موسى الصفدي:
في أدق اللحظات التي تعصف بالقضية الفلسطينية، قد تبدو الدعوة إلى الاحتكام لصناديق الاقتراع وكأنها تخوض في بحر من التعقيدات المثقلة بالعدوان والدمار والحصار ومحاولات استهداف الهوية الوطنية في القدس وغزة والضفة. غير أن القراءة الاستراتيجية الواعية لمتطلبات الصراع تفرض حقيقة لا تقبل التأويل: كلما اشتدت محاولات الالتفاف على الحق الفلسطيني، غدا تجديد الشرعية الوطنية بالاستناد المباشر إلى إرادة الشعب ضرورة ملحة وخط دفاع أول عن كينونة المشروع الوطني. من هذا المنطلق، لا تُختزل الانتخابات التشريعية المرتقبة في مجرد إجراء دستوري أو تنافس حزبي على المقاعد، بل هي في جوهرها استحقاق سياسي مفصلي يعلن بوضوح لا لبس فيه أن شرعية القرار الفلسطيني تنبع حصراً من الشعب ومؤسساته الوطنية، قاطعة الطريق أمام أي ترتيبات تسعى قوى خارجية لفرضها. سد الفراغ وقطع دابر الوصاية تكتسب هذه المحطة أهميتها الحاسمة من قدرتها على تحصين الساحة الوطنية ضد الفراغ السياسي، الذي طالما شكّل ثغرة نفذت منها محاولات التدويل والوصاية وطروحات "الإدارات الانتقالية". وإن خطورة المرحلة تتجسد في أي محاولة لاستغلال الكارثة الإنسانية وحاجة قطاع غزة الماسة لإعادة الإعمار لتحويلها إلى مدخل سياسي يعيد تشكيل إدارة الشأن الفلسطيني خارج مظلة الشرعية الوطنية.
إن الموقف الفلسطيني هنا مبدئي وثابت: المساعدة الدولية والإسناد العربي لإعادة الإعمار حق وواجب إنساني وأخلاقي، لكن الهوة شاسعة بين الشراكة التنموية النزيهة وبين فرض الوصاية وتغييب الإرادة الوطنية. والسبيل الوحيد لصد هذه المحاولات يكمن في ترسيخ شرعية المؤسسات عبر انتخابات شاملة، تقطع الطريق على مشاريع التجزئة وتؤكد أن القرار الفلسطيني المستقل غير قابل للمساومة. وحدة الجغرافيا والتمثيل: وحدة لا تقبل القسمة تأتي هذه الانتخابات لتكرس حقيقة غير قابلة للتفاوض: المشروع الوطني الفلسطيني كلٌ لا يتجزأ. فلا يمكن لأي استراتيجية وطنية أن تسمح بفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية والقدس، أو عزل العاصمة عن عمقها الطبيعي. إن استعادة وحدة المؤسسات والقرار ليست مجرد خيار سياسي، بل هي شرط بقاء؛ إذ لا دولة مستقلة دون وحدة الأرض، ولا وحدة للأرض دون قيادة موحدة ومرجعية وطنية جامعة تلتقي حولها تطلعات شعبنا في الوطن وفي مخيمات اللجوء والشتات.
منظمة التحرير: المظلة الوطنية الشاملة في هذا السياق، تبرز ضرورة التمييز السياسي الواضح بين الانتخابات التشريعية لمؤسسات الحكم الذاتي داخل الوطن، وبين الإطار التمثيلي الشامل للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده. إن المجلس التشريعي يعبر عن إرادة المواطنين في الداخل، لكنه لا ينوب عن الملايين من أبناء شعبنا في الشتات. من هنا تظل منظمة التحرير الفلسطينية، بما تمثله من مكسب تاريخي ومعمد بنضالات أجيال، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والمرجعية السياسية العليا للجميع. وبالتالي، فإن الانتخابات ليست بديلاً عن المنظمة ولا مساراً موازياً لها، بل رافعة تسهم في تحصينها وإعادة استنهاض دوائرها ومؤسساتها، بما فيها استكمال وتفعيل المجلس الوطني الفلسطيني لضمان الشراكة الكاملة لشتاتنا في صياغة القرار الوطني. استحقاق لا يحتمل التأجيل إن التحديات الراهنة تملي علينا ألا ننتظر ظروفاً مثالية لممارسة الديمقراطية، بل إن الظروف المعقدة هي التي تجعل من الاحتكام للشعب واجباً لا يقبل التأجيل.
والانتخابات المطلوبة ليست أداة لتعميق التناحر أو إعادة تدوير الإقصاء، بل ينبغي أن تكون منصة لبناء توافق وطني متين، أساسه الالتزام بالثوابت الوطنية وببرنامج المنظمة السياسي. إن جوهر المعركة السياسية اليوم يتجاوز هوية الفائز في صناديق الاقتراع؛ إنه معركة على حماية وحدانية التمثيل الفلسطيني وحق شعبنا الأصيل في تقرير مصيره. فالذهاب إلى الانتخابات هو في المحصلة فعل اشتباك سياسي ومقاومة واعية ضد محاولات الوصاية والتجزئة، وتأكيد على أن غزة والقدس والضفة والشتات تشكل معاً وحدة المصير الفلسطيني المتجه نحو الحرية وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
