سندات مزوّرة.. وحقوق مهددة بالضياع في زمن الإبادة

صورة بواسطة الذكاء الاصطناعي
صورة بواسطة الذكاء الاصطناعي

غزة/ البوابة 24- إسلام أيمن:

"16 ألف شيكل (تحويشة عمرها).. ضاعت بجرّة قلم"، قالها ماهر وقلبه يحترق ألمًا على أخته الشهيدة، إذ لم يتخيل يومًا أن تصل "الدناءة" بأحدهم -كما يصف- لأن يسلب حقّ إنسانةٍ سبقته إلى الله.

"مها" (وهو اسمٌ مستعار)، جمعت المبلغ قبل الحرب بنيّة تحسين أوضاع أسرتها، وافتتحت مشروعًا (صالون نسائي) بالشراكة مع شخصٍ حسبته ذا أمانة. "كان الاتفاق معه بورقةٍ كُتبت خطّيًا، وبوجود شاهدٍ وحيد.. الثقة كانت هي الضمان" يضيف مبتسمًا بمرارة.

ويكمل: "دفعت كل شي معها، وشريكها ما دفع شيكل". افتُتح الصالون وبدأ الحلم.. ثم جاءت الحرب، وحدثت الكارثة.

وسط حالة النزوح والخوف، اكتشفت "مها" أن شريكها استغلَّ نزوجها إلى الجنوب وباع المحل! ولما طالبته قال لها بمنتهى البرود: "ملكيش عندي إشي".

بعد عام، استشهدت مها في قصف، وضاع معها السند الذي يثبت ملكيتها للمحل، لكن ضياع السند لم يكن نهاية الحكاية.

بعد أشهر، عاد أهلها للمطالبة بحقها، فأنكر الشريك كل شيء، ثم أخرج لهم "نسخة" من السند كانت بحوزته.

يتابع ماهر: "جابلنا نسخة مزورة. الأصل كان مكتوب فيه 16 ألف، هو مسح الرقم 1 وصارت 6 آلاف بس"، ويردف: "يعني سرق منها 10 آلاف بجرة قلم".

ولم يكن بحوزة الأسرة الأصل الذي يمكن مقارنته بالنسخة، كما أن الشاهد الوحيد على الاتفاق الأول كان قد استشهد أيضًا خلال الإبادة.

وبرغم توكيل العائلة لمحامٍ يسعى لاستعادة حق شقيقتهم الشهيدة، ومحاولة توسيط أعيانٍ من عائلتها وعائلته، "إلا أن لا أمل يلوح في الأفق.. كل شيء راح معها تحت الركام" يعلق ماهر بأسى.

عندما يغيب صاحب الملكية، ويسقط الشهود بين شهداء وساكتين عن الحق، يمكن لورقةٍ معدّلة أو توقيعٍ منسوب لصاحبه، أن يصبحا مفتاحًا للاستيلاء على حق أصيل.

لكن كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ وكيف يمكن كشف عمليات التزوير والتلفيق في ظل غياب الأصول؟ وماذا يقول القانون الفلسطيني عن تزوير سندات الملكية والوكالات واستخدامها؟

"البوابة 24"، تتبعت حالات لمتضررين، واستطلعت رأي خبيرٍ جنائي ومحامين، وراجعت النصوص القانونية الناظمة لهذه الجرائم، عبر التقرير التالي:

منزل دمرته الحرب.. وملكية سرقها التزوير

لم يكن أبو أحمد (54 عامًا)، يتخيل أن يفقد منزله مرتين.. مرة تحت القصف، ومرة أخرى على الورق.

نزح الرجل الذي اكتفى بذكر كنيته مع عائلته من مدينة غزة إلى جنوبي القطاع، ومنه إلى جمهورية مصر العربية هربًا من الحرب، تاركًا خلفه أوراقًا وعقودًا لم يتسن له حملها معه.

يقول لـ"البوابة 24": "كان عندي شقتين باسمي في غزة. الأولى انقصفت وراحت، أما الثانية فكانت متضررة شوي بس لسه واقفة. بس أنا ما كنت عارف".

لم يكن هناك من ينقل إليه ما يحدث في محيط منزله، بعدما غادر جميع أفراد عائلته القطاع في ديسمبر- 2023م، "ولهذا السبب طلبت من صديق إلي يطل عليها بين فترة والثانية" يضيف.

في يوم من أيام مايو- 2024م، اتصل به ذلك الصديق، وأخبره -كذبًا- أن منزله الثاني أيضًا راح تحت القصف، "وهنا صرت أطلب من الله العوض" يضيف بحرقة.

بعد عدة أشهر، صادف أبو أحمد رقم أحد جيرانه القدامى، وخطر بباله الاطمئنان عليه، فإذا به -وفي سياق الحديث- يخبره بأن سكان شقته -وهو لا يدري إن كان قد باعها أو أجرها- يفتعلون المشكلات في المكان!

يقول: "كانت صدمة كبيرة. طلبتُ منه معرفة من هم، وكيف استولوا على البيت، فإذا به يعود إلي بعد ساعة ليخبرني أنهم اشتروا البيت من فلان (وذكر اسم صديقي)".

طيب كيف؟ "ومين بايعها إذا مش أنا" صار أبو أحمد يتساءل، وبعد بحثٍ وتمحيص وسؤال، عرف أن صديقه المقرب نفسه، زوّر توقيعه ونقل ملكية الشقة باسمه عبر أوراق ومستندات مزورة، ثم باعها لاحقًا لآخرين واستولى على ثمنها.

اليوم، يحاول أبو أحمد استعادة ملكيةٍ يقول إنه لم يتنازل عنها، لكن مهمته تبدأ من نقطة شديدة الصعوبة: أوراق الملكية الأصلية بقيت داخل غزة "في الشقة التي قُصفت على وجه التحديد"، ولا جهة رسمية يمكن أن تتابع معه في ظل ملاحقة أفراد الشرطة بالاستهداف المباشر، وتعطل عمل المحاكم بغزة.

غياب الأصل فرصة

الخبير الجنائي، والمختص في كشف التزوير والتزييف، الدكتور يوسف الرنتيسي، أكد لـ"البوابة 24" أن أكثر عمليات التزوير شيوعًا حاليًا تتمثل في استنساخ وتزوير التواقيع والمستندات الرسمية، باستخدام الناسخات الضوئية والطابعات الملونة، إلى جانب أساليب نقل التواقيع ومحاكاتها.

ولا يتوقف التلاعب عند إنشاء مستند من الصفر، إذ قد يجري داخل مستند قائم أصلًا.

ويوضح أن من العلامات التي يبحث عنها الخبير: "عمليات المسح، والطمس، والكشط، والتعديل، والتلاعب بالأرقام"، مشيرًا إلى أنه بالعادة يستخدم أجهزة مثل المايكروسكوب و"VSC8000"، إلى جانب الأشعة فوق البنفسجية وتحت الحمراء.

"لكن كشف التزوير أصبح أكثر صعوبة في ظروف الحرب" يقول، منبهًا إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في أوقات كثيرة، بعدم وجود توقيعات صحيحة للمقارنة، واعتماد الناس على صور عن المستندات وادعاء ضياع الأصل.

وهنا تلتقي أدوات التزوير مع ظروف الحرب.. المستند الذي يحتاجه الخبير للمقارنة قد يكون تحت الركام، والمالك الذي يمكنه نفي التوقيع قد يكون خارج القطاع، والشاهد الذي يثبت الاتفاق قد يكون قد فقد حياته.

القانون يجرّم.. وسند الملكية في صلب الحماية

رغم ذلك، فإن غياب الأدلة، لا يعني أن يترك التزوير بلا تجريم، فالقانون الفلسطيني يضع نصوصًا صريحة تجرّم إنشاء المستندات المزورة وتداولها، وتشدد العقوبة عندما يتعلق الأمر بسندات الملكية والوكالات والمستندات الرسمية.

ووفق قانون العقوبات رقم (74) لسنة 1936م النافذ في المحافظات الجنوبية، تنص المادة (332) على أن التزوير هو "تنظيم مستند كاذب بنية الاحتيال أو الخداع"، فيما تفصل المادة (334) صورًا من وضع المستند الكاذب، بينها تغيير المستند دون تفويض أو التوقيع باسم شخص آخر دون تفويضه.

وتذهب المادة (335) إلى تحديد قصد الاحتيال، وتعتبر أن القصد يتحقق عندما يكون الغرض حمل شخص آخر على استعمال المستند بصورة تؤدي إلى الإضرار به.

أما العقوبة فتشتد بصورة كبيرة عندما يتعلق الأمر بالملكية، فالمادة (337) تعتبر تزوير الوصية أو سند الملكية أو السجل القضائي أو الوكالة وغيرها من المستندات المحددة في النص جناية، وتعاقب عليها بالحبس المؤبد، فيما تنص المادة (338) على عقوبة الحبس مدة عشر سنوات لمن يزور مستندًا رسميًا أو قضائيًا.

ولا يقتصر التجريم على الشخص الذي صنع الورقة المزورة، فالمادة (340) تنص على أن من تداول مستندًا كاذبًا وهو يعلم بتزويره وبطريق الاحتيال، يعامل كأنه زوّر المستند نفسه ويعاقب بالعقوبة المقررة للجريمة.

كما تجرّم المادة (344) وضع أو توقيع مستند باسم شخص آخر أو بالنيابة عنه دون تفويض، وتعاقب عليه بالحبس مدة سبع سنوات.

وهذه النصوص تجعل السؤال في حالة مثل شقة أبو أحمد أوسع من معرفة "مَن وضع التوقيع؟"، إذ تمتد المساءلة القانونية، بحسب وقائع كل قضية وما يثبته التحقيق، إلى استخدام المستند المزور والتعامل به مع العلم بحقيقته.

الملكية حق.. والتقاضي مكفول

ولا تقف الحماية القانونية عند قانون العقوبات، فالقانون الأساسي الفلسطيني المعدّل لسنة 2003م، ينص في المادة (21) على أن "الملكية الخاصة مصونة"، ولا تنزع الملكية أو يتم الاستيلاء على العقارات أو المنقولات إلا للمنفعة العامة وفقًا للقانون، وبمقابل تعويض عادل أو بموجب حكم قضائي.

كما تنص المادة (30) على أن التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة، ولكل فلسطيني حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي.

أي أن الإطار القانوني، من حيث المبدأ، لا يتعامل مع الاعتداء على الملكية باعتباره مجرد خلاف بين أفراد، بل يضع الملكية الخاصة ضمن الحقوق المحمية، ويضمن لصاحب الحق طريقًا قضائيًا للمطالبة به.. لكن الحرب تضع مسافة شاسعة بين النص المكتوب والقدرة على استخدامه.

غياب صاحب الحق يعطي مساحة

بدوره، يؤكد المحامي زياد النجار أن القانون الفلسطيني يعاقب على تزوير سندات الملكية بالحبس المؤبد وفق المادة (337)، بينما تصل عقوبة تزوير المستندات الرسمية إلى عشر سنوات وفق المادة (338).

وعن الخطوات التي ينبغي أن يتخذها من يكتشف بيع عقاره بتوكيل مزور، يقول: "أول شي يعمل توكيل لشخص ثقة في غزة، والمحامي يقدم شكوى للنيابة. إذا ما تحركت النيابة، نلجأ للمحكمة ونعمل حجز على العقار لمنع التصرف فيه".

ويحمّل النجار ظروف الحرب جانبًا من مسؤولية انتشار هذه الممارسات، قائلًا: "غياب القانون والعمل الانتقائي للنيابة والشرطة، والفلتان الأمني، والحاجة للمال.. كل هذا جعل البعض يرتكب الجريمة".

ومن زاوية أخرى، يحذر المحامي علم الدين ديب من وسيلة يقول إنها قد تُستخدم في ظروف الحرب، تتمثل في إعداد وكالة مزورة أو عقد تنازل بتاريخ سابق لوفاة المورث، ثم إبرازه بعد وفاته.

ويقول ديب لـ"البوابة 24": "إحدى وسائل التزوير الأكثر شيوعًا هو قيام أحد الورثة أو الغير، بعمل وكالة مزورة أو عقد تنازل بتاريخ سابق لتاريخ الوفاة ويتم إبرازه بعد وفاة المورث".

وينصح الورثة بالإسراع في استكمال إجراءات الوفاة وحجج حصر الإرث وتقسيم الميراث، إلى جانب إعلام المعنيين بالأملاك الخاصة بالمورث.

ويؤكد ديب أن بيع عقار بتوكيل مزور يعد باطلًا بطلانًا مطلقًا، ولا يترتب عليه أثر قانوني، مشيرًا إلى أن المحاكم الفلسطينية نظرت في قضايا من هذا النوع، وأن بعضها انتهى بإعادة الحقوق لأصحابها بعد الطعن بالتزوير.

المشكلة لا تنتهي عند اكتشاف التزوير

لكن اكتشاف التزوير لا يعني تلقائيًا استعادة الحق، فقانون البينات في المواد المدنية والتجارية رقم (4) لسنة 2001م يضع إجراءات للتعامل مع السندات المطعون فيها بالتزوير، بما في ذلك إحالة المستندات التي يثبت تزويرها إلى النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات الجزائية. كما ينظم القانون التعامل مع السند محل الطعن وإجراءات إثبات التزوير.

وهذه الإجراءات تفترض، في جوهرها، وجود مستند يمكن فحصه ومقارنته، وهو ما يجعل فقدان الأصل خلال الحرب مشكلة إضافية أمام أصحاب الحقوق، لا سيما عندما تكون الملكية أو الشراكة أو التصرف محل النزاع مرتبطة بوثائق أو توقيعات أو شهود لم يعد الوصول إليهم سهلًا.

وهكذا، فإن الحرب لا تخلق بالضرورة "فراغًا قانونيًا" بالمعنى الدقيق، فالنصوص موجودة، والعقوبات واضحة، والملكية الخاصة محمية، وحق التقاضي مكفول. لكن ما تكشفه الحالات هو "فجوة في الوصول إلى الحماية القانونية وإنفاذها وإثبات الحقوق في ظروف استثنائية".

في قصة مها مثلًا، ماتت صاحبة المال والشاهد الوحيد، وضاع أصل السند، وبقيت نسخة تقول إن المبلغ 6 آلاف شيكل بدل 16 ألفًا، وفي قصة أبو أحمد، خرج صاحب العقار من غزة تاركًا وراءه أوراق ملكيته، ثم اكتشف أن شقته التي ظن أنها دُمرت ما زالت قائمة، لكن ملكيتها انتقلت، وفق روايته، إلى شخص آخر عبر مستندات مزورة.

بين القصتين، تتكرر الحلقة: صاحب حق غائب، مستند مفقود، وشخص آخر يملك ورقة يقول إنها تثبت شيئًا مختلفًا"، وهنا تكمن خطورة التزوير في زمن الحرب؛ ليس لأنه جريمة يعاقب عليها القانون فحسب، وإنما لأن الحرب نفسها قد تزيل الأدلة التي يحتاجها صاحب الحق لإثبات أن الورقة كاذبة.

البوابة 24