عائد زقوت:
إذا كانت الحلقة الأولى قد بحثت فيمن صنع الكارثة، فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس أقل أهمية: مَن يصنع ما بعد الكارثة؟ فالأحداث الكبرى لا تُقاس فقط بمن أطلقها، وإنما أيضًا بمن يمتلك القدرة على تحويل نتائجها إلى واقع جديد. في الحلقة الأولى، تتبعنا المعرفة التي سبقت الحدث، والتحذيرات التي أحاطت به، والمسافة الفاصلة بين الفشل في منعه وبين احتمال السماح بشروط وقوعه.
أمّا الآن، فالسؤال مختلف: إلى أين يتجه هذا المسار؟ هل نقترب من دولة غزة؟ إذا كان ما جرى قد فتح نافذة لإعادة تعريف الأمن والحكم والعلاقة بين غزة وإسرائيل، فإنّ السؤال الأخطر يتعلق بما قد يستقر عليه هذا المسار. فالحروب الكبرى لا تنتهي دائمًا عند حدود وقف إطلاق النار؛ غالبًا ما تتحول نتائجها إلى أدوات لإعادة هندسة المجال السياسي. وإذا كانت الحرب قد فتحت الباب لإعادة تشكيل وظيفة غزة السياسية والأمنية، فإنّ السؤال يصبح: إلى أي صيغة سياسية يمكن أن تقود هذه التحولات؟ هل نحن أمام لحظة تشبه "أوسلو" في وظيفتها، لا في مضمونها؟ لحظة تُنتج نظامًا سياسيًا جديدًا تحت غطاء حل مؤقت، وتعيد توزيع وظائف السلطة والأمن، وربما تتعامل مع غزة والضفة الغربية ضمن ترتيبات مختلفة؟ هذه الفرضية لا تنشأ من فراغ.
فالتصورات المطروحة لمستقبل غزة تتضمن، بصيغ مختلفة، إدارة فلسطينية، ونزع سلاح الفصائل، وترتيبات أمنية دولية، وقوة دولية لتحقيق الاستقرار، وتدريب أجهزة شرطة فلسطينية، مع ربط الانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار بمراحل تنفيذ هذه الترتيبات. ولا تعني هذه العناصر، في حد ذاتها، قيام دولة غزة، ولا تُثبت وجود مشروع مكتمل لإنتاج كيان فلسطيني منفصل عن الضفة الغربية. لكنها تكشف أنّ إعادة تشكيل وظيفة غزة السياسية والأمنية أصبحت جزءًا من النقاش العملي حول مستقبل القطاع وفق الرؤية الأسروأميركية. جوهر الأمر أنّ الفصل السياسي لا يحتاج بالضرورة إلى إعلان رسمي؛ فقد يبدأ بتباين في وظائف الحكم، ثم بترتيبات أمنية خاصة، ثم بمسار إعمار مشروط، وصولًا إلى بنية مؤسساتية منفصلة. ومع مرور الوقت، قد تتحول هذه الترتيبات المؤقتة إلى وقائع تخلق مصالح جديدة، وتفرض منطقًا خاصًا بها، بحيث يصبح ما كان مؤقتًا أمرًا واقعًا يصعب التراجع عنه. عندئذ يصبح احتمال دولة غزة ليس مشروعًا معلنًا بالضرورة، وإنما نتيجة محتملة لمسار تتراكم فيه الوقائع فتسبق السياسة وتفرض عليها منطقها. فالخطورة والتعقيد لا يكمنان في إقامة كيان جديد فحسب، بل في أن يتحول الانقسام الفلسطيني من حالة سياسية قابلة للمعالجة إلى بنية مؤسسية يجري تثبيتها باسم الضرورة الأمنية أو الواقعية السياسية أو متطلبات إعادة الإعمار.
وعندها يصبح السؤال أكثر عمقًا: هل كان الهدف إنهاء مرحلة، أم إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني على نحو يجعل الانقسام واقعًا مؤسسيًا، ويُفضي إلى عدميّة مشروع الدولة الفلسطينية، ويُكرّس واقع الانفصال بدلًا من إنهائه؟ هل يُعاد إنتاج حماس؟ إعادة تشكيل غزة لا تطرح سؤال الكيان السياسي وحده؛ بل تطرح أيضًا سؤال الفاعل الذي يفترض أن يعمل داخل هذا الترتيب. فإذا كان أحد أهداف الحرب المعلنة هو إنهاء قدرة حماس على التّحكم في غزة، فهل يمكن أن تنتهي العملية، في مفارقة غير متوقعة، إلى إعادة إدماجها في نظام سياسي جديد، ولكن بوظيفة مختلفة؟ قد يبدو السؤال متناقضًا؛ فإسرائيل تعلن باستمرار إصرارها على تدمير قدرات الحركة العسكرية وإنهاء حكمها في غزة، بينما قد تفرض الترتيبات السياسية اللاحقة واقعًا مختلفًا؛ الأمر الذي يدفع إلى قراءة احتمال إعادة إنتاج حماس داخل ترتيب سياسي جديد، يجري فيه انتقالها من موقع الحركة المسلحة إلى موقع الحركة السياسية ذات الوظيفة الجديدة، على غرار تحولات عرفتها حركات مسلحة أخرى، مثل طالبان في أفغانستان وجبهة النصرة في سوريا، بدرجات وسياقات مختلفة.
ولا تعني المقارنة مساواة هذه التجارب في عقائدها أو نشأتها أو ظروفها السياسية، وإنما تشير فقط إلى احتمال انتقال الفاعل المسلح من وظيفة الصراع إلى وظيفة سياسية داخل ترتيب جديد. وهنا يبرز سؤال الانتخابات التشريعية المقررة في الثامن والعشرين من نوفمبر المقبل؛ فمحاولات بناء تحالفات انتخابية تجمع حركات وفصائل متباينة أيديولوجيًا وسياسيًا تفتح احتمالًا يستحق التأمل: هل يمكن أن تكون هذه التحالفات إحدى ساحات إعادة ترتيب الفاعلين الفلسطينيين، وإعادة إدماج حماس في النظام السياسي ضمن وظيفة جديدة؟ إذا تبلورت هذه التحالفات، فلن يكون السؤال فقط: مَن يفوز في الانتخابات؟ بل: أي نظام سياسي يجري إنتاجه من خلالها؟ وهل تتحول الانتخابات من مجرد استحقاق ديمقراطي إلى إحدى أدوات إعادة تعريف مواقع الفصائل ووظائفها؟ عندها يصبح السؤال عن "إعادة إنتاج حماس" أقل تجريدًا؛ إذ لا يتعلق ببقاء الحركة أو اختفائها، وإنما بالصيغة التي يمكن أن تعود بها إلى المجال السياسي: هل تعود كما كانت، أم تُعاد صياغة دورها داخل نظام فلسطيني جديد؟ وربما تكون المفارقة الأشد إثارة أنّ حربًا قيل إنها تهدف إلى إنهاء مرحلة حماس قد تنتهي، إذا أُعيد ترتيب نتائجها سياسيًا، إلى إنهاء وظيفة معينة للحركة لا إلى إنهاء حضورها؛ أي إلى تحويلها من فاعل مسلح إلى فاعل سياسي ضمن قواعد جديدة؛ ورغم أنّ إرهاصات هذا الاحتمال تلوح في الأفق فإنه ليس حتميًا؛ فقد تفضي الحرب أيضًا إلى تفكك الحركة، أو إلى بقائها خارج ترتيبات الحكم، أو إلى إعادة تشكيل دورها السياسي وفق توازنات القوى وطبيعة الترتيبات النهائية. الجمود الهجين لكن بين سيناريو الانفصال السياسي وسيناريو إعادة إدماج حماس، ثمة احتمال ثالث قد يكون أكثر قابلية للاستمرار: الجمود الهجين.
أي استمرار الوضع الراهن دون حسم سياسي، مع بقاء غزة تحت إدارة أمنية غير مباشرة، واستمرار الانقسام الفلسطيني دون تثبيت مؤسسي واضح. وقد يبدو هذا الوضع مؤقتًا، لكنه قد يتحول، بمرور الوقت، إلى صيغة شبه دائمة؛ لأنّ الجمود نفسه قد يصبح مصلحة لبعض الأطراف، ما دام يؤجل الاستحقاقات السياسية الكبرى ويُبقي كل طرف محتفظًا بجزء من نفوذه. وفي هذه الحالة، لا تكون النتيجة دولة غزة ولا إعادة توحيد النظام الفلسطيني، وإنما واقعًا ثالثًا: كيانًا معلّقًا، وسلطة مجزأة، وترتيبات أمنية وسياسية تتعايش مع غياب الحل النهائي. وقد يكون هذا السيناريو أقل وضوحًا من إعلان دولة منفصلة أو إعادة إدماج حماس في نظام سياسي جديد، لكنه قد يكون أكثر قابلية للاستمرار؛ لأنّ ما يبدأ بوصفه ترتيبًا مؤقتًا قد يتحول، بفعل الزمن وتراكم المصالح، إلى بنية يصعب تفكيكها.
وهنا تكمن خطورة الجمود: فهو لا يحتاج إلى قرار سياسي معلن لكي يستمر، بل يكفي أن تعجز الأطراف عن إنتاج البديل، وأن يجد كل طرف في استمرار الوضع القائم مصلحة مؤقتة؛ فتتحول المؤقتة، مع مرور الوقت، إلى أمر واقع. دراما سياسية بنهاية مفتوحة ربما يكون السؤال عن "صانع الكارثة" أشبه بالسؤال عن "من أشعل النار" في غابة كانت قابلة للاشتعال منذ زمن. هناك من أشعل العود، وهناك من ترك الهشيم يتراكم، وهناك من كان يملك القدرة على إخماد النار ولم يفعل، وهناك من استغل الحريق ليرسم خريطة جديدة. لكن هذه المستويات ليست متساوية، ولا يجوز أخلاقيًا أو سياسيًا دمجها في مسؤولية واحدة. فصانع الحدث ليس بالضرورة صانع شروطه، ومن تركه يحدث ليس بالضرورة من خطط له، ومن وظّف نتائجه ليس بالضرورة من أراده. لهذا، لا تكمن قيمة السؤال في الوصول إلى مسؤول واحد، بل في تفكيك شبكة المسؤوليات التي أحاطت بالكارثة: مَن عرف؟ مَن أخطأ؟ مَن امتنع؟ مَن مكّن؟ ومَن وظّف؟ لكن السؤال لا يتوقف عند الكارثة.
فالأحداث الكبرى لا تُقاس فقط بمن صنعها، وإنما أيضًا بمن امتلك القدرة على تحويل نتائجها إلى واقع جديد؛ وهنا يصبح السؤال الثاني: من يصنع ما بعد الكارثة؟ ثم يظهر السؤال المحوري، وربما الأكثر مفارقة: إذا كانت الحرب قد هدفت إلى إنهاء مرحلة حماس، فهل يمكن أن تنتهي نتائجها إلى إعادة إنتاج الحركة نفسها داخل نظام سياسي جديد، بوظيفة مختلفة وقواعد مختلفة؟ أم أنّ المسار قد ينتهي إلى واقع ثالث، لا هو دولة غزة ولا إعادة توحيد النظام الفلسطيني، بل جمود هجين يتحول مع الزمن إلى صيغة مستقرة؟ وربما لا تكمن فظاعة نتائج الكارثة فيما دمرته فقط، وإنما فيما قد يُبنى فوق أنقاضها؛ ليس فقط فيمن خرج منها منتصرًا أو مهزومًا، بل في النظام الذي قد يولد منها، أو في الجمود الذي قد يحل محل هذا النظام. فالسؤال الحاسم والأشد حرجًا لم يعد فقط: مَن صنع الكارثة؟ ومن يصنع ما بعدها؟ بل: هل يُعاد إنتاج حماس داخل ما سيأتي بعدها، أم يجري إنتاج نظام فلسطيني جديد لا يشبه ما سبقه، أم يستقر الانقسام نفسه في صورة جديدة يصعب التراجع عنها؟ وهنا، تحديدًا، تبدأ المعركة الحقيقية: ليس على شكل غزة وحدها، بل على شكل فلسطين التي قد تولد من بعدها.
