خلاف في العلن وتعاون في الخفاء.. ماذا يجري بين مجلس السلام والأونروا بشأن غزة؟

أونروا
أونروا

يواصل مجلس السلام المدعوم من الولايات المتحدة العمل على خطط إعادة إعمار قطاع غزة، في وقت أكد فيه مرارًا أنه لا يرى مستقبلًا لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، التي كانت لعقود الجهة الرئيسية في تقديم الدعم للفلسطينيين النازحين.

وفي المقابل، كشف المدير السابق للوكالة أن بعض أعضاء المجلس يبدون، خلال النقاشات المغلقة، مواقف أكثر مرونة حيال التعاون مع الأونروا مما يظهر في تصريحاتهم العلنية.

مواقف أكثر مرونة

وتطالب إسرائيل بإنهاء وجود وكالة "الأونروا" في غزة، بعد أن وجهت إليها مرارًا اتهامات بالتعرض لاختراق من عناصر تابعة لحركة حماس، وهي اتهامات قالت محكمة العدل الدولية إنها لم تستند إلى أدلة كافية لإثباتها.

وعلى الرغم من ذلك، تواصل الوكالة عملها في القطاع بوصفها أكبر مزود للمساعدات الإنسانية، فضلًا عن إسهامها المحوري في مجالي الصحة والتعليم.

وفي هذا الإطار، قال فيليب لازاريني، الذي تولى رئاسة الأونروا حتى مطلع العام الجاري، لوكالة أسوشيتد برس إن أعضاء اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية المكلّفة بإدارة غزة مستقبلاً يرغبون في التعاون مع الوكالة.

كما كشف مسؤول أممي آخر عن محاضر اجتماعات ناقشت خلالها الأونروا واللجنة الفلسطينية سبل التنسيق في خطط إعادة إعمار القطاع.

وفي سياق متصل، أوضح مسؤول في مجلس السلام أن مسؤولي الأونروا عقدوا عدة اجتماعات مع أعضاء المجلس، وأضاف، مشترطًا عدم الكشف عن هويته، أن استمرار برامج الوكالة يظل ممكنًا إذا أثبتت قدرتها على خدمة سكان غزة بكفاءة، حتى مع اقتراب انتهاء وجود المؤسسة نفسها.

ولم تصدر وزارة الخارجية الإسرائيلية أي تعليق على هذه التصريحات.

الأونروا في صدارة المشهد

وعقب مرور نحو عام على اتفاق وقف إطلاق النار، ما تزال عملية إعادة الإعمار متعثرة، وتواصل إسرائيل منع دخول اللجنة الفلسطينية التي اختارها مجلس السلام لتولي إدارة القطاع مستقبلاً، مشترطة نزع سلاح حركة حماس أولاً.

وفي المقابل، تؤكد اللجنة أنها بحاجة إلى العمل من داخل غزة لتفعيل خططها.

وساهم هذا الواقع في إبقاء الأونروا في صدارة المشهد الإنساني في غزة، إذ تضم قوة عمل تفوق نظيراتها لدى وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الأخرى، بينما يشير لازاريني إلى أن الوكالة تدعم نحو نصف منظومة الرعاية الصحية العامة في القطاع.

وقال: "هناك رغبة في التخلص من الوكالة، لكن الجميع يدرك أن إزاحتها بالكامل اليوم قد تؤدي إلى تداعيات إنسانية كارثية إضافية على السكان."

وأدت الحرب التي اندلعت عقب هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 على جنوب إسرائيل إلى توسيع دور الأونروا في تنسيق دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة وتوزيعها داخل القطاع المحاصر، لكن الإجراءات الإسرائيلية اللاحقة حدّت من هذا الدور، بعدما مُنع موظفو الوكالة الدوليون والمساعدات التابعة لها من دخول القطاع.

وبالرغم من ذلك، أكد "لازاريني" أن البرامج الأساسية للوكالة استمرت في العمل.

وتشغل الأونروا حالياً نحو 11 ألف موظف فلسطيني داخل القطاع، حيث تشرف يومياً على ما يقارب 14 ألف موعد طبي، وتدير شبكات المياه والنفايات لأكثر من مليون فلسطيني، فضلاً عن برامج التعليم الرقمي والرياضيات التي يستفيد منها أكثر من 280 ألف طفل، إلى جانب مساحات تعليمية مؤقتة لنحو 60 ألف طفل آخر.

كما شدد "لازاريني" على أن الوكالة لا تقتصر على توفير المساعدات، بل تضمن وصولها إلى مستحقيها، قائلاً: "إذا أردت أن تصل اللقاحات بالفعل إلى الأطفال، فلا بد من وجود كوادر ميدانية ومؤسسة مثل الأونروا."

دور في مستقبل غزة

وعلى الرغم من استبعاد الأونروا رسمياً من خطط مجلس السلام الخاصة بمستقبل القطاع، فإن المعطيات تشير إلى اعتراف غير معلن بأهمية دورها.

وخلال إحاطة للمجلس هذا الأسبوع، طرح التعاون مع عدد من وكالات الأمم المتحدة بشأن إعادة الإعمار، من دون ذكر الأونروا، لكن "لازاريني" أوضح أن اللجنة الفلسطينية المكلّفة بإدارة غزة أقرت في اجتماعات داخلية بأن الوكالة تعد عنصرًا لا غنى عنه خلال مرحلة التخطيط.

وفي السياق ذاته، أكد مسؤولان أمميان رفيعان ومسؤول من المجلس أن سلسلة من الاجتماعات عقدت بين الأونروا واللجنة الفلسطينية منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، كان آخرها خلال الشهر الجاري.

وكشف "لازاريني" أنه تحدث قبيل انتهاء ولايته مع علي شعث، الرئيس الحالي للجنة الفلسطينية، الذي قال له بحسب روايته: "لا أعرف كيف يمكنني أن أنجح من دونكم."

كما أظهرت وثيقة أممية داخلية تعود إلى اجتماع عُقد في القاهرة يوم 26 يناير/كانون الثاني أن شعث أثنى على عمل الأونروا، وأبدى رغبة واضحة في إعادة تفعيل دورها، مؤكداً أن النظام الإداري الذي تعتزم اللجنة اعتماده سيعتمد بدرجة كبيرة على ما بنته الوكالة خلال العقود الماضية.

ولفت أحد المسؤولين الأمميين إلى أن معهد توني بلير، الشريك في مجلس السلام، طلب بدوره الاستفادة من خبرات الأونروا وأجرى اتصالات مع موظفيها.

وخلال مؤتمر دولي لدعم تمويل الوكالة عقد في 30 يونيو/حزيران، وصف الرئيس المؤقت للأونروا كريستيان ساندرز دور الوكالة بأنه "حيوي" لإنجاح الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار ودفع عملية إدارة غزة إلى الأمام.

إلا أن مسؤول مجلس السلام قدم رؤية مختلفة، مؤكداً أن الاجتماعات كانت تهدف إلى فهم آليات عمل الأونروا من أجل تطوير برامج بديلة "أكثر كفاءة وخضوعاً للمساءلة".

وأضاف: "أيام الأونروا أصبحت معدودة، لكن موظفيها قد يستمرون في العمل إذا اجتازوا إجراءات التدقيق وأثبتوا التزامهم بمهمتهم الإنسانية بعيداً عن أي توجهات أيديولوجية أو ارتباطات بحماس."

لازاريني ينتقد الهجمات

كما يعتقد "لازاريني" أن هناك تناقضاً صارخاً بين الدعوات إلى إنهاء دور الأونروا وبين استمرار الاعتماد عليها في تقديم الخدمات الأساسية لسكان غزة.

ومن جانبه، أكد وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي أن الوكالة ما زالت "لا غنى عنها"، وذلك عقب اجتماع وزاري في مقر الأمم المتحدة شاركت فيه أكثر من 50 دولة لمناقشة مستقبل الأونروا.

وتجدر الإشارة إلى أن الوكالة قد تأسست عام 1949 لمساعدة الفلسطينيين الذين نزحوا أو أجبروا على مغادرة ديارهم خلال حرب عام 1948 التي رافقت قيام دولة إسرائيل.

وخلال يناير/كانون الثاني 2024، اتهمت إسرائيل عدداً من موظفي الأونروا بالمشاركة في هجوم السابع من أكتوبر، كما زعمت أن مئات المسلحين الفلسطينيين يعملون ضمن صفوف الوكالة.

إلا أن "لازاريني" قال إنه لم يتلقى أي أدلة مكتوبة تدعم هذه الاتهامات رغم مطالباته المتكررة لإسرائيل وبعض الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

وبالرغم من ذلك، أكد "لازاريني" أنه لا يندم على قراره بفصل الموظفين الذين وُجهت إليهم اتهامات بالمشاركة في الهجوم، موضحاً أن القرار اتخذ حفاظاً على مصلحة الوكالة والسكان الذين تخدمهم.

وتابع "لازاريني" أنه تعرض خلال فترة ولايته لحملات تشهير وهجمات شخصية "شرسة وغير مسبوقة" على وسائل التواصل الاجتماعي، فضلاً عن مضايقات مباشرة في شوارع جنيف ونيويورك من قبل مجموعات مؤيدة لإسرائيل.

ومن المقرر أن يصدر "لازاريني" في أكتوبر المقبل كتاباً بعنوان "شاهد على غزة: ما لا يمكن محوه" باللغة الفرنسية، على أن تليه نسخة باللغة الإنجليزية لاحقاً.

وكالات