قررت المدارس الفلسطينية في مدينة القدس المحتلة تعليق الدوام الدراسي، غدًا الثلاثاء، بالتزامن مع انطلاق العام الدراسي الجديد، وذلك على خلفية أزمة تصاريح دخول عدد من المعلمين والعاملين، وسط تحذيرات فلسطينية من تداعيات السياسات الإسرائيلية على التعليم والمناهج والهوية الوطنية للطلبة، وأعلن أصحاب المدارس الخاصة في القدس، وهي المدارس الفلسطينية غير التابعة لبلدية الاحتلال، مساء اليوم الإثنين، تعليق الدراسة في جميع مدارس المدينة اعتبارًا من صباح الثلاثاء 1 سبتمبر/أيلول 2026، على أن يستمر التعليق حتى إشعار آخر.
بيان مدارس القدس
وأوضح بيان صادر عن أصحاب المدارس أن القرار جاء بعد إقدام سلطات الاحتلال بشكل مفاجئ ودون إخطار مسبق على عدم تجديد تصاريح الدخول لعدد كبير من المعلمين والمعلمات وأفراد الطواقم المساندة، الأمر الذي منع الكوادر التعليمية من الوصول إلى مدارسهم وأصبح معه افتتاح العام الدراسي في موعده أمرًا متعذرًا، وأشار البيان إلى أن ضعف جاهزية عدد من المدارس من الناحية الصحية إلى جانب مشكلات النظافة ومتطلبات الأمن والسلامة، يمثل عائقًا إضافيًا أمام بدء العام الدراسي في ظروف آمنة ومستقرة تضمن سلامة الطلبة والعاملين.
وأكد أصحاب المدارس أن قرار تعليق الدوام جاء عقب مشاورات وتنسيق مع مختلف الجهات المعنية وفي مقدمتها ممثلو أولياء الأمور، مشددين على أن سلامة الطلبة وحقهم في الحصول على تعليم آمن وفي بيئة مناسبة يمثلان أولوية، ودعا أصحاب المدارس أولياء الأمور إلى تفهم الظروف الاستثنائية التي حالت دون بدء الدراسة، مؤكدين أن العملية التعليمية سوف تستأنف فور إعادة إصدار وتجديد جميع التصاريح الخاصة بالمعلمين والعاملين، دون استثناء.
وفي السياق ذاته، اعتبر الرفاعي أن ما يحدث يأتي ضمن سياسة ممنهجة تستهدف التعليم الفلسطيني في القدس، محذرًا من محاولات فرض الرواية الإسرائيلية على حساب المنهاج الفلسطيني بما يمس حق الطلبة المقدسيين في تلقي تعليم يحافظ على تاريخهم وهويتهم وثقافتهم الوطنية، وبحسب معطيات أوردتها تقارير إسرائيلية، من المتوقع أن يدرس أكثر من 45 ألف طالب فلسطيني في القدس الشرقية وفق المنهاج الإسرائيلي خلال العام الدراسي 2026/2027، من إجمالي يقارب 120 ألف طالب، بما يعادل نحو 38% من طلبة المدينة.
أرقام تكشف توسع المنهاج الإسرائيلي
وتشير البيانات إلى أن 39,363 طالبًا سيلتحقون بـ105 مدارس بلدية تعتمد المنهاج الإسرائيلي، فيما سيتلقى 5,085 طالبًا آخرون التعليم ذاته في مؤسسات مصنفة ضمن المدارس "المعترف بها وغير الرسمية".
وتكشف مقارنة الأرقام خلال السنوات الماضية عن زيادة متواصلة، إذ ارتفع عدد الطلبة الذين يدرسون وفق المنهاج الإسرائيلي من 10,347 طالبًا خلال العام الدراسي 2020/2021 إلى 19,402 طالب في 2024/2025، ثم وصل إلى 27,041 طالبًا في 2025/2026.
ويعتبر مسؤولون فلسطينيون أن هذا الارتفاع يعكس توسعًا تدريجيًا في نطاق تطبيق المنهاج الإسرائيلي داخل مدارس القدس الشرقية، بما يغير طبيعة المشهد التعليمي في المدينة.
ضغوط على المدارس والمؤسسات التعليمية
وتتهم محافظة القدس السلطات الإسرائيلية باتباع سياسة تدريجية للضغط على المدارس الفلسطينية، تشمل إدارات المؤسسات التعليمية والجوانب المالية والإدارية، إلى جانب إجراءات تتعلق بالمناهج الدراسية.
وتقول المحافظة إن هذه الإجراءات لم تعد مقتصرة على تغيير بعض المواد التعليمية، وإنما باتت تستهدف، من وجهة نظرها، إعادة تشكيل البيئة التعليمية في القدس بما يتوافق مع السياسات الإسرائيلية، كما أشارت إلى الاستيلاء على مجمعين تعليميين تابعين لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" في مخيمي شعفاط وكفر عقب.

خطط جديدة داخل شعفاط وكفر عقب
وبحسب المعطيات التي أوردتها محافظة القدس، تتجه السلطات الإسرائيلية إلى افتتاح عدد من الصفوف والمؤسسات التعليمية الجديدة في مجمع شعفاط، بينها 14 صفًا ثانويًا ومدرسة ابتدائية وخمس رياض أطفال.
كما تشمل الخطط افتتاح مدرسة ثانوية للبنين في مجمع كفر عقب، وهي خطوات تعتبرها المحافظة جزءًا من مسار أوسع لإعادة تشكيل النظام التعليمي في القدس الشرقية.
صراع على المناهج والهوية
وترى محافظة القدس أن الخلاف حول المناهج يتجاوز الجانب الأكاديمي، باعتبار أن المناهج الدراسية تؤثر بصورة مباشرة في تشكيل وعي الطلبة ونظرتهم إلى التاريخ والثقافة والهوية.
وحذرت من أن اعتماد المنهاج الإسرائيلي قد يؤدي إلى تهميش موضوعات أساسية في الرواية الفلسطينية، وفي مقدمتها النكبة والأسرى والقدس، معتبرة أن ذلك يمثل محاولة للتأثير في الذاكرة الجماعية للأجيال الجديدة.
وأكدت أن التعليم يمثل أحد أبرز المجالات التي يتمسك من خلالها المقدسيون بهويتهم، وأن الصراع على المناهج يأتي بالتوازي مع سياسات أخرى تتعلق بالمدينة وعلاقتها بمحيطها الفلسطيني.
مطالب بالتدخل الدولي
ودعت محافظة القدس المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونسكو"، والجهات الأممية المعنية، إلى التحرك لوقف ما وصفته بإجراءات فرض المنهاج الإسرائيلي، وحماية المؤسسات التعليمية الفلسطينية.
كما طالبت المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته تجاه القدس وعدم التعامل مع الإجراءات الإسرائيلية باعتبارها شأنًا إداريًا داخليًا، وتؤكد المحافظة أن تمسك الطلبة والمعلمين والأهالي بالمنهاج الفلسطيني لا يتعلق بالكتب الدراسية وحدها، وإنما يرتبط بالحفاظ على الذاكرة والتاريخ والهوية الثقافية للمدينة.
ومع استمرار ارتفاع أعداد الطلبة الذين يدرسون وفق المنهاج الإسرائيلي، يبدو أن المدارس أصبحت واحدة من أبرز ساحات الصراع حول مستقبل القدس، في معركة لا تتعلق بالتعليم وحده، وإنما بما ستتعلمه الأجيال الجديدة عن تاريخ مدينتها وهويتها.
