يومٌ ثقيل في محيط "بِركة الرضوان".. ونازحون لا مساحة لديهم للمناورة!

بركة الشيخ رضوان
بركة الشيخ رضوان

غزة/ البوابة 24- صفاء كمال:

داخل خيمة لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار، تحاول "مريم" (32 عامًا)، أن تجعل من القماش المشدود فوق رؤوس أطفالها مساحةً قابلة للحياة، لكن ما يحيط بها لا يمنحها كثيرًا من الطمأنينة.

ثلاثة أطفال يتقاسمون معها الخيمة، بينهم طفلة في السادسة، أصبحت لدغات الحشرات جزءًا متكررًا من يومياتها.

وفي الليل، لا تنتهي مخاوف الأم عند حدود البعوض؛ فالقوارض تتسلل إلى المكان، وتدفع الأسرة إلى رفع الطعام والملابس عن الأرض وإخفائها في أماكن مغلقة.

في الخارج، لا يفصل الخيام عن المياه الراكدة في بركة الشيخ رضوان، سوى مسافة قصيرة. نفايات متراكمة، حشرات تنتشر في المكان، وروائح تزداد مع ارتفاع درجات الحرارة وتراكم المياه العادمة.. مشهد يضع الأسر النازحة أمام مشكلة تتجاوز ضيق الخيمة إلى البيئة المحيطة بها.

وتقع بركة الشيخ رضوان شمالي مدينة غزة، وتمتد على مساحة واسعة ضمن منظومة تصريف مياه الأمطار في المدينة، لتتحول اليوم إلى واحدة من أبرز بؤر التلوث التي تحيط بمواقع النزوح في المنطقة.

ومع تضرر شبكات الصرف الصحي ومحطات المعالجة والضخ، باتت البركة تستقبل كميات من مياه الصرف الصحي، ناهيكم عن مطر الشتاء، فيما تتجمع المياه الملوثة بالقرب من خيام النازحين، وترافقها النفايات والحشرات والقوارض والروائح الكريهة.

لا مساحة للمناورة

على مقربةٍ من مريم، يعيش "أبو أحمد" (47 عامًا) مع أطفاله الأربعة، ويحاول مثلها، إبعادهم قدر الإمكان عن البرك والمياه المتجمعة حول الخيام.

يقول: "انتشار البعوض والذباب أصبح جزءًا من حياتنا اليومية، فيما تجد القوارض طريقها إلى الطعام والملابس". لكن القلق الأكبر بالنسبة إليه هو اقتراب المياه العادمة من أماكن إقامة العائلات، بعدما امتلأت الحفر الامتصاصية ولم تعد قادرة على استيعاب المزيد".

ولا يملك الرجل مساحةً واسعةً للمناورة، فالخيمة هي المنزل، وما حولها هو المساحة الوحيدة المتاحة للأطفال من أجل الحركة واللعب.

وبينما يزداد خطر ملامسة المياه الملوثة أو التعرض للدغات الحشرات، تصبح مهمة حماية الصغار أكثر صعوبة، خصوصًا في ظل تدمير الاحتلال لمنظومة الصرف الصحي، في ظل الاحتياجات المتزايدة.

ولا تقتصر المخاوف على السكان وحدهم. فالمياه الراكدة والنفايات والقوارض ترتبط بمخاطر صحية وبيئية أوسع في مواقع النزوح المكتظة في القطاع.

وتشير "يونيسف" إلى أن القوارض ونواقل الأمراض تنتشر على نطاق واسع في مواقع النزوح، بالتزامن مع تدهور ظروف النظافة وتراكم النفايات ومحدودية خدمات الصرف الصحي.

وفي تقييم أوردته المنظمة في مايو/أيار 2026، كانت القوارض ونواقل الأمراض تُرصد في 80% من مواقع النزوح التي شملها التقييم، فيما انتشرت الأمراض الجلدية في 48% منها.

المشهد حول خيام النازحين ليس أزمةً منفصلة عن الانهيار الذي أصاب منظومة الصرف الصحي في غزة، فبركة الشيخ رضوان أُنشئت أساسًا ضمن منظومة تصريف مياه الأمطار، لكن تضرر شبكات الصرف الصحي والمنشآت المرتبطة بها دفع مياه الصرف إلى الوصول إليها.

وفي أحدث تحديث لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، الصادر في سبتمبر/أيلول 2026م، أفادت الأمم المتحدة بأن منشأة الشيخ عجلين لمعالجة مياه الصرف الصحي، التي كانت تخدم نحو 700 ألف شخص قبل تضررها، أصبحت تصرف مياه الصرف باتجاه بركة الشيخ رضوان.

وتأتي هذه المشكلة ضمن أزمة أوسع، إذ تشير الأمم المتحدة إلى أن محطات معالجة مياه الصرف الصحي الست في قطاع غزة متوقفة عن العمل، فيما خرجت 70% من محطات ضخ الصرف الصحي عن الخدمة، ونتيجةً لذلك، يُصرّف أكثر من 150 ألف متر مكعب من مياه الصرف غير المعالجة إلى البيئة يوميًا.

وهكذا، تحولت البركة من جزء من منظومة يفترض أن تساعد في إدارة مياه الأمطار إلى نقطة تستقبل مياه الصرف في ظل تضرر الشبكات والمنشآت التي كان يفترض أن تتولى معالجتها.

سياق المشكلة أوسع

خلال الأشهر الماضية، ارتبطت قدرة البركة على التعامل مع المياه بمشكلة أخرى: الوقود ومواد التشغيل. وفي مايو/أيار الماضي، حذرت الأمم المتحدة من أن نقص زيت المحركات أجبر العاملين على وقف تشغيل بركة الشيخ رضوان مؤقتًا في 11 مايو/أيار، بهدف الحفاظ على العمر التشغيلي لأحد المولدات.

وبعد توقفها، ارتفعت مستويات المياه ومياه الصرف داخل البركة، ما زاد مخاطر الفيضانات والمخاطر الصحية. وقدرت الجهات العاملة في قطاع المياه والصرف الصحي الحاجة إلى نحو 7 آلاف لتر من زيت المحركات شهريًا لاستمرار العمليات.

وفي يوليو/تموز الماضي، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن بركتي الشيخ رضوان والصفطاوي استأنفتا العمل تدريجيًا بعد وصول زيوت المحركات وتنفيذ أعمال إصلاح، إلا أن ذلك لم ينه المشكلة، إذ واصلت البركتان استقبال مياه الصرف بسبب الأضرار التي لحقت بشبكات الصرف الصحي.

وتضع أرقام "اليونيسف" حجم الأزمة في سياق أوسع، ففي تقريرها الصادر في يوليو/تموز 2026م، قالت المنظمة إن 82% من الأسر في غزة تعاني انعدام الأمن المائي، وإن ما يصل إلى 70% منها لا يستطيع الوصول إلى ستة لترات من المياه للفرد يوميًا للشرب والطهي. كما قدرت أن قرابة 90% من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي تضررت أو دمرت.

ولا تتوقف آثار هذا التدهور عند صعوبة الحصول على المياه. فالمنظمة تربط بين محدودية الوصول إلى المراحيض، والتخلص غير الآمن من مياه الصرف، وتراكم النفايات، وانتشار القوارض ونواقل الأمراض، وبين ارتفاع مخاطر التلوث.

وفي مواقع النزوح، تصبح هذه المخاطر أكثر قربًا من السكان، إذ لا توجد مسافات كافية تفصل الخيام عن أماكن تجمع المياه أو النفايات، فيما يعيش الأطفال وكبار السن وغيرهم من الفئات الأكثر هشاشة في بيئة شديدة الاكتظاظ.

وبحسب "يونيسف"، كان نحو 1.9 مليون شخص من أصل 2.1 مليون في غزة يعيشون في حالة نزوح حتى منتصف عام 2026م، ما يجعل أي خلل في خدمات المياه والصرف والنظافة أكثر اتساعًا في تأثيره على السكان.

المطر.. تهديد آخر

ومع اقتراب موسم الأمطار، لا تتوقف المخاوف عند الروائح أو الحشرات أو المياه العادمة التي تقترب من الخيام، فالأمم المتحدة حذرت نهاية العام الماضي، من أن معظم سكان غزة يستقبلون موسم الأمطار في مواقع نزوح مكتظة، وسط مخاطر الفيضانات وتدهور الظروف الصحية.

وأظهرت تقييمات مواقع النزوح وجود حفر مفتوحة، ومراحيض غير آمنة، ومخاطر مرتبطة بمياه الصرف، ومشكلات في تصريف المياه، إلى جانب انتشار الآفات والحيوانات الضالة.

وفي مثل هذه الظروف، يمكن للأمطار أن تضاعف المشكلة، فالمياه التي تتجمع حول الخيام لا تبقى مجرد برك مؤقتة، بل قد تختلط بمياه الصرف وتقترب أكثر من أماكن النوم والطعام وحركة الأطفال.

ولهذا، لا تبدو الاستجابة المطلوبة مجرد حملة لتنظيف المكان أو رش المبيدات، بل تحتاج إلى إعادة تشغيل منظومة كاملة من المضخات وشبكات الصرف ومحطات المعالجة، وتأمين الوقود وقطع الغيار ومواد التشغيل.

حلول تبدأ من الخيمة.. ولا تنتهي عندها

وتعمل الجهات الإنسانية والأممية على دعم خدمات المياه والصرف، لكن الاحتياجات تتجاوز ما يمكن أن تقدمه التدخلات الطارئة.

وفي منتصف العام، قالت "اليونيسف": "إن أكثر من 1.15 مليون شخص تمكنوا من الوصول إلى مياه شرب آمنة عبر خدمات الطوارئ ونقل المياه خلال الأشهر الستة الأولى من 2026م، كما استفاد نحو 516 ألف شخص من خدمات الصرف الصحي".

وفي الوقت نفسه، شددت المنظمة على الحاجة إلى إدخال المضخات والأنابيب وقطع الغيار والزيوت والمواد اللازمة لتشغيل منظومات المياه والصرف.

كما تتضمن خطط الاستجابة أعمالًا لإعادة تأهيل مرافق المياه والصرف ومحطات الضخ، بما فيها محطة مياه الأمطار في الشيخ رضوان، في محاولة لإعادة جزء من المنظومة التي تعطلت بفعل الأضرار ونقص مستلزمات التشغيل.

هنا، لا يعيش النازحون بجوار مشكلة بيئية فحسب.. إنهم يقيمون داخل آثارها، ويضطرون كل يوم إلى رسم حدود جديدة بين خيمهم والمياه والنفايات والقوارض. وفي مكان كان يفترض أن يكون مأوى مؤقتًا، يصبح إبقاء الطفل بعيدًا عن بركة ملوثة مهمة يومية، بينما يبقى الحل الحقيقي أبعد من قدرة العائلات، معلقًا بإصلاح شبكة كاملة لا تبدأ من الخيمة، ولا تنتهي عندها.

البوابة 24