محمد سعد العجلة:
ليس غريبا على شخصية فلسطينية وطنية، ورجل دين مشهود له بالنزاهة والاستقامة والشجاعة، مثل المطران عطا الله حنا رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس، أن يتبنى موقفا جريئا وواعيا وأخلاقيا مما يسمى "الصهيونية المسيحية" ينسجم مع وطنيته وقوميته وإنسانيته وفهمه الصحيح لتعاليم الإنجيل.
قبل يومين، نشرت جريدة القدس الفلسطينية مقالا له، عبّر فيه بكل وضوح وجرأة عن معارضته الشديدة للصهيونية المسيحية، بل وشن هجوما قويا عليها ووجه لها ولأنصارها ومروجيها نقدا لاذعا واعتبرها ظاهرة خطيرة قائلا "إنه لا يوجد هنالك شيئ اسمه مسيحية صهيونية، أن تكون مسيحيا فهذا شيئ وأن تكون صهيونيا فهذا شيئ آخر، أما المزج بين المسيحية والصهيونية فهو أمر في غاية الخطورة، وهو مسيء لقيم الإنجيل ورسالته وتعاليم السيد المسيح السامية والمقدسة، والصهيونية كانت سببا في كثير من النكبات والنكسات والمظالم التي تعرض لها شعبنا الفلسطيني"
ولم يفت المطران حنا أن يؤكد أن أدبيات هذه المجموعة (ويقصد المسيحية الصهيونية) لا علاقة لها بالمسيحية، فهؤلاء يفسرون العهد القديم كما يحلو لهم، ويفكرون بما ينسجم مع الأطماع الصهيونية والسياسات الإسرائيلية.
ووصلت الشجاعة بالمطران حنا إلى دعوة الكنائس المسيحية كافة إلى "رفض ولفظ ما يقوم به هؤلاء المتصهينون، الذين يدّعون الانتماء للمسيحية زورا وبهتانا.
هذا الموقف الشجاع للمطران حنا، دأب على إعلانه والتصريح به منذ عدة سنوات، وأصبح يكرره أكثر وأكثر خلال حرب الإبادة الجماعية في غزة، وهو ذات الموقف الذي عبّر عنه رؤساء الكنائس المسيحية في القدس، حين أعلنوا في ديسمبر 2025 موقفًا واضحًا وحاسمًا برفض ما يُسمّى «المسيحية الصهيونية»، وذلك خلال لقائهم جلالة الملك عبد الله الثاني، الذي استقبلهم بمناسبة أعياد الميلاد المجيدة. وحينها أصدر المطران حنا بيانا قال فيه إنّ موقف رؤساء الكنائس هذا يؤكد على الالتزام بالمواقف المبدئية، خاصة في ظل تزايد نشاط بعض المؤيدين المتطرفين الذين يدافعون بقوة عن الاحتلال الصهيوني وممارساته القمعية تجاه الشعب الفلسطيني.
موقف المطران حنا وموقف الكنائس المسيحية، جاء في أعقاب زيارة قام بها وفد يضم أكثر من ١٠٠٠ شخص من رجال الدين المسيحيين الإنجيليين الأمريكيين، أو ما سُمّي "وفد الألف مؤثر"، في أوائل ديسمبر 2025 إلى إسرائيل، واقتحموا خلالها ساحة حائط البراق (الحائط الغربي للمسجد الأقصى المبارك)، وأدوا طقوساً دينية هناك، في خطوة استفزازية للمسلمين والعرب.
المطران حنا، أكد في غير مناسبة على مواقفه المبدئية تجاه ظاهرة المسيحية الصهيونية، واستمر في تعرية المنتمين لها. ففي تصريحات سابقة له، كشف النقاب عن أن "هؤلاء عندما يأتون الى الأرض المقدسة لا يجتمعون مع كنائسنا ولا يلتقون مع المسيحيين الفلسطينيين ولا يزورون كنيسة القيامة في القدس وكنيسة المهد في بيت لحم لأنهم لا يعترفون بهذه المواقع المقدسة فهم يذهبون إلى المستوطنات والمستعمرات في الجولان وفي الضفة لكي يتضامنوا مع المستعمرين المحتلين الذين يمتهنون حرية وكرامة الإنسان الفلسطيني"
وبالعودة إلى مقاله في جريدة القدس، فقد ذكر المطران حنا أن قداسة البابا شنودة، قال في إحدى زياراته لأمريكا، إن هؤلاء المتصهينين (ويقصد بهم المسيحية الصهيونية) ليسوا قادرين على التمييز بين وعد الله ووعد بلفور، فوعد الله شيئ ووعد بلفور شيئ آخر، ووعود الله لن تتحقق بالاحتلال والقمع والظلم، فهذه ممارسات غير إنسانية لا يمكنها أن تنسجم مع أي قيمة أخلاقية أو روحية نبيلة.
إن مواقف المطران حنا تجاه هذه المسألة وغيرها من المسائل المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وحرب الإبادة، إنما تعبر بصدق عن المواقف الأصيلة لمجموع إخواننا المسيحيين الفلسطينيين والعرب، الذين يدركون أهمية الدور الذي يقومون به في حشد الرأي العام المسيحي العالمي لصالح القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، والالتفات إلى جراحه ومعاناة أبنائه، واعتبار القضية الفلسطينية قضية مسيحية بشكل جوهري.
المطران عطا الله وكثير مثله، حينما يقفون بكل قوتهم في مواجهة "المسيحية الصهيونية" إنما يقفون بحزم في مواجهة محاولة خطيرة لتزييف العقيدة وتحويلها إلى أداة استعمارية.
كاتب صحفي
