الهاتف في غزة.. ملكيةٌ مشتركة!

صورة بواسطة الذكاء الاصطناعي
صورة بواسطة الذكاء الاصطناعي

غزة/ البوابة 24- صفاء كمال:

كل ما يذكره أنه كان يجري بلا وعي. حين أخرج محمد أبو العطا هاتفه من جيبه ليتصل بزوجته كي يطمئنها أنه بخير بعد قصفٍ استهدف سيارةً بالقرب من بسطته، وجد الشاشة وقد تحولت إلى شبكة من الشقوق.

لم يعرف متى سقط الهاتف ولا كيف، كل ما عرفه أن الجهاز الذي كان يحمله معه في كل مكان أصبح بحاجة إلى شاشة جديدة، وأن إصلاحها في ظل الحصار الذي فرضته الإبادة، ليس مسألةً بسيطة.

في مكان آخر، قد ينتهي الأمر بزيارة قصيرة إلى محل صيانة، أما في غزة، فقد يعني كسر الشاشة الدخول في دوامة من البحث عن قطعة غيار نادرة، ثم السؤال عن سعرها، ثم اكتشاف أن إصلاحها قد يكلف مبلغًا أعلى من ثمن الهاتف نفسه، وأكبر من قدرة الأسر التي طحنتها الإبادة.

فشحّ الهواتف وقطع غيارها، إلى جانب ارتفاع أسعار ما يتوفر منها، غيّر علاقة الغزيين بأجهزتهم. لم يعد تعطل الهاتف يعني بالضرورة شراء بديل، كما لم تعد صيانته خيارًا بسيطًا، فبعض القطع أصبحت نادرة، وأسعار أخرى ارتفعت أضعافًا، فيما يلجأ فنيو الصيانة أحيانًا إلى تفكيك أجهزة تالفة واستخدام أجزائها لإصلاح أجهزة أخرى.

وتكشف الأسعار حجم الأزمة. فقد وصلت كلفة استبدال بعض شاشات الهواتف -تبعًا لفني الصيانة عبد الله ياسين- إلى نحو 1200 شيكل، بينما تجاوزت كلفة إصلاح الشاشة ومدخل الشحن في حالات أخرى 1500 شيكل، بحسب نوع الجهاز وتوفر القطع.

ويضيف: "على سبيل المثال، ارتفع ثمن بطارية كان سعرها بالجملة نحو أربعة شواكل إلى قرابة 120 شيكلًا، وقفز سعر كابل الشحن من نحو 15 شيكلًا إلى قرابة 150 شيكلًا".

وحتى الهاتف البسيط لم يعد بمنأى عن الغلاء، إذ وصلت أسعار بعض أجهزة "الكشاف" المستعملة، في فترات من الحرب، إلى (350) و(500) شيكل.

ولا تتعلق أهمية الهاتف اليوم بالاتصال وحده، فهو بالنسبة إلى كثير من سكان غزة وسيلة لمتابعة التعليم الإلكتروني، والتواصل مع الأقارب، والحصول على الأخبار، ومشاهدة الفيديوهات، واستخدام التطبيقات والخدمات، وإجراء بعض المعاملات والتحويلات المالية، لذلك، فإن فقدانه أو تعطله قد يعني تعطل جزء من الحياة اليومية نفسها.

وفي ظل هذا الواقع، لم يعد الهاتف في بعض البيوت جهازًا شخصيًا يحتفظ صاحبه بصوره ورسائله وحساباته وملفاته، بل أصبح جهازًا يتناوب عليه أكثر من فرد بحسب الحاجة.

راما وسلام ضهير مثال. تتقاسمان هاتفًا واحدًا لمتابعة التعليم الإلكتروني، ثم تستخدمانه لمشاهدة بعض مقاطع الفيديو والترفيه. وحين تحتاج إحداهما الهاتف للدراسة، تنتظر الأخرى دورها، بينما لا يستطيع والدهما شراء جهاز ثانٍ بسبب الأسعار المرتفعة.

هكذا صار الهاتف في البيت أشبه بمورد مشترك، لا أحد يملكه وحده، ولا أحد يستطيع استخدامه متى شاء. الدراسة لها وقت، والترفيه له وقت، وربما يحتاج أحد الوالدين الجهاز في اللحظة نفسها لإجراء اتصال أو استخدام تطبيق.

ولا تتوقف المسألة عند الاستخدام المشترك؛ فالخصوصية نفسها تتقلص.. الرسائل والصور والمحادثات والحسابات التي كانت تبقى داخل هاتف شخص واحد، أصبحت موجودة على جهاز تتناوب عليه أيدٍ عدة.

وليس الأمر قرارًا تتخذه العائلة طوعًا، بقدر ما هو نتيجة مباشرة لعدم القدرة على توفير جهاز لكل فرد. محمد أبو سيدو وجد نفسه في الوضع ذاته، ولكن بعد أن فقد هاتفه عندما أُصيب ونُقل إلى المستشفى.

منذ ذلك الوقت، لجأ إلى هاتف زوجته، وعندما يحتاج إلى الخروج يأخذه معه، ما يعني أن الجهاز الذي كان مخصصًا لها يصبح خارج متناول يدها خلال تلك الفترة، ثم تعقدت المسألة أكثر عندما سقط الهاتف وتضرر، لتبدأ رحلة البحث عن الصيانة وقطع الغيار.

أما أماني مسعود، فلم تحتج إلى قصف أو نزوح حتى تفقد هاتفها. سقط الجهاز في طنجرة أثناء إعداد الطعام على نار الحطب، وانتهى الأمر به خارج الخدمة.

حادث بسيط في ظاهره، لكنه في ظروف غزة لا ينتهي بالضرورة بشراء جهاز آخر، فالبديل مكلف، والإصلاح ليس أقل كلفة، والقطعة المطلوبة قد لا تكون متوفرة أصلًا.

وتزداد صعوبة الإصلاح مع شح قطع الغيار. ففي محال الصيانة، لم يعد الفني دائمًا قادرًا على طلب القطعة المطلوبة وانتظار وصولها، بل قد يبحث عن جهاز آخر تالف يمكن أن يستخرج منه شاشة أو سماعة أو قطعة داخلية، ثم يستخدمها لإنقاذ هاتف آخر.

وبحسب فني الصيانة، ياسين، فقد أدى نقص الأجهزة وقطع الغيار إلى ارتفاع أسعار الإصلاح بصورة كبيرة، بينما أصبح العثور على بعض المكونات تحديًا بحد ذاته.

ويضيف: "وفي حالات، قد يقرر صاحب الهاتف التخلي عن إصلاحه عندما يكتشف أن كلفة الشاشة أو القطعة المطلوبة تقترب من سعر جهاز آخر، وحتى شراء جهاز مستعمل لم يعد خيارًا رخيصًا متاحًا".

قبل الحرب، كان تعطل الهاتف يعني في الغالب البحث عن بديل أو دفع كلفة إصلاحه. أما اليوم، فقد أصبح الموجود هو الذي يجب أن يتكيف معه الجميع. هاتفٌ للدراسة صباحًا، وللاتصال ظهرًا، ولمتابعة الأخبار مساءً، وربما يصبح في اليوم نفسه هاتف الزوج والزوجة والابنة.

ومع اتساع الاعتماد على الهاتف في التعليم والتواصل والخدمات، لم تعد المشكلة مجرد غلاء جهاز إلكتروني، بل أزمة تمس تفاصيل الحياة اليومية نفسها، أما الخصوصية، فتأتي في آخر قائمة الأولويات.

في غزة اليوم، لا يسأل كثيرون عن أحدث هاتف، ولا حتى عن الهاتف الذي يريدونه؛ السؤال أبسط وأقسى: هل يمكن إبقاء الهاتف الموجود على خط الخدمة؟

البوابة 24