التشريعي ليس لمن هبّ ودبّ

المحامي علي أبو حبلة:

المجلس التشريعي ليس سوقاً للمنافع، ولا منصة للوجاهة والاستعراض، ولا جائزة لمن يجيد طرق الأبواب وطلب التزكية. إنه مؤسسة وطنية يفترض أن يمثل أعضاؤها الشعب، ويمارسوا التشريع والرقابة والمساءلة، ويحملوا مسؤولية عامة لا تحتمل العبث ولا المجاملة. ولهذا ينبغي أن يقال بوضوح: ليس كل من هبّ ودبّ يصلح لأن يكون مرشحاً، وليس كل من يطرق الأبواب بحثاً عن موقع يستحق أن يوضع اسمه في قائمة المرشحين. الطموح السياسي مشروع، والرغبة في خدمة الناس حق لا خلاف عليه، لكن هناك فارقاً كبيراً بين من يتقدم إلى العمل العام حاملاً مشروعاً ورؤية وسيرة تؤهله للمسؤولية، وبين من يتحول هدفه إلى الحصول على تزكية بأي ثمن، أو الوصول إلى قائمة انتخابية عبر العلاقات والوساطات والاسترضاء.

التشريعي ليس لمن يلهث خلف المقعد، وإنما لمن يستطيع أن يثبت أنه جدير بأمانة المقعد. ولا ينبغي أن يكون معيار الاختيار هو الأكثر ظهوراً أو الأكثر صخباً أو الأكثر قدرة على المباهاة والاستعراض، ولا الأكثر امتلاكاً لشبكة العلاقات. فالمؤسسة التشريعية تحتاج إلى أصحاب معرفة وخبرة وقدرة على قراءة القوانين وصياغتها ومناقشتها، وإلى شخصيات تمتلك استقلالية القرار والقدرة على ممارسة الرقابة حتى عندما تكون الرقابة غير مريحة لأصحاب النفوذ. وهنا تبرز مسؤولية الجهات التي ستشارك في إعداد القوائم واختيار المرشحين. المطلوب ليس جمع أسماء، بل تدقيق في الأسماء. يجب البحث والتحري عن كل مرشح، ودراسة سيرته العامة والمهنية، وتاريخه في العمل العام، وسلوكه وممارساته، ومواقفه، ومستوى علاقاته، ومصالحه، ومدى استقلالية قراره، واحترامه للقانون والمؤسسات، وقدرته على الفصل بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة.

وهذا لا يعني فتح باب التشهير أو تصفية الحسابات أو إطلاق الاتهامات بلا دليل، بل يعني اعتماد معايير موضوعية معلنة تنطبق على الجميع، لأن من يطلب تمثيل الشعب يجب أن يكون مستعداً لأن تكون سيرته العامة محل تدقيق ومساءلة. المقلق أن تتحول عملية الترشيح إلى سباق في التزلف والمجاملة والنفاق السياسي، وأن يصبح القرب من أصحاب القرار معياراً غير معلن للتقدم على أصحاب الكفاءة. فإذا كان الوصول إلى القائمة يحتاج إلى إرضاء الأشخاص قبل إقناع الناس، فإننا نكون قد قلبنا المعادلة الديمقراطية رأساً على عقب. النائب ليس موظفاً لدى من رشحه، ولا مديناً بمقعده لمن ساعده في الوصول إليه؛ النائب مدين أولاً للناس وللدستور والقانون والمصلحة العامة. ومن هنا فإن من يدخل السباق الانتخابي بحثاً عن المنفعة أو المكسب أو المغنم، أو سعياً وراء الوجاهة والحصانة والنفوذ، ينبغي أن يدرك أن المجلس التشريعي ليس المكان المناسب لتحقيق الطموحات الشخصية.

نحن بحاجة إلى نائب يعرف كيف يشرّع، لا كيف يستعرض؛ وكيف يراقب، لا كيف يجامل؛ وكيف يحاسب، لا كيف يسترضي؛ وكيف يحمي المصلحة العامة، لا كيف يحوّل الموقع العام إلى مصلحة خاصة. كما أن الشعبوية لا تصنع برلماناً قوياً. رفع الشعارات، والمبالغة في الخطاب، وصناعة الصورة، واستثمار المشاعر العامة، كلها لا تغني عن المعرفة القانونية والسياسية والقدرة على العمل المؤسسي. وكذلك فإن الحضور الاجتماعي وحده لا يكفي، والعلاقات وحدها لا تكفي، والقدرة على الحشد وحدها لا تكفي. المعيار يجب أن يكون واضحاً: ماذا قدم المرشح؟ ماذا يعرف؟ ماذا يستطيع أن يفعل؟ ما سجله في العمل العام؟ وما الذي يؤهله لتحمل أمانة التشريع والرقابة؟ لقد آن الأوان أن ينتقل النقاش من سؤال: من استطاع الوصول إلى القائمة؟ إلى سؤال أكثر أهمية: من يستحق أن يكون في القائمة؟ فالتشريعي ليس لمن هبّ ودبّ، وليس لمن يبيع كرامته على أبواب التزكية، وليس لمن يرى في السياسة سلماً إلى النفوذ والمغانم. التشريعي لمن يمتلك الكفاءة والنزاهة والاستقلالية والقدرة على التشريع، ولمن يعرف أن المقعد البرلماني تكليف لا تشريف، وأمانة لا غنيمة، ومسؤولية لا امتيازاً شخصياً. ومن أراد ثقة الناس، فليأتِ إليها من باب الكفاءة والسيرة والبرنامج والموقف، لا من أبواب التزلف والوساطة والمجاملة. فالبرلمان القوي لا يبدأ من صندوق الاقتراع فقط؛ بل يبدأ من لحظة اختيار المرشح. وإذا صلح الاختيار، ارتفع مستوى التمثيل. وإذا أصبحت العلاقات والتزكية بديلاً عن الاستحقاق، فإن الخلل يصل إلى المجلس قبل أن يصل إليه النواب

البوابة 24