غزة/ البوابة 24- سحر هشام غانم:
في ذلك الشريط الساحلي الضيق حيث الموت يتربص بساكنيه، وسط عالم تحكمه تكنولوجيا رقمية تحتكر إسرائيل خوارزمياتها وشبكات اتصالاتها العاملة في قطاع غزة، لم يعد الصحفي الغزي تحديدًا يحمل في جيبه أداة لصناعة ونقل الخبر فحسب، بل قنبلة موقوتة.. هاتف محمول صغير، وُجد ليوثق الحقيقة، فإذا به يحمل إحداثيات موت الصحفي ويتحول في لحظة قصف أو تفتيش إلى "دليل إدانة" رقمي، أو "شاشة إرشاد" تقود الخطر مباشرة إلى الصحفي، عائلته، ومصادره السريّة.
الهواتف المحمولة.. ساحة حرب استخباراتية
ففي ظروف بالغة التعقيد، انقطع قطاع غزة مرارًا أثناء الحرب الإسرائيلية عن العالم الخارجي، جراء تدمير البنية التحتية للاتصالات والإنترنت، وفي خضم هذه العزلة، وجد الصحفيون أنفسهم مضطرين للاعتماد الكلي على الهواتف المحمولة وأجهزة البث الخلوي لإنجاز مهامهم في نقل الصورة الحية والمجازر المرتكبة بحق المدنيين، غير أن هذا الاعتماد شكّل فخًا استخباراتيًا قاتلاً؛ إذ استخدمت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية منظومات متطورة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والخوارزميات لتتبع البصمات الإلكترونية والإشارات المنبعثة من هواتف الصحفيين.
وتشير عدة تقارير استقصائية وحقوقية إلى بُعد أمني أكثر تعقيدًا، من بينها ما نشرته منظمة آمنستي وموقع Middle East Eye البريطاني، إضافة إلى تقرير مفصل نشرته منظمة هيومن رايتس ووتش حول: استخدام الجيش الإسرائيلي الأدوات الرقمية في غزة وتتبع البيانات الخلوية، ووثقت جميع هذه التقارير استخدام جيش الاحتلال لأدوات رقمية وخوارزميات ذكاء اصطناعي مثل أنظمة التتبع عبر تثليث أبراج الاتصالات، والبيانات الوصفية، وأنظمة الاستهداف مثل "لافندر" و"غوسبيل؛ فالعديد من الزملاء الصحفيين الذين استهدفت خيامهم أو سياراتهم أو منازلهم، تبين لاحقًا أن هواتفهم المحمولة كانت تمثل "إحداثيات حية" تتحرك على خريطة الرصد الاستخباري الإسرائيلي، وأكدت التقارير أن المنظومة العسكرية الإسرائيلية بالفعل استغلت الهواتف لتتبع واغتيال الصحفيين، معتمدةً على عدة آليات تقنية خبيثة، أبرزها: التتبع الجغرافي اللحظي من خلال رصد إشارات الأبراج الخلوية، حيث تمكنت القوات الإسرائيلية من تحديد الإحداثيات الدقيقة لمواقع تواجد الصحفيين، حتى داخل خيام الصحفيين أو السيارات المدنية المميزة بشارات الصحافة، مما سهّل توجيه ضربات دقيقة ومباشرة عبر الطائرات المسيرة وغيرها ، إضافة إلى اختراق واعتراض الاتصالات الرقمية، فتعرضت هواتف العديد من الصحفيين لعمليات اختراق سيبراني مسبق، أو مراقبة دقيقة لبياناتهم الوصفية، مثل المكالمات، الرسائل، وتطبيقات المراسلة الفورية، لمعرفة تحركاتهم وعلاقاتهم الاجتماعية ومقرات لجوئهم المؤقتة.
وأفاد أحد الصحفيون الذين عملوا خلال فترة الحرب من مستشفى ناصر بخانيونس وقد رفض ذكر هويته، أنه شهد استهداف العديد من الزملاء الصحفيين، وجرى الحديث لاحقًا بأن هواتفهم كانت مشغولة باتصالات وعلى ما يبدو أنه تم رصد إشاراتها بدقة متناهية.
كما مثلت الهواتف المحمولة وسيلة للاحتلال استخدمها في التهديدات المباشرة والترهيب النفسي، حيث تلقى عشرات الصحفيين في غزة اتصالات هاتفية ورسائل نصية مسجلة أو مباشرة من ضباط في جيش الاحتلال، تطالبهم بالتوقف عن التغطية أو إخلاء منازلهم وخيامهم، وفي حال تجاهل هذه التهديدات، كانت الهواتف تُستغل كرصد مركزي لتحديد ساعة الصفر للاغتيال من خلال ربط هواتهم ببنك الأهداف العسكرية، واستخدام خوارزميات التتبع الذكية متجاوزة الحصانة القانونية التي كفلتها المواثيق الدولية للصحفيين بوصفهم مدنيين.
من أداة للتغطية إلى سجلّ للتحركات
ويعتمد صحفيو غزة على الهواتف المحمولة في التقاط الصور والفيديوهات، وإرسال المواد إلى المؤسسات الإعلامية، وإجراء المقابلات، ومتابعة التطورات العاجلة، لكن هذا الاستخدام المكثف جعل الهاتف سجلًا رقميًا لتحركات الصحفي واتصالاته واهتماماته المهنية، وتكمن الخطورة في أن بعض التطبيقات والخدمات قد تجمع بيانات عن الموقع أو جهات الاتصال أو النشاط الرقمي، بينما قد تكشف الصور ومقاطع الفيديو، أحيانًا دون قصد، معلومات عن المكان أو الأشخاص الموجودين فيه، كما أن مشاركة الموقع المباشر أو نشر المواد فور التقاطها قد يعرّض الصحفي أو الآخرين لمخاطر لا تكون واضحة لحظة النشر.
ويقول المصور الصحفي لقناة الغد في مدينة خان يونس مازن البريم، إن الهاتف المحمول أصبح جزءًا أساسيًا من عملي اليومي، لكنه في الوقت نفسه أصبح مصدرًا للقلق والخطر، خاصة في ظل الظروف الميدانية والأمنية التي نعمل فيها داخل قطاع غزة، فالهاتف لا يحتوي فقط على صور ومقاطع فيديو، بل قد يتضمن أرقام زملاء ومصادر صحفية، ومحادثات ومعلومات مرتبطة بالعمل ومواقع التصوير، وعبر البريم عن تخوفه الدائم من فقدانه أو مصادرته أو اختراقه، وما قد يترتب على ذلك من كشف بيانات أو معلومات لا يفترض أن تصل إلى أي جهة أخرى. مضيفًا: إن من أكثر الأمور التي أصبحت أقلق بشأنها مسألة تتبع الهاتف أو اختراق الحسابات وانتحال الشخصية، خصوصًا أن الصحفي يعتمد بشكل كبير على تطبيقات التواصل لإرسال المواد والتنسيق مع غرفة الأخبار والزملاء والمصادر، وأي اختراق للحساب قد لا يضر بي وحدي، بل قد يمتد تأثيره إلى أشخاص أتواصل معهم بحكم عملي.
ويسيطر الاحتلال الإسرائيلي على كامل البنية التحتية الرقمية في غزة وفي عموم فلسطين، بما في ذلك استخدام الأجهزة المحمولة والوصول إلى الإنترنت، وبالتالي، يمكن أن يتسبب بأي وقت في خلل في خدمة الاتصالات السلكية واللاسلكية والإنترنت.
الحاجة إلى تدريب يتجاوز الاستخدام التقني
ولا يتوقف الخطر عند احتمال فقدان الهاتف أو مصادرته أو تضرره جراء القصف؛ إذ قد يواجه الصحفي أيضًا محاولات اختراق الحسابات، أو التصيد الإلكتروني، أو سرقة كلمات المرور، أو انتحال الشخصية، أو مراقبة الاتصالات، وقد تبدأ بعض الهجمات برسالة تبدو عادية، أو رابط يُرسل تحت عنوان عاجل، أو ملف يدّعي أنه متعلق بعمل صحفي، وبمجرد فتحه أو إدخال بيانات الدخول، قد يفقد الصحفي السيطرة على حساباته أو بياناته، أو تصبح معلوماته المهنية عرضة للوصول غير المصرح به.
وتروي الصحفية رهيفة الرواغ مراسلة موقع الرواسي الإلكتروني ، حادثًا يبدو غريبًا يتعلق بهاتفها المحمول حيث قامت في الأيام الأولى من الحرب الإسرائيلية على غزة بتغطية خبر قصف الاحتلال لصالة أفراح تأوي نازحين، وبعد نشرها للخبر وصور القصف بقرابة عشر دقائق تم ايقاف شريحة الأورانج التي كانت تستخدمها، كما توقفت المجموعات الإخبارية التي كانت تنشر عليها، وتضيف: "بعد حوالي اسبوع تقريبًا من هذا الحادث حُرقت شاشة الجوال وفي نفس التوقيت حُرق جوال آخر كنت استخدمه في عملي، وقد رجح فنيين بأن فيروس أصاب الجهازين من قبل هكرز اسرائيلي، لأن تلك الفترة كان الاحتلال يلاحق الصحفيين بكل الوسائل".
وبغض النظر عن مدى صحة فرضية حرق الجوال من قبل هكرز اسرائيلي، فإن تجربة الصحفيين في غزة تكشف أن التدريب على استخدام الهاتف في التصوير والمونتاج والبث لم يعد كافيًا وحده؛ إذ بات من الضروري أن تتكامل المهارات التقنية مع الوعي بالسلامة الرقمية والأمن الشخصي وحماية المصادر.
ويوضح الصحفي رامي خضر مدير تحرير موقع الكرمل الإخباري والذي فقد هاتفه أول مرة أثناء تواجده في إحدى الأماكن التي تعرضت للقصف، كما تم مصادرة هاتف آخر كان بحوزته من قبل جنود الاحتلال عند أحد الحواجز :" أن الصحفيين في غزة وبعد تجربة الحرب الأخيرة والتي فقدت خلالها هاتفين بكل محتوياتهما وملفات العمل، بحاجة إلى تدريب متكامل يشمل تقييم المخاطر قبل استخدام التطبيقات، والتعامل مع الحسابات المخترقة، وحماية المواد الحساسة، والتصرف عند فقدان الجهاز أو التعرض للتهديد الإلكتروني، وإدارة البيانات أثناء النزوح "، ويضيف:" في كل مرة كنت أنزح فيها كنت اضطر لحذف أرشيف كامل من عملي الصحفي لتجنب أي مصادرة للهاتف على الحواجز أو أي رصد استخباراتي".
ولا يقتصر الأمر على المهارات الفردية فحسب، بل يؤكد خضر على أهمية وجود سياسات واضحة وناظمة داخل المؤسسات الإعلامية تتعلق بتخزين المواد، وتبادل الملفات بسرية، والإبلاغ السريع عن الحوادث الرقمية، إلى جانب توفير الدعم الفني اللازم للصحفيين لحمايتهم من اختراق مصادرهم أو تتبع تحركاتهم.
السلامة تبدأ من إدارة الهاتف
وبمراجعة أدبيات السلامة الرقمية في مناطق النزاع ، يُجمع مختصون أن تقليل مخاطر الهاتف المحمول لا يتحقق بإجراء واحد، بل من خلال مجموعة من الممارسات اليومية، أبرزها: استخدام كلمة مرور قوية وقفل آمن للهاتف، وتفعيل المصادقة الثنائية للحسابات المهمة، وتحديث نظام التشغيل والتطبيقات بصورة منتظمة، تجنب فتح الروابط والملفات مجهولة المصدر، مراجعة أذونات التطبيقات، وتقليل تخزين البيانات الحساسة على الهاتف متى أمكن، وإجراء نسخ احتياطية آمنة للمواد المهنية المهمة، والحذر عند استخدام شبكات الإنترنت العامة أو أجهزة الشحن غير الموثوقة، تعطيل مشاركة الموقع غير الضرورية، إضافة إلى وضع خطة للتعامل مع فقدان الهاتف أو سرقته أو تعرضه للتلف.
