حكايات العاملين في ملف مفقودي غزة

سيدة من غزة- صورة من المركز الفلسطيني لحقزق الانسان
سيدة من غزة- صورة من المركز الفلسطيني لحقزق الانسان

غزة/ البوابة 24- أنسام القطاع:

في الثامنة والعشرين من عمره، وجد سالم أبو حطب نفسه أمام قصص لا تشبه غيرها؛ قصص عائلات لا تملك سوى سؤال واحد، أين أبناؤنا؟ عمل سالم لمدة عام متطوعاً مع المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، وكان من بين الملفات التي تولى العمل عليها توثيق حالات الاختفاء القسري والاعتقال عند الحواجز الإسرائيلية، التي يسميها الأهالي “الحلبات”. كان عمله يبدأ من خيمة أو منزل يجلس فيه أحد أفراد العائلة، يحمل صورة ابنه أو شقيقه، محاولاً أن يجمع ما يكفي من المعلومات لمعرفة مصيره.

يوضح سالم أن عملية التوثيق تبدأ بجمع البيانات من الأهالي حول الشخص المفقود، سواء كان قد اختفى قسراً أو اعتُقل أثناء مروره عبر أحد الحواجز. وبعد جمع البيانات، كان أفراد العائلة يوقعون وكالة قانونية لصالح محامي المركز، لتُرسل المعلومات لاحقاً إلى محامين في إسرائيل، يتابعون بدورهم مع مصلحة السجون الإسرائيلية لمحاولة معرفة مكان المعتقل أو مصير المفقود.

كانت أول حالة يوثقها سالم في رفح، في مارس/آذار 2024. يومها، كان الأهالي قد نزحوا إلى خيمة قريبة من مكان نزوحه، وكانت حالتهم، وفق وصفه، “مأساوية للغاية”. لم تكن العائلة تعرف ما إذا كان ابنها قد اعتُقل، أم أُخفي قسراً، أم أنه ما زال على قيد الحياة. ومنذ ذلك الوقت، بدأ سالم يكتشف أن العمل في هذا الملف لا يتعلق بالأوراق والبيانات فقط، بل بأرواح عائلات معلقة بين احتمالين؛ حياة لا يعرفون عنها شيئاً، وموت لا يملكون دليلاً عليه.

وبحسب إفادته، فإن الاختفاء القسري أصبح أحد أوجه الجرائم التي تُرتكب في قطاع غزة بعد بدء العملية البرية الإسرائيلية، مشيراً إلى أن متابعة هذه الحالات وضعت عبئاً نفسياً كبيراً على المحامين والحقوقيين الذين يعملون عليها، لأن كل ملف يحمل معه أمانة ثقيلة، إلى جانب إلحاح الأهالي المستمر لمعرفة مصير أبنائهم.

وعبر سالم عن أن هدفه من العمل لم يكن مجرد توثيق حالة أو إرسال طلب قانوني، بل كان لديه هدف شخصي أبعد من ذلك؛ أن يعيد شيئاً من الفرح إلى وجوه الأهالي، وأن يمنحهم خيطاً من الطمأنينة في انتظار خبر عن أبنائهم.

ونقل بواقع التجربة أن بعض العائلات كانت تعيش في حالة من الحيرة، فلا تعرف حتى إن كان ابنها معتقلاً أم مفقوداً، فيما كان آخرون ينتظرون أي رسالة تطمئنهم بأنه لا يزال على قيد الحياة. لذلك، كان سالم يحاول أن ينقل إليهم إحساساً بأنهم ليسوا وحدهم، وأن هناك من يبحث عن أبنائهم ويحاول إيصال رسالة إليهم.

وأضاف: “كنت أريد أن أرسل رسالة للمفقود ولأهله بأن هناك من يساندكم، وأن هناك خيط اطمئنان، وأن رسالة ستصل إلى الطرفين". خلال عام من العمل، كان سالم واحداً من نحو سبعة محامين وحقوقيين يعملون على الملف نفسه، وتمكن الفريق من توثيق نحو 100 حالة، فيما وصلت المتابعة إلى نتائج إيجابية في قرابة 20 حالة، بحسب روايته.

ويشير سالم إلى أن الحالات لم تكن متشابهة؛ ففي بعضها، كان الشخص قد اعتُقل عند أحد الحواجز، وكان المطلوب البحث عن أي وسيلة للحصول على معلومة أو رسالة تطمئن عائلته، بينما في حالات أخرى، لم يكن أحد يعرف ما إذا كان المفقود لا يزال على قيد الحياة أم أنه توفي.

كما شملت الحالات عمالاً فلسطينيين اعتُقلوا داخل إسرائيل، إلى جانب معتقلين أوضح سالم أنهم كانوا يُحتجزون خلال فترات اعتقالهم في معسكرات أو أماكن احتجاز تابعة للجيش الإسرائيلي، بعيداً عن نظام مصلحة السجون، وهو ما كان يجعل الوصول إلى معلومات عنهم أكثر صعوبة.

لكن بين عشرات الملفات، بقيت لدى سالم لحظات لا يستطيع نسيانها. يحضر في ذاكرته احدى العائلات التي كانت تعتقد أن ابنها قد توفي، قبل أن تصلها رسالة تحمل خبراً مختلفاً تماماً، ابنكم على قيد الحياة. واستطرد موضحاً أن الفرحة غمرت العائلة حينها، وكانت تلك اللحظة بالنسبة له بمثابة تأكيد على أن الجهد الذي يبذله يمكن أن يصنع فرقاً حقيقياً في حياة أسرة تعيش على حافة الانتظار.

غير أن العمل لم يحمل دائماً أخباراً سعيدة. فقد وجد سالم نفسه في إحدى المرات مضطراً إلى نقل خبر لم يكن يتوقع يوماً أن يكون هو من يحمله إلى عائلة تنتظر ابنها. كان ذلك عندما علم باستشهاد محمد أبو عودة داخل السجن، بعد تعرضه للتعذيب. ومرت تلك اللحظة عليه بألم بالغ، قائلاً بأن وقع الخبر عليه كان ثقيلاً، إذ لم يتوقع أن ينتهي أحد الملفات التي حاول من خلالها البحث عن خيط حياة إلى خبر وفاة داخل السجن.

واردف مبدياً أن الألم لم يتوقف عنده، بل انتقل إلى العائلة التي لم تتقبل الخبر بسهولة. فبعد انتظار طويل، كانت الأسرة تأمل أن يصلها خبر عن نجاته أو مكان وجوده، لكنها تلقت بدلاً من ذلك خبراً يضع حداً لذلك الانتظار.

ومع ذلك، ظل سالم يرى في محاولاته إبقاء خيط رفيع بين المفقود وعائلته، مؤكداً بالقول: “كان هدفي دائماً أن أدخل الفرحة إلى قلوب الأهالي، حتى لو كانت فرحة صغيرة، أو مجرد رسالة تطمئنهم أن أبناءهم ما زالوا على قيد الحياة.”

غير أن هذه الجهود الفردية لم تكن سوى محاولات مضنية وسط بحر هائل من المعاناة؛ إذ تعكس حكايات الفقد جزءاً يسيراً من مأساة أوسع تؤكدها لغة الأرقام. فبحسب تقارير رسمية صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، تجاوز عدد المفقودين في قطاع غزة 11 ألف شخص، موزعين بين عالقين تحت الأنقاض ومخفيين قسراً، لتتحول هذه الأرقام إلى ظل ثقيل يرافق كل عائلة تنتظر حقيقة غائبة.

هذا الانتظار المرير هو ما تعيشه تفاصيله اليومي سناء عوض الله، منسقة حركة أمهات المفقودين في قطاع غزة، التي ذكرت أن رحلة البحث عن ابنها بدأت في 5 يونيو/حزيران 2024، ومنذ ذلك التاريخ وحتى 4 فبراير/شباط 2025، لم تتوقف عن البحث عنه، متنقلة بين المؤسسات الدولية والحقوقية، في محاولة لمعرفة مصيره.

لكن في الرابع من فبراير/شباط، وصلت جثامين سلمها الصليب الأحمر إلى وزارة الصحة، ونُشرت صورها عبر موقع وزارة الصحة. وبين تلك الصور، توقفت سناء أمام صورة شعرت أنها تشبه ابنها. وأفادت في معرض حديثها عن تلك اللحظة بأنها تعرفت إلى جثة ظنت أنها لابنها، بعد أن قضت أكثر من 15 يوماً تداوم بشكل مستمر، في محاولة للتعرف إلى الجثامين التي كانت تصل تباعاً.

وعادت لتستذكر ذلك المشهد بقسوته، مبينةً أن كان عليها أن تبحث بين أكثر من 240 جثة، في تجربة تعد من أصعب ما مرّ بها؛ إذ لم تكن تبحث عن شخص غريب، بل عن ابنها الذي يبلغ من العمر 17 عاماً، ولذلك كان كل احتمال يحمل معها خوفاً جديداً؛ الخوف من أن يكون هو، والخوف في الوقت نفسه من ألا يكون هو.

وأردفت موضحة أن الإجراءات استمرت لأكثر من أسبوعين، بينما كانت تحاول الإسراع في التعرف إلى الجثمان قبل أن يتم دفنه في مقبرة الأرقام في دير البلح، لأنها كانت تخشى أن تفقد فرصة التأكد من هويته. ولأن الشك بقي قائماً، طلبت سناء من الطبيب أخذ عينة من الجثمان لإجراء فحص الحمض النووي DNA. أخذت عينة من السن والشعر، وأرسلتها إلى مصر، ومنها إلى إسبانيا، أملاً في أن تحمل نتيجة الفحص إجابة حاسمة عن مصير ابنها.

لكن النتيجة لم تكن كما توقعت؛ العينة لم تكن مطابقة. وهكذا، عادت سناء مرة أخرى إلى نقطة الانتظار نفسها، من دون إجابة نهائية عن مكان ابنها أو مصيره.

وأوضحت أن الأمر كان مرهقاً ومستنزفاً، ليس فقط بسبب الإجراءات الطويلة، وإنما لأن عدم معرفة المصير يترك الإنسان عالقاً بين الأمل والخوف. فبالنسبة لأم تبحث عن ابنها، لا يمكن التعامل مع القضية كرقم في ملف أو اسم في قائمة؛ كل معلومة صغيرة يمكن أن تفتح باباً للأمل، وكل تأخير يمكن أن يعيدها إلى دائرة القلق من جديد.

ومن تجربتها الشخصية، انتقلت سناء إلى محاولة مساندة أمهات وعائلات أخرى تعيش المصير نفسه. وبينت أنها، باعتبارها صاحبة قضية، بدأت تفكر مع عدد من الأمهات وأهالي المفقودين في تشكيل حركة أمهات المفقودين، بهدف رفع أصواتهم، وتوثيق الحالات، والتعاون مع المؤسسات الرسمية والحقوقية والدولية في البحث عن المفقودين.

وأشارت إلى أن تأسيس الحركة لم يكن منفصلاً عن تجربتها كأم، بل جاء نتيجة مباشرة لحالة العجز التي شعرت بها وهي تبحث عن ابنها، قبل أن تدرك أن عشرات العائلات تعيش الأسئلة نفسها. ولفتت الانتباه إلى أن أسئلة الأهالي وضغطهم المستمر يضعان عبئاً مضاعفاً على من يتابع هذه الملفات، لأن الجميع يبحث عن بريق أمل، حتى لو كان صغيراً.

وبينما يحاول الحقوقيون والمحامون الوصول إلى معلومات عن المفقودين، تبقى الأمهات في الجهة الأخرى من القصة، ينتظرن خبراً يمكن أن يغيّر حياتهن؛ خبراً يقول إن أبناءهن على قيد الحياة، أو يضع حداً لانتظار طويل.

وبالنسبة لسناء، فإن أصعب ما في هذه الرحلة ليس فقط غياب ابنها، وإنما عدم امتلاك إجابة عن مصيره. لذلك، تحاول اليوم، إلى جانب بحثها الشخصي، أن تجعل صوتها صوتاً لأمهات أخريات ما زلن ينتظرن أبناءهن، وأن يتحول هذا الانتظار من معاناة فردية إلى قضية جماعية تطالب بمعرفة مصير كل مفقود. فالأم التي تبحث عن ابنها لا تبحث فقط عن معلومة، بل عن إجابة تمنحها القدرة على أن تعرف كيف تكمل حياتها.

البوابة 24