالضرورة بصورة مرضية أو حتمية، فإذا ظل الشعور بالفقد والذنب والقلق مكبوتًا، فقد ينتقل أثر التجربة إلى العلاقة الزوجية. قد يصبح أحد الزوجين أكثر حساسية، أو سريع الانفعال، أو شديد التعلق بأسرته، أو منشغلًا بصورة مستمرة بما يحدث لهم".
في الوقت ذاته -تكمل- قد يشعر الطرف الآخر أحيانًا بأنه ينافس "غيابًا" لا يستطيع التغلب عليه، أو أن شريكه حاضر جسديًا في البيت لكنه يعيش جزءًا كبيرًا من مشاعره في مكان آخر.
وتوضح أن هذا لا يعني أن الزواج سيكون محكومًا عليه بالفشل، "بل بالعكس يمكن للعلاقة الزوجية نفسها أن تصبح مساحة أمان تساعد الشخص على التعامل مع التجربة"، مؤكدةً أن الإنسان لا يستطيع تجاوز لحظات الغياب فعليًا، "لكنه يستطيع التكيف مع التجربة ودمجها في الذاكرة والحياة الجديدة".
في أفراح الغزيين خارج موطنهم، لا تبدو الحرب بعيدةً عن قاعات الأفراح، إنها تجلس في المقاعد الفارغة، وتظهر في الوجوه التي تعجز عن الوصول، وتختبئ في الهواتف التي تحاول أن تكون بديلًا عن الأحضان، وفي مكالمات الفيديو التي تحاول أن تفعل ما تعجز عنه المسافات والحواجز والحرب.
في كل عرس خارج غزة حكاية غائب، وفي كل فرحةٍ ناقصة مقعدٌ فارغ، مقعدٌ كان يجب أن يكون عليه شخصٌ ما يضحك من قلبه ويصفق للعروسين بحب.
