"رصاصة" تُسقط درس "خالد".. وتزرع الخوف في خيمة "عزيزة"!

صورة بواسطة الذكاء الاصطناعي
صورة بواسطة الذكاء الاصطناعي

غزة/ البوابة 24- دعاء شاهين:

داخل خيمةٍ تعليميةٍ أقيمت في مدرسة السوافيري، غربي مدينة غزة، كان خالد الأشرم (11 عامًا)، منهمكًا في درسِه. يمسك قلمه وكراسته، ويحاول استعادة شيء من حياته التي انتزعتها الحرب منه: مقعد دراسي، ودرس يتابعه، ووقت عادي يشبه ما يعيشه الأطفال في أماكن أخرى.

لكن لحظة واحدة كانت كفيلة بإعادة رعب الحرب إلى المكان. رصاصةٌ إسرائيلية اخترقت يده واستقرت في معصمه. لم يفهم ماذا حدث؟ ولا ما الذي أصابه.. "ظننت أن أحدهم ألقى على يدي حجرًا" يقول.

يحاول الطفل استعادة اللحظة التي شعر فيها بحرارةٍ وألمٍ في كفه، قبل أن يرى الدم يسيل منه، ليُنقل على الفور إلى مستشفى الشفاء بغزة، حيث خضع لتدخل جراحي لإزالة الرصاصة.

يضيف: "كنت أتعلم عندما اخترقت الرصاصة كفي. نقلوني بسرعة إلى أقرب مشفى، وفي البداية قرر الأطباء البتر لأن الرصاصة كانت عالقة، لكنني نجوت بعد أن مكثت في غرفة العمليات لساعات طويلة حتى استطاع الفريق الطبي إزالتها".

ويتابع بحرقة، بعد أن قبض على يده المصابة بالأخرى التي ما زالت ترتجف: "إنها تؤلمني، وما يؤلمني أكثر أنني توقفت عن الكتابة ومتابعة دروسي".

لم تترك الرصاصة جرحًا في يد خالد فقط، بل قطعت عليه طريق العودة إلى الدراسة، التي كان يحاول استئنافها بعد سنوات حرمته فيها الحرب من مقعده المدرسي.

ويكمل: "لا يتوقف الاحتلال عن إطلاق الرصاص الطائش تجاهنا، وقد يتكرر الحدث مع الكثير من الأطفال بغزة. نحن نريد أن نعيش بسلام ونذهب للتعلم كباقي أطفال العالم".

ويشير الطفل إلى أن زملاءه أصبح لديهم خوف من الذهاب إلى الخيمة التعليمية التي أصيب فيها، خشية أن تتكرر الحادثة معهم.. ففي لحظة تبدو عادية، قد تتحول حياة مدني إلى مأساة، حين تصل رصاصة أطلقتها القوات الإسرائيلية إلى مناطق وجودهم دون سابق إنذار، مخلفة إصابة قد تغير حياة الضحية أو تودي بها تمامًا.

من مقعد خالد الدراسي إلى خيمة عزيزة قديح في مواصي خان يونس، جنوبي قطاع غزة، تبدو المسافة كبيرة، لكن الخوف واحد.

هناك، لم تكن الرصاصة تمر قرب طفل يمسك قلمًا، بل كادت أن تصيب امرأة كانت تغسل أطباق أسرتها أمام خيمتها.

تستعيد عزيزة (40 عامًا) اللحظة فتقول: "مرّت الرصاصة بمحاذاة رأسي قبل أن ترتطم بعمود الخيمة". وتزيد: "تجمدت في مكاني عاجزة عن استيعاب أن الفرق بين نجاتي وموتي ثانية".

منذ ذلك اليوم، لم يعد صوت إطلاق النار مجرد صوت بعيد بالنسبة إليها؛ أصبح جزءًا من يومها، ومن خوفها على أطفالها الستة. تخبرنا: "إطلاق النار يبدأ وفق ما أشهده يوميًا، منذ التاسعة صباحًا ويستمر بكثافة حتى الرابعة عصرًا (..) الرصاص يصل من مناطق شرق خان يونس باتجاه مناطق النزوح في المواصي غربًا، وصولًا إلى المناطق القريبة من البحر".

وتقول: "منذ تلك الحادثة وأنا أعيش رعبًا يوميًا، خصوصًا على أولادي. أصبح لدي هاجس، أتخيل رصاصة تخترق جسدي أو جسد أحد منهم، لكن لا يمكننا تغيير المكان. هذا ملجأنا الوحيد".

وتوضح النازحة أن عائلتها نزحت في بداية الحرب الإسرائيلية على غزة إلى المواصي، التي يصفها الاحتلال بأنها مناطق إنسانية آمنة، بحثًا عن مكان يحميها من القصف، "لكن التجربة اليومية جعلتني متأكدة من أن لا شبر آمن في غزة".

وتظهر بيانات مؤسسة "الضمير" لحقوق الإنسان جانبًا من هذا الواقع، ففي يونيو/حزيران 2026م، وثقت المؤسسة مقتل (107) فلسطينيين في قطاع غزة، بينهم 14 طفلًا و13 سيدة.

ومن بين الحالات التي وثّقتها، قتل 13 مدنيًا داخل المناطق الأمنية أو ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، بينهم طفلان وسيدة، فيما أدى استهداف مراكز الإيواء والخيام إلى مقتل 20 شخصًا، بينهم طفلان وثلاث سيدات.

لكن هذه الأرقام لا تقدم رقمًا مستقلًا لضحايا ما يصفه المدنيون بـ"الرصاص الطائش"، وهو ما يجعل قياس الحجم الكامل للظاهرة أكثر صعوبة.

وتقول المؤسسة "إن المنطقة الواقعة شرقي "الخط الأصفر" أصبحت منطقة أمنية خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، وإن المدنيين الموجودين في محيطها تعرضوا للقتل والتدمير والتهجير".

وفي ظل غياب رقمٍ مستقل يحدد ضحايا إطلاق النار الذي يصفه المدنيون بالطائش، تبقى قصص المصابين إحدى الطرق التي تكشف جانبًا من الخطر الذي يواجهونه في المناطق المكتظة بالنازحين.

على الصعيد الطبي، يقول الدكتور محمد أبو عقش، مدير جمعية الإغاثة الطبية بغزة: "العيادات والمستشفيات تستقبل إصابات ناجمة عن إطلاق النار في المناطق التي يوجد فيها المدنيون، وهذه الإصابات تتكرر بصورة ملحوظة، خصوصًا في المناطق القريبة من مواقع انتشار القوات الإسرائيلية".

ويشير أبو عقش إلى أن بعض المصابين يصلون بإصابات بالغة قد تنتهي ببتر أطراف أو أجزاء من الجسم، ملفتًا إلى أن الطواقم الطبية ترصد إصابات ناجمة عن أسلحة نارية قوية، بينها رشاشات ثقيلة وطائرات مسيّرة من طراز "كواد كابتر"، "بينما الإصابات تتركز في كثير من الحالات في الجزء العلوي من الجسم".

لكن وصف هذه الحوادث بأنها ناجمة عن "رصاص طائش" يفتح سؤالًا أوسع حول طبيعة إطلاق النار في المناطق التي يعيش فيها مدنيون بكثافة.

إذ يرفض علاء السكافي، مدير مؤسسة "الضمير" لحقوق الإنسان في غزة، وصف هذه الحوادث بأنها نتيجة رصاص طائش، واصفًا ما يحدث بأنه "أعمال انتقامية" من الجيش الإسرائيلي.

ويقول: "إطلاق النار المتكرر والكثيف في مناطق مأهولة، مع معرفة القوات الإسرائيلية بطبيعة وجود المدنيين فيها، لا يمكن التعامل معه دائمًا باعتباره إطلاق نار عشوائيًا أو غير مقصود، بل قد يرقى، بحسب ظروف كل حادثة، إلى أفعال محظورة بموجب القانون الدولي الإنساني".

ويشير السكافي إلى أن المدنيين حُشروا في مساحات محدودة من القطاع، فيما يعيش كثير منهم في خيام لا توفر حماية حقيقية من الرصاص، الأمر الذي يجعل المناطق المحاذية لمواقع انتشار القوات الإسرائيلية، أو ما يعرف بـ "المناطق الصفراء"، شديدة الخطورة على السكان.

ويضيف: "دولة الاحتلال تسيطر على نحو 65% من مساحة قطاع غزة، وإطلاق النار في ظل التكدس السكاني في مساحات ضيقة يعني أن احتمالية إصابة المدنيين مرتفعة".

وأشار السكافي كذلك إلى مقاطع فيديو نشرها جنود إسرائيليون عبر منصات التواصل الاجتماعي، قال إنها أظهرت ممارسات لإطلاق النار لأغراض التسلية أو لبث الخوف والرعب في نفوس الفلسطينيين.

وبين طفل توقفت يده عن الكتابة، وأم باتت تخشى على أطفالها من رصاصة قد تأتي من بعيد، تضيق المساحة التي يستطيع فيها الغزيون أن يعيشوا حياتهم العادية.. تلك التي لا صوت فيها للنار ولا مكان.

البوابة 24