آية أبو دية:
بعد يومٍ طويل ومُثقَلٍ بالمهام، جلستُ على كرسيّي الخشبي في الغرفة التي اتخذتُها سكنًا منذ وصولي إلى "مصر" في أبريل/نيسان عام 2024، برفقة أطفالي الأربعة. وكعادتي، فتحتُ موقع "فيسبوك" لمتابعة الأخبار القادمة من "غزة"، قبل أن يتصدّر الشاشة خبرٌ صادم: طيران الاحتلال الإسرائيلي يقصف خيمةً للصحفيين أمام "مجمع الشفاء الطبي"، ليلة العاشر من أغسطس/آب.
لم تمضِ دقائق حتى تأكدت الأنباء عن استشهاد الصحفيين "أنس الشريف" و"محمد قريقع"، مراسلي "قناة الجزيرة العربية"، في واحدة من أكثر المجازر التي استهدفت الصحافة منذ بدء حرب الإبادة على "غزة". كان الاثنان من أبرز الوجوه الميدانية التي غطّت الحرب، ودفعا حياتهما ثمنًا لمهنتهم.
"أنس" عُرف بجرأته ومخاطراته الميدانية، فيما كان "محمد" صوتًا إنسانيًا ينقل معاناة الغزيين بلغةٍ قوية ونبرةٍ هادئة، جعلت حضورهما مألوفًا ومؤلم الغياب في آنٍ واحد.
مع تدفّق الصور والفيديوهات، بدأ القلق يتسلّل إلى جسدي. رغم حرارة الجو التي تجاوزت 40 درجة مئوية، شعرتُ ببرودةٍ تسري في أطرافي، وأنا أستعيد أسماء عشرات الصحفيين الذين فقدوا حياتهم في "غزة" فقط لأنهم اختاروا نقل الحقيقة.
في تلك اللحظات، كانت طفلتي "ألما"، البالغة من العمر ثمانية أعوام، تلعب في الحديقة المقابلة للغرفة، على بُعد نحو ثلاثين مترًا. كانت برفقتها قطة حصلنا عليها من عائلة غزية غادرت "مصر" بحثًا عن مكان أكثر أمانًا. ضحكاتها كانت تصلني متقطّعة، وتذكّرني بأنني نجوت مع أطفالي من الإبادة، لكن النجاة نفسها باتت عبئًا ثقيلًا.
فجأة، اخترق صراخٌ حاد سكون المكان. كان صوت "ألما".
ركضتُ نحوها بكل ما تبقّى في جسدي من قوة. توقفتُ للحظة مشلولة أمام المشهد: طفلتي تنزف، والدم يغطّي وجهها. لم أفهم في البداية ما حدث، قبل أن أدرك أن القطة هاجمتها بشكل مفاجئ، وخلّفت خدوشًا عميقة وواضحة على جسدها الصغير.
انهرتُ. ليس بسبب حجم الإصابات فقط، بل لأنني كنت وحيدة تمامًا: بلا زوج، بلا أهل، بلا بيتٍ أعرف زواياه، وبلا وطن أشعر فيه بالأمان. حملتُ طفلتي، حاولتُ تهدئتها، ومسحتُ الدم بيدٍ مرتجفة، فيما الكلمات التي همستُ بها لم تكن تطمئنني أنا قبلها.
توجّهنا فورًا إلى أقرب مركز طبي. ظننت أن الأمر سينتهي بتعقيم الجروح ووضع ضماد. لكن الطبيب طلب الحديث معي جانبًا، وأبلغني بضرورة نقلها إلى مستشفى آخر، خشية أن تكون القطة غير مطعّمة، ما يفرض احتمال الإصابة بـ"السُعار". أوضح أن مدينتنا لا تضم وحدة متخصصة، وأن علينا التوجّه فورًا إلى مدينة مجاورة دون انتظار الصباح.
كلمة "السُعار" كانت كفيلة بفتح كل أبواب الخوف. في "غزة"، نادرًا ما تُربّى الحيوانات داخل المنازل، ولم يكن هذا الاحتمال واردًا في ذهني يومًا.
لم أفكّر في المسافة، ولا في السفر ليلًا، ولا في كوني امرأة وحدي مع طفلة مصابة. كان السؤال الوحيد الذي يطاردني: ماذا سأقول لوالدها لو أصابها مكروه؟ زوجي الذي اضطر للبقاء في "غزة" منذ أكثر من عامين، محاصرًا بالحرب والفقر والاستحالة.
وجدتُ نفسي في محطة الحافلات، أحمل طفلة جريحة، متجهةً إلى مستشفى لا أعرفه، في مدينة لا أنتمي إليها.
بعد أكثر من ساعة سفر، وصلنا بعد منتصف الليل إلى "مستشفى الشروق العام". المكان كان هادئًا على نحوٍ مخيف لغريبة مثلي. من الطوارئ إلى الطبيب العام، ثم إلى وحدة "السُعار"، تلقّت "ألما" أول جرعة تطعيم. بعدها أبلغني الطبيب بحاجتها إلى "لقاح الأجسام المضادة"، غير المتوفر إلا في "العباسية" وسط "القاهرة"، على بُعد نحو خمسين كيلومترًا.
جلستُ على درج المستشفى أفكّر: ماذا أفعل؟ ومن أطلب المساعدة؟ لم أجرؤ على الاتصال بأي صديقة؛ فالاتصال بعد منتصف الليل، بالنسبة لنا كغزيين، غالبًا ما يعني خبرًا عن قصف أو مجزرة. هذا ليس خيالًا، بل واقع نعيشه منذ بداية الإبادة.
تذكّرت اتصالًا مشابهًا قبل أحد عشر شهرًا، حين أخبرتُ صديقة باستشهاد الصحفية "وفاء العديني" وعائلتها بالكامل. قرّرتُ الصمت، وحملتُ طفلتي مجددًا، وسافرتُ وحدي.
في طريقنا إلى "القاهرة"، وبينما كانت "ألما" تحاول النوم بين ذراعيّ، عاد بي الزمن إلى أول رحلة نزوح عبر "معبر رفح". منذ لحظة وصولي إلى "مصر"، تغيّر معنى المسؤولية كليًا. البحث عن سكن، الاستغلال في الإيجارات، فقدان العمل، انعدام الإقامة القانونية، واستحالة الحصول على صفة لاجئ أو أي دعم رسمي.
تراكمت الأعباء: تعليم أطفالي بلا مدارس، تعويض فاقد تعليمي عبر الإنترنت، رعاية والدَيّ المريضين، ومواجهة تربية مراهقين في بيئة جديدة وقاسية، أبرزهم ابني "أحمد" (16 عامًا)، الذي انتُزع فجأة من عالم مغلق وآمن نسبيًا في "غزة" إلى مدينة مفتوحة ومربكة مثل "القاهرة".
عامان من التباعد القسري عن زوجي، عامان من محاولة سدّ فراغ الأب، والحفاظ على تماسك أسرة نجت من الموت، لكنها لم تنجُ من تبعاته.
في "العباسية"، وتحديدًا في مؤسسة "اللقاح والمصل"، تلقّت طفلتي الجرعة المطلوبة، وأُبلغت بإجراءات المتابعة. هناك فقط أدركت حجم الفارق بين مدينة مكتظّة مثل "القاهرة"، وقطاع صغير محاصر مثل "غزة".
في طريق العودة، فهمت شيئًا واحدًا بوضوح: هذه المدينة كانت اختبارًا قاسيًا، اجتزته لأنني أم، ولأن خلفي أربعة أطفال لا يملكون سواي.
ولأنني من "غزة"، حيث الصمود ليس شعارًا، بل ممارسة يومية في وجه الإبادة.
