غزة لا تريد وصاية جديدة

رامي الغف.jpg
رامي الغف.jpg

بقلم:رامي الغف *

حديث نيكولاي ملادينوف عن قوة الاستقرار الدولية، وإعادة إعمار غزة، واللجنة الوطنية لإدارة القطاع، ونزع السلاح، وانسحاب إسرائيل، يكشف أننا أمام مشروع أكبر بكثير من مجرد إعادة بناء ما دمرته الحرب. نحن أمام محاولة لرسم شكل غزة في المرحلة المقبلة: من يحكم؟ من يحمي؟ من يحمل السلاح؟ ومن يملك قرار الإعمار؟ والسؤال الذي يجب أن يُطرح بصراحة: هل نحن أمام سلام حقيقي، أم أمام إدارة جديدة للأزمة الفلسطينية؟ غزة تحتاج إلى الإعمار، ولا أحد يختلف على ذلك. تحتاج إلى البيوت والمستشفيات والمدارس والمياه والكهرباء والعمل. وتحتاج قبل كل شيء إلى أن يتوقف الموت والدمار. لكن الغزي الذي عاش الحرب لا يريد أن يستبدل الخوف من القصف بالخوف من الوصاية، ولا يريد أن يتحول الإعمار إلى ثمن سياسي، ولا أن تصبح المساعدات وسيلة لفرض واقع جديد عليه. نعم، نريد قوة دولية إذا كانت مهمتها حماية المدنيين وضمان الأمن وتنفيذ الانسحاب الإسرائيلي، لا إذا تحولت إلى قوة تراقب الفلسطينيين وتفرض عليهم واقعًا سياسيًا وأمنيًا من الخارج.

ونعم، نريد نزع فتيل الحرب وإنهاء عسكرة القطاع إذا كان ذلك جزءًا من اتفاق شامل ومتوازن، لكن لا يمكن أن يكون نزع السلاح من طرف واحد، بينما تبقى أسباب الصراع والاحتلال والتهديدات مفتوحة. غزة لا تريد أن تُدار إلى الأبد، غزة تريد أن تعيش. وإذا كانت هناك مليارات ستدفع لإعادة الإعمار، فالأهم من حجم الأموال هو وجود ضمانات حقيقية تمنع إعادة تدمير غزة بعد سنوات أو أشهر. لا يمكن أن نبني بيتًا اليوم ثم ننتظر طائرة تهدمه غدًا. ولا يمكن أن نبني مدرسة لأطفال غزة بينما يبقى مستقبل هؤلاء الأطفال رهينة جولة جديدة من الحرب. المطلوب ليس فقط إعادة إعمار الحجر، وإنما إعادة بناء الإنسان الفلسطيني وحماية حقه في الحياة والحرية والكرامة.

ومن هنا، فإن أي خطة لغزة يجب أن تقوم على قاعدة واضحة: لا وصاية على الشعب الفلسطيني، ولا إدارة مفروضة من الخارج، ولا إعمار بلا ضمانات، ولا أمن بلا حقوق، ولا سلام بلا عدالة. غزة ليست ورقة على طاولة المفاوضات، وليست أرضًا بلا أهل، وليست مشروعًا تجريبيًا للقوى الدولية. غزة جزء من فلسطين، وأهلها أصحاب المصلحة الأولى في مستقبلها. إذا كان العالم يريد حقًا إنهاء مأساة غزة، فليساعد الفلسطينيين على بناء حياتهم، لا على إعادة ترتيب معاناتهم. غزة لا تريد صدقة سياسية، غزة تريد فرصة للحياة. وهنا يبدأ السلام الحقيقي: حين يصبح الفلسطيني آمنًا في بيته، حرا في أرضه، قادراً على بناء مستقبله، ومطمئنًا أن ما يبنيه اليوم لن يُدمّر غدًا. *إعلامي وباحث سياسي

البوابة 24