الهاتف القاتل.. حين يحمل الصحفي في جيبه إحداثيات مباشرة لموته

صورة بواسطة الذكاء الاصطناعي
صورة بواسطة الذكاء الاصطناعي

غزة/ البوابة 24- سحر هشام غانم:

في ذلك الشريط الساحلي الضيق حيث الموت يتربص بساكنيه، وسط عالم تحكمه تكنولوجيا رقمية تحتكر إسرائيل خوارزمياتها وشبكات اتصالاتها العاملة في قطاع غزة، لم يعد الصحفي الغزي تحديدًا يحمل في جيبه أداة لصناعة ونقل الخبر فحسب، بل قنبلة موقوتة.. هاتف محمول صغير، وُجد ليوثق الحقيقة، فإذا به يحمل إحداثيات موت الصحفي ويتحول في لحظة قصف أو تفتيش إلى "دليل إدانة" رقمي، أو "شاشة إرشاد" تقود الخطر مباشرة إلى الصحفي، عائلته، ومصادره السريّة.

الهواتف المحمولة: ساحة حرب استخباراتية

ففي ظروف بالغة التعقيد، انقطع قطاع غزة مرارًا أثناء الحرب الإسرائيلية عن العالم الخارجي، جراء تدمير البنية التحتية للاتصالات والإنترنت، وفي خضم هذه العزلة، وجد الصحفيون أنفسهم مضطرين للاعتماد الكلي على الهواتف المحمولة وأجهزة البث الخلوي لإنجاز مهامهم في نقل الصورة الحية والمجازر المرتكبة بحق المدنيين، غير أن هذا الاعتماد شكّل فخًا استخباراتيًا قاتلاً؛ إذ استخدمت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية منظومات متطورة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والخوارزميات لتتبع البصمات الإلكترونية والإشارات المنبعثة من هواتف الصحفيين.

وتشير عدة تقارير استقصائية وحقوقية إلى بُعد أمني أكثر تعقيدًا، من بينها تقرير نشرته منظمة هيومن رايتس ووتش في 10 سبتمبر/أيلول 2024 بعنوان: استخدام الجيش الإسرائيلي الأدوات الرقمية في غزة وتتبع البيانات الخلوية، وثق استخدام جيش الاحتلال لأدوات رقمية وخوارزميات ذكاء اصطناعي مثل أنظمة التتبع عبر تثليث أبراج الاتصالات، والبيانات الوصفية، وأنظمة الاستهداف مثل "لافندر" و"غوسبيل؛ فالعديد من الزملاء الصحفيين الذين استهدفت خيامهم أو سياراتهم أو منازلهم، تبين لاحقًا أن هواتفهم المحمولة كانت تمثل "إحداثيات حية" تتحرك على خريطة الرصد الاستخباري الإسرائيلي، وأكد التقرير أن المنظومة العسكرية الإسرائيلية بالفعل استغلت الهواتف لتتبع واغتيال الصحفيين، معتمدةً على عدة آليات تقنية خبيثة، أبرزها: التتبع الجغرافي اللحظي من خلال رصد إشارات الأبراج الخلوية، حيث تمكنت القوات الإسرائيلية من تحديد الإحداثيات الدقيقة لمواقع تواجد الصحفيين، حتى داخل خيام الصحفيين أو السيارات المدنية المميزة بشارات الصحافة، مما سهّل توجيه ضربات دقيقة ومباشرة عبر الطائرات المسيرة وغيرها، إضافة إلى اختراق واعتراض الاتصالات الرقمية، فتعرضت هواتف العديد من الصحفيين لعمليات اختراق سيبراني مسبق، أو مراقبة دقيقة لبياناتهم الوصفية، مثل المكالمات، الرسائل، وتطبيقات المراسلة الفورية، لمعرفة تحركاتهم وعلاقاتهم الاجتماعية ومقرات لجوئهم المؤقتة.

وأفاد أحد الصحفيون الذين عملوا خلال فترة الحرب من مستشفى ناصر بخانيونس وقد رفض ذكر هويته، أنه شهد استهداف العديد من الزملاء الصحفيين، وجرى الحديث لاحقًا بأن هواتفهم كانت مشغولة باتصالات وعلى ما يبدو أنه تم رصد إشاراتها بدقة متناهية.

كما مثلت الهواتف المحمولة وسيلة للاحتلال استخدمها في التهديدات المباشرة والترهيب النفسي، حيث تلقى عشرات الصحفيين في غزة اتصالات هاتفية ورسائل نصية مسجلة أو مباشرة من ضباط في جيش الاحتلال، تطالبهم بالتوقف عن التغطية أو إخلاء منازلهم وخيامهم، وفي حال تجاهل هذه التهديدات، كانت الهواتف تُستغل كرصد مركزي لتحديد ساعة الصفر للاغتيال من خلال ربط هواتهم ببنك الأهداف العسكرية، واستخدام خوارزميات التتبع الذكية متجاوزة الحصانة القانونية التي كفلتها المواثيق الدولية للصحفيين بوصفهم مدنيين.

من أداة للتغطية إلى سجلّ للتحركات

ويعتمد صحفيو غزة على الهواتف المحمولة في التقاط الصور والفيديوهات، وإرسال المواد إلى المؤسسات الإعلامية، وإجراء المقابلات، ومتابعة التطورات العاجلة، لكن هذا الاستخدام المكثف جعل الهاتف سجلًا رقميًا لتحركات الصحفي واتصالاته واهتماماته المهنية، وتكمن الخطورة في أن بعض التطبيقات والخدمات قد تجمع بيانات عن الموقع أو جهات الاتصال أو النشاط الرقمي، بينما قد تكشف الصور ومقاطع الفيديو، أحيانًا دون قصد، معلومات عن المكان أو الأشخاص الموجودين فيه، كما أن مشاركة الموقع المباشر أو نشر المواد فور التقاطها قد يعرّض الصحفي أو الآخرين لمخاطر لا تكون واضحة لحظة النشر.

ويقول المصور الصحفي لقناة الغد في مدينة خان يونس مازن البريم، إن الهاتف المحمول أصبح جزءًا أساسيًا من عملي اليومي، لكنه في الوقت نفسه أصبح مصدرًا للقلق والخطر، خاصة في ظل الظروف الميدانية والأمنية التي نعمل فيها داخل قطاع غزة، فالهاتف لا يحتوي فقط على صور ومقاطع فيديو، بل قد يتضمن أرقام زملاء ومصادر صحفية، ومحادثات ومعلومات مرتبطة بالعمل ومواقع التصوير، وعبر البريم عن تخوفه الدائم من فقدانه أو مصادرته أو اختراقه، وما قد يترتب على ذلك من كشف بيانات أو معلومات لا يفترض أن تصل إلى أي جهة أخرى. مضيفًا: إن من أكثر الأمور التي أصبحت أقلق بشأنها مسألة تتبع الهاتف أو اختراق الحسابات وانتحال الشخصية، خصوصًا أن الصحفي يعتمد بشكل كبير على تطبيقات التواصل لإرسال المواد والتنسيق مع غرفة الأخبار والزملاء والمصادر، وأي اختراق للحساب قد لا يضر بي وحدي، بل قد يمتد تأثيره إلى أشخاص أتواصل معهم بحكم عملي.

ويذكر أن الاحتلال الإسرائيلي يسيطر على كامل البنية التحتية الرقمية في غزة وفي عموم فلسطين، بما في ذلك استخدام الأجهزة المحمولة والوصول إلى الإنترنت، وبالتالي، يمكن أن يتسبب بأي وقت في خلل في خدمة الاتصالات السلكية واللاسلكية والإنترنت.

الحاجة إلى تدريب يتجاوز الاستخدام التقني

ويوضح سلطان جحا الخبير الرقمي: أن الخطر لا يتوقف عند احتمال فقدان الهاتف أو مصادرته أو تضرره جراء القصف ، أو اختراق الحسابات، أو سرقة كلمات المرور، أو انتحال الشخصية، وتسريب الصور والملفات والمحادثات، بل يتعدى ذلك إلى الوصول لمعلومات عن المصادر والزملاء ، مشيرًا إلى نقطة مهمة جدًا وهي أن الهاتف لا يحفظ المعلومات فقط، بل من الممكن أن يكشف في ذات الوقت معلومات عن الصحفي نفسه؛ أين ذهب، ومع من تواصل، وأي شبكات اتصل فيها، وأحيانًا الأماكن التي تحرك بينها، حتى الصورة التي يعتقد الصحفي أنها مجرد صورة عادية، ممكن أن تحتوي على معلومات إضافية بحسب إعدادات الجهاز والتطبيق المستخدم، لذلك الأمن الرقمي بالنسبة للصحفي ليس رفاهية، بل جزء من السلامة المهنية والميدانية.

وتروي الصحفية رهيفة الرواغ مراسلة موقع الرواسي الإلكتروني ، حادثًا يبدو غريبًا يتعلق بهاتفها المحمول حيث قامت في الأيام الأولى من الحرب الإسرائيلية على غزة بتغطية خبر قصف الاحتلال لصالة أفراح تأوي نازحين، وبعد نشرها للخبر وصور القصف بقرابة عشر دقائق تم ايقاف شريحة الأورانج التي كانت تستخدمها، كما توقفت المجموعات الإخبارية التي كانت تنشر عليها، وتضيف: "بعد حوالي اسبوع تقريبًا من هذا الحادث حُرقت شاشة الجوال وفي نفس التوقيت حُرق جوال آخر كنت استخدمه في عملي، وقد رجح فنيين بأن فيروس أصاب الجهازين من قبل هكرز اسرائيلي، لأن تلك الفترة كان الاحتلال يلاحق الصحفيين بكل الوسائل".

وبغض النظر عن مدى صحة فرضية حرق الجوال من قبل هكرز اسرائيلي، فإن تجربة الصحفيين في غزة تكشف أن التدريب على استخدام الهاتف في التصوير والمونتاج والبث لم يعد كافيًا وحده؛ إذ بات من الضروري أن تتكامل المهارات التقنية مع الوعي بالسلامة الرقمية والأمن الشخصي وحماية المصادر.

ويرى الصحفي رامي خضر مدير تحرير موقع الكرمل الإخباري والذي فقد هاتفه أول مرة أثناء تواجده في إحدى الأماكن التي تعرضت للقصف، كما تم مصادرة هاتف آخر كان بحوزته من قبل جنود الاحتلال عند أحد الحواجز :" أن الصحفيين في غزة وبعد تجربة الحرب الأخيرة والتي فقدت خلالها هاتفين بكل محتوياتهما وملفات العمل، بحاجة إلى تدريب متكامل يشمل تقييم المخاطر قبل استخدام التطبيقات، والتعامل مع الحسابات المخترقة، وحماية المواد الحساسة، والتصرف عند فقدان الجهاز أو التعرض للتهديد الإلكتروني، وإدارة البيانات أثناء النزوح "، ويضيف:" في كل مرة كنت أنزح فيها كنت اضطر لحذف أرشيف كامل من عملي الصحفي لتجنب أي مصادرة للهاتف على الحواجز أو أي رصد استخباراتي".

ولا يقتصر الأمر على المهارات الفردية فحسب، بل يؤكد خضر على أهمية وجود سياسات واضحة وناظمة داخل المؤسسات الإعلامية تتعلق بتخزين المواد، وتبادل الملفات بسرية، والإبلاغ السريع عن الحوادث الرقمية، إلى جانب توفير الدعم الفني اللازم للصحفيين لحمايتهم من اختراق مصادرهم أو تتبع تحركاتهم.

السلامة تبدأ من إدارة الهاتف

ويرى الخبير الرقمي جحا أن تقليل مخاطر الهاتف المحمول لا يتحقق بإجراء واحد، بل من خلال مجموعة من الممارسات اليومية، أبرزها: تعيين رمز مرور قوي للهاتف، تحديث نظام التشغيل والتطبيقات، التحقق بخطوتين، تشفير الجهاز، نسخ احتياطي آمن، تقليل البيانات الحساسة المخزنة على الهاتف، وعدم فتح الروابط أو الملفات المشبوهة، إضافة إلى ضرورة مراجعة صلاحيات التطبيقات، خصوصًا الوصول للموقع والكاميرا والميكروفون وجهات الاتصال، والأهم من كل هذا: أن يقلل الصحفي كمية المعلومات الموجودة على الهاتف وقت التغطية، فأفضل طريقة لحماية معلومة حساسة هي ببساطة ألا تكون موجودة على الجهاز. وينصح جحا الصحفي الذي يعمل في بيئة قطاع غزة بألا يتعامل مع هاتفه كأنه مجرد هاتف؛ بل باعتباره جزءًا من معدات السلامة المهنية، مضيفًا أن الصحفي الذي يتفحص الكاميرا والبطارية والذاكرة قبل نزوله للميدان، عليه أيضًا أن يفحص أمان حساباته وبياناته.، ويؤكد أن الصحفي في بيئة عمل مثل قطاع غزة، لا يستطيع أن يمنع كل المخاطر بشكل كامل، لكن بإمكانه أن يقلل الكثير من حجم الضرر من خلال الاستعداد، وأهم قاعدة أن يحتفظ الصحفي بأقل قدر ممكن من المعلومات الحساسة على الهاتف، وأن يحمي المعلومات الموجودة عليه، وأن يعرف مسبقًا ماذا سيفعل إذا فقد هاتفه أو تم الوصول إليه فالاستعداد قبل الخطر أهم بكثير من محاولة معالجة المشكلة بعد وقوعها.

البوابة 24